الرئيسية » مقالات » الخطاب العربي والقضية الكوردية

الخطاب العربي والقضية الكوردية

(8)

كنا قد قرأنا للسيد (تركي علي الربيعو) عدد من المقالات يتعرض فيها لقوى المعارضة السورية بشكلٍ عام وعلى الأخص منها ما يتعلق بالمعارضة الكوردية وكنا قد نوينا الرد عليه وقتها وذلك ضمن سلسلة مقالاتنا المعنونة بـ(الخطاب العربي والقضية الكوردية)، ولكن ولأسباب وظروف خاصة تتعلق بنا وعامة تتعلق بالمناخ السياسي العام ارتأينا أن بعض التريث والتروي يكون ضرورياً، إلى أن كان اليوم، لنعود مجدداً إلى مقالين له نشرتا ضمن فترة زمنية قريبة على بعضهما وعلى الشكل التالي: المقالة المعنونة بـ(المعارضة الكردية في سوريا تخطب ود أميركا) نشرت في موقع (الجزيرة نت) وبتاريخ (21/3/2006) والمقالة الثانية كانت بعنوان (المعارضة السورية إلى أين؟) وقد نشرت في دورية (الخليج) وأخذ عنها موقع (سورية الغد) ونشرته بتاريخ (26-6-2006). وإننا سنحاول أن نعود إلى المقالين المذكورين للسيد (تركي علي الربيعو) ونحاول أن نحاوره ونجادله بهدوء ودون مواقف مسبقة ومتشنجة، لكي يكون قراءتنا لما في السطور وليس بين السطور – فالرجل لا يمارس “خطاب التقية” كما تمارسها الحركة الكوردية، حسب رأيه وهو مصيب في ذلك – نعم.. لتكون قراءتنا منصفة وموضوعية وبالتالي سنحاول أن نستبين في تناولنا لمقالتيه السابقتين جملة القضايا والأفكار والمواضيع التي يطرحها من خلال تلك المقالتين.

وسوف نبدأ من العام إلى الخاص وبالتالي سنتناول المقالة المعنونة بـ(المعارضة السورية إلى أين؟) والتي تتعرض لمجمل قوى المعارضة السورية وتتساءل إلى أين تتوجه هذه المعارضة؟ في تساءلٍ لا يخفي الشك والريب بها ومن أنها مرتهنة؛ إما للخارج أو للمعارضة الكوردية! – ونحن هنا لا نخفي تعجبنا – أو للاثنتين معاً؛ حيث يكتب السيد (تركي علي الربيعو) في مقالته هذه، ومن جملة ما يكتب، ما يلي: “من وجهة نظر البعض، أن حالة الارتباك التي تعيشها المعارضة السورية وانقسامها إلى أشطار غير متآلفة هي نتيجة، فجبهة الخلاص الوطن (أي الوطني) التي يقودها عبد الحليم خدام وصدر الدين البيانوني المرشد العام للإخوان المسلمين في سوريا وبحضور أطياف من المعارضة الكردية الراديكالية التي رفضت التحدث بالعربية في مؤتمر لندن الأخير، وذلك في محاولة منها للتأكيد على أن قضيتها هي قومية أولاً قبل أن تكون وطنية، لم تفلح في كسب ود المعارضة في الداخل التي ظلت تنظر بارتياب كبير إلى خدام والبيانوني، خاصة وأن أغلب رموز هذه المعارضة اليسراوية يعيش حالة من الارتياب والخوف من الإخوان المسلمين. وهناك جماعة إعلان دمشق التي رفضت وترفض أن تمد يدها للخارج لكنها وبضغوط كردية من الداخل، حيث يشكل الأكراد حليفاً استراتيجياً لا يمكن الاستهانة به، رفضت أن تأتي على ذكر الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل” ولا حتى عن الاحتلال الأمريكي للعراق، أضف إلى ذلك المعارضة الكردية التي تؤكد دائما على أنها جزء من المعارضة السورية بوجه عام مع الحفاظ على استقلاليتها، وهذا ما يفسر خطبها لود الولايات المتحدة في مؤتمرها الذي عقدته في أمريكا بتاريخ 13/4/2006 تحت قبة الكونجرس الأمريكي والذي دعت فيه أمريكا إلى الإطاحة بالنظام”.

بدايةً نلاحظ بأن السيد (تركي الربيعو) يحاول دق الإسفين بين أطياف المعارضة الوطنية وتحديداً بين القوى والأحزاب الكوردية وبقية قوى المعارضة السورية وخاصةً العربية منها؛ وذلك من خلال الضرب على وتر النعرات القومية وهو الذي يحاول أن يوهمنا بأنه ضد هكذا نعرات قومية وطائفية وبأنه تجمعنا الهوية الوطنية السورية وخاصةً عندما يوصف الحركة السياسية الكوردية، وعلى شكل اتهام صريح، بأنها تعمل “للتأكيد على أن قضيتها هي قومية أولاً قبل أن تكون وطنية”. وهنا نود أن نؤكد للسيد (تركي) – ومرةً أخرى – بأنه على الحق والصواب وأن رؤيته هنا صائبة وإننا لن نمارس “خطاب التقية” في هذه المسألة؛ حيث أن القضية الكوردية هي قضية قومية بامتياز وقبل أن تكون قضية وطنية سورية، تركية، إيرانية أو عراقية. بل أن القضية الكوردية في عمقها وبعدها التاريخي الوجودي أسبق وأقدم من تشكل هذه البلدان والدول الوطنية والتي كانت بفعل القوى الاستعمارية وحسب مصالحها واتفاقياتها والتي يتناطح لها السيد (تركي الربيعو) – ليلاً نهاراً وجهاراً ودون تقية – ويرفضها؛ أي تلك الاتفاقات والمعاهدات الدولية مثل سايكس-بيكو وغيرها (جملةً وتفصيلاً) فما باله يدافع عنها اليوم وذلك من خلال تمسكه بهذه الهويات الوطنية التي ما هي إلا تركة الاستعمار القديم وحلفائها في المنطقة آنذاك، حسب توصيف رموزه العقائدية من القوميين العرب.

أما النقطة الجوهرية والتي يحاول السيد (تركي علي الربيعو) أن يؤكد عليها هي قضية (تخوين) الحركة السياسية الكوردية، بل الشعب الكوردي برمته في محاولة منه لتحريض جهات معينة؛ إن كانت في السلطة أو المعارضة، ضد الشعب الكوردي وذلك عندما يكتب: “وهناك جماعة إعلان دمشق التي رفضت وترفض أن تمد يدها للخارج لكنها وبضغوط كردية من الداخل، حيث يشكل الأكراد حليفاً استراتيجياً لا يمكن الاستهانة به، رفضت أن تأتي على ذكر الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل” ولا حتى عن الاحتلال الأمريكي للعراق، أضف إلى ذلك المعارضة الكردية التي تؤكد دائما على أنها جزء من المعارضة السورية بوجه عام مع الحفاظ على استقلاليتها، وهذا ما يفسر خطبها لود الولايات المتحدة في مؤتمرها الذي عقدته في أمريكا بتاريخ 13/4/2006 تحت قبة الكونجرس الأمريكي والذي دعت فيه أمريكا إلى الإطاحة بالنظام”. وهكذا نجد إنه يحاول مرة أخرى ضرب الإسفين بين قوى المعارضة السورية، وذلك في محاولة بائسة ويائسة منه بقلب قوى (إعلان دمشق) على بعضها، على اعتبار أن (الطرف أو الأحزاب العربية) المنضوية في الإعلان هي قوى وأحزاب وطنية “ترفض أن تمد يدها للخارج” ولكن وبحكم “الحليف الإستراتيجي”؛ (أي الأحزاب والقوى الكوردية) المنضوية هي الأخرى في الإعلان، وبالتالي “الضغط من الداخل” فإن قوى (إعلان دمشق) “رفضت أن تأتي على ذكر الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل” ولا حتى عن الاحتلال الأمريكي للعراق”.

بل إنه يحشر بعض المواضيع في مقاله ذاك ومن دون ترابط منطقي وموضوعي بين تلك القضايا والمسائل؛ فها هو يحاول أن يحشر موضوع “المؤتمر الكوردي” والذي عقد في الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ (13/4/2006) من قبل بعض الأطراف والأحزاب الكوردية والتي هي بالأساس تعمل بين أبناء الكورد في المهجر (الطوعي – القسري). وقد غابت عن المؤتمر الأحزاب الرئيسية في الداخل – وهذا ليس خطاب تقية وإنما هي الحقيقة وبعكس ما يروج له السيد (تركي الربيعو)؛ حيث كان يجب، وبحكم المهنة والأخلاق، أن ينقل الخبر بحيادٍ وصدق – وهو بذلك يحاول أن يحشر الحركة السياسية الكوردية والشعب الكوردي عموماً في الزاوية الصعبة ويضعهم في مربع “التخوين” والشك به، وذلك عندما يؤكد بأن “المعارضة الكردية” والتي عقدت مؤتمرها في أمريكا “دعت فيه أمريكا إلى الإطاحة بالنظام” السوري. أليس هذه دعوة للسلطة وأجهزتها الأمنية إلى محاكمة الكورد، كل الشعب الكوردي و”معاقبته” وزجه في السجون والمعتقلات بحجة الاتصال بالخارج و”خيانة الوطن”، فأية أخلاق يتمتع بها هكذا شخص ناهيك عن أنه كاتب ومثقف وطني.

ونأتي الآن إلى المقال الثاني للسيد (تركي علي الربيعو)؛ حيث يقوم بتفصيل نقاطه بصدد المؤتمر الذي عقد في الولايات المتحدة الأمريكية فيقول: “بعد عامين على أحداث القامشلي 12/3/2004 أو ما سميت بانتفاضة القامشلي، يأتي انعقاد مؤتمر الكرد السوريين تحت قبة مبنى مجلس الشيوخ الأميركي برعاية أميركية، حين (حيث) عقد المؤتمر في الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت واشنطن وذلك في يوم الاثنين 13/3/2006”. إن قضية انعقاد المؤتمر على أنه مؤتمر لكل الكورد وقواها السياسية هي قضية منافية للواقع والحقيقة وقد أوضحنا ذلك سابقاً. أما ما يتعلق بخصوص مسألة (الانتفاضة) أو (الحدث) فهذه نقطة خلافية حتى داخل الكتل والأحزاب السياسية الكوردية، بل داخل الكتلة السياسية الواحدة، ونعتقد إن الخلاف حول هذه النقطة يتعلق بالموقف من النظام السياسي في البلد أكثر مما يتعلق بالمسألة والقضية نفسها وبالتالي الخلاف – في رأينا – ليس على المصطلح السياسي وهل هي (انتفاضة) أم (حدث)، بل – وكما قلنا آنفاً – الموقف من النظام.

ومن خلال الاستمرار في قراءة المقال نصل إلى نقطة مفادها، أن السيد (تركي الربيعو) يرفض حتى تلك القوى والكتل السياسية الكوردية والتي تحاول أن تتقرب من الطرف الآخر بشتى السبل والطرق، حيث تصل أحياناً إلى درجة التنازل عن (بعض) الحقوق القومية لصالح الطرف العربي المهيمن؛ (إن كان في السلطة أو المعارضة). وبالتالي فهو يرفض أن يُخرج حتى تلك القوى والأحزاب التي تتسم بالاعتدال – حسب رأيه – من صف “التخوين” و(الإستقواء بالخارج) حيث يكتب: “المؤتمر لم يكن مفاجئا كما يحاول أن يقنعنا بعض رموز المعارضة الوطنية السورية، أو حتى بعض الأحزاب الكردية على قلتها مثل الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي الذي هو أكثر هذه الأحزاب اعتدالا، وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا الذي جاء على لسان أمينه العام أن لأميركا تاريخا أسود في حق الشعب الكردي. بل إن هذا المؤتمر جاء نتيجة لخطاب قومي كردي ينشد الاستقلال في “أرض وشعب” كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، وبخاصة لدى الأحزاب الكردية الأكثر راديكالية، المأخوذة حتى لبابها، والمؤمنة بتحقيق دولة كردستان التي تمتد حدودها من شمال طهران إلى البحر المتوسط مرورا بالعراق وتركيا كما تظهر الخرائط الكردية التي توزعها هذه الأحزاب”. فالرجل يبدي رأيه هنا – وبنوع من الاستخفاف والسخرية – بالقضية الكوردية والخطاب السياسي الكوردي الذي يطرح القضية على أنها قضية “أرض وشعب” وكذلك بالمفهوم الجغرافي لكوردستان؛ أي أنه يرفض كل ما يدعو إلى الحل على أساس أن القضية الكوردية، وفي الأقاليم الأربعة وليس فقط في سوريا، على أنها قضية “أرض وشعب” وجغرافية مسلوبة و”مستعمرة دولية” كما يقولها الأستاذ إسماعيل بشكجي.

إن السيد (الربيعو) لا يكتفي فقط في محاولاته البائسة (بدحض) القضية الكوردية في أقاليم كوردستان الأربعة، بل يحاول أن يحرض عموم القوى العربية في سوريا وكذلك العالمين العربي والإسلامي ضد الشعب الكوردي وقواه السياسية مستغلاً بذلك المناخ السياسي والأجواء الثقافية العامة في المحيطين العربي والإسلامي المشحون ضد كل ما هو أمريكي وأوربي وضد كل من (يتعاون أو يتعامل) معهما، وينسى رفرفة الأعلام الأمريكية في كل العواصم العربية والإسلامية وكذلك الإسرائيلية في بعض تلك العواصم ومحاولات العواصم الأخرى لكسب رضا أمريكا وأوروبا ولن نقول إسرائيل أيضاً. بل إنه؛ (أي السيد الربيعو) يحاول أن يحرض السلطة السورية وقواها الأمنية ضد الكورد وقواها السياسية وبكل صفاقة مستغلاً الخطاب الشعاراتي التعبوي والسائد في البلد عموماً وذلك عندما يكتب: “.. إن انعقاد المؤتمر تحت قبة مجلس الشيوخ وبرعايته، لم يكن مفاجئا، فتظاهرة القامشلي التي أعقبت أحداث الشغب تلك، قادها اثنا عشر حزبا كرديا، رفعت فيها أعلام كردستان وحجب عنها العلم السوري كشاهد على الوطنية، حيث لم يتجاسر ولا حزب سياسي على رفعه. كذلك رفعت الشعارات التي تحيي الولايات المتحدة الأميركية وتحيي الرئيس بوش الذي أطلق عليه لقب “بافي آزاد” بالكردية وتعني “أبو الحرية” في محاولة لاستقدام أميركا كقوة محررة إلى سوريا لإسقاط نظامها الدكتاتوري وتكرار السيناريو الذي حدث في العراق”.

نقول أولاً: إنه ينافي الحقيقة مرة أخرى وذلك عندما يدعي بأن “تظاهرة القامشلي التي أعقبت أحداث الشغب تلك، قادها اثنا عشر حزبا كرديا”. حيث الحقيقة غير ذلك، بل قاد تلك المظاهرات بعض القوى السياسية الكوردية وغابت عنها البعض الآخر – وللأسف – وكذلك نلاحظ إنه يبدي موقفه الحقيقي تجاه “انتفاضة القامشلي” وذلك بتسميتها “أحداث الشغب” واتهام الكورد أنهم رفعوا الأعلام الكوردية ومن دون الأعلام (الوطنية) السورية، بل إنهم؛ (أي المتظاهرون في شوارع القامشلي) رفعوا (الشعارات التي تحيي الولايات المتحدة الأميركية وتحيي الرئيس بوش الذي أطلق عليه لقب “بافي آزاد” بالكردية وتعني “أبو الحرية” في محاولة لاستقدام أميركا كقوة محررة إلى سوريا لإسقاط نظامها الدكتاتوري وتكرار السيناريو الذي حدث في العراق). لا نعلم من أين يستقي هذا الرجل معلوماته؛ فإذا كان لا يجافي الواقع والحقيقة فهذا يعني شيئين لا ثالث لهما؛ إما أن الشعب الكوردي يعيش حالة الثورة والغليان وقد كسر حاجز الخوف من السلطة وأجهزتها الأمنية، أو أن تلك الأجهزة ومن وراءها السلطة والنظام السوري عموماً يعيش حالة الفلتان والضعف بحيث يطالب هذا الشعب بـ”استقدام أمريكا” من خلال “إستقوائه” بالخارج وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن الواقع الذي نعيشه، بل هو نفسه وفي سياق مقالته عن “المعارضة السورية إلى أين”، ينفي الضعف عن النظام السوري وذلك عندما يكتب: “.. كذلك لم تنجح الميول الاستعراضية للثعلب الألماني ديتلف ميليس إلا في إثارة الزوابع، ومع أن الرهان كان كبيراً عليه في خطاب المعارضة السورية من أجل استثمار الضغوط الأمريكية لفرض تنازلات على النظام ودفعه إلى الاصلاح، أو دفعه إلى الهاوية حيث راح بعض رموز المعارضة وفي لحظة نشوة يعد الشهور القليلة المتبقية للنظام في الحكم، ولكن الرياح لم تجر كما تشتهي سفن المعارضة السورية، فقد استقال ميليس ليخلفه سيرج براميرتس بمهنية عالية في التحقيق ونفس طويل قد يستغرق سنوات ليصل إلى نتيجة، وجاء طلبه بتمديد مهمته سنة إضافية أخرى، ليعري خطاب المعارضة التي ظنت أن أزمة النظام مع المجتمع الدولي على الأبواب”. إن السيد (تركي الربيعو) يعترف هنا بأن النظام السياسي في البلد ليس ضعيفاً ولكنه بحاجة إلى الإصلاح، بل إنه يقر بأن الضغوط الخارجية وتحديداً الأمريكية ينصب بهذا المنحى والاتجاه، وبالتالي فيحق لنا أن نسأله هنا: هل أنت متفق مع المعارضة السورية، بكل قواها وأطيافها السياسية والعرقية والدينية المذهبية، “من أجل استثمار الضغوط الأمريكية لفرض تنازلات على النظام ودفعه إلى الاصلاح” – على فرض أن ذلك صحيحاً، حسبما كتبته أنت – وبالتالي فإن هذه العلاقة؛ (علاقة المعارضة مع الولايات المتحدة الأمريكية) هي إيجابية ولصالح البلد؛ بحيث أنه يدفع النظام نحو المزيد من الإصلاح، أم إنك ونتيجة إصرارك على أن تكون مدعياً ومنافقاً (كبيراً) ولا نريد أن نقول: محرضاً ومخبراً (كبيراً) لدى الأجهزة الأمنية؛ وذلك بتحريضك لتلك الأجهزة، أصبحت تناقض وتكذب نفسك بنفسك.

يبدو ومن خلال المقطع التالي، أن السيد (تركي الربيعو) مصاب بعقدة (كراهية الكورد)؛ فهو لا يكل ولا يوفر جهداً من أجل زرع بذور الخلاف والشقاق بين القوى السياسية الكوردية وبقية أطراف المعارضة الوطنية السورية، في محاولة منه أن تنقلب تلك الأطراف على الأحزاب والقوى الكوردية، فها هو يدون: “لم تمر أحداث القامشلي بسهولة، بل كانت مناسبة لتعاطف كبير من قبل المعارضة الوطنية السورية المحكومة بفقه النكاية ضد السلطة السورية. وسرعان ما أصبحت القامشلي محجا لقيادات المجتمع المدني في سوريا، ولقيادات الأحزاب السياسية المعارضة التي أعلنت تضامنها التام مع الأكراد، من حزب الإخوان المسلمين إلى حزب الشعب الديمقراطي بقيادة رياض الترك، الذي زار القامشلي على أمل توسيع قاعدة المعارضة للنظام ولكنه عاد خاوي الوفاض من هناك”. إننا نستغرب من هذا (الوطني) والذي لا يتعاطف مع قضايا و(أحداث) أو(مشاغبات) وانتفاضة (وطنية) سورية تذهب ضحيتها العشرات من أبناء الوطن، ناهيك عن الجرحى والمعاقين.

وبصدد الخطاب السياسي للحركة الكوردية يقول: “يدرك الكثير من رموز المعارضة الوطنية السورية، أن الخطاب السياسي الكردي خطاب تقية إن جاز التعبير، فقادة الأحزاب الكردية يضمرون غير ما يعلنون. فهم عبر اجتماعاتهم ولقاءاتهم مع رموز المعارضة السورية التي احتضنتهم قبل وبعد أحداث القامشلي، يؤكدون على الرابطة الوطنية السورية كإطار يجمع جميع قوى المعارضة التي تنشد الديمقراطية والوحدة الوطنية، ولكنهم ما إن يخلوا إلى بياناتهم التي توزع في مقاهي دمشق أو على شبكة الإنترنت، حتى يعطوا الأولوية لما هو قومي بل وحتى انفصالي. فالأكراد كما يقول خطابهم هم القومية الثانية في سوريا، القومية المهيمن عليها من قبل القومية العربية التي توصف بالاستبدادية، والتي تحتل أراضي كردستان الغربية، حيث تطالب بعض البيانات الكردية بإزالة المستوطنات العربية من أراضي كردستان وبطرد السكان العرب من هناك، خاصة من جاءت بهم الدولة تحت حجة الحزام العربي”. إننا لا نعلم كيف تستقيم الأمور مع هذا الرجل؛ حيث كيف يمكن لقوى وأحزاب الحركة الكوردية أن يعلنوا ويؤكدوا “عبر اجتماعاتهم ولقاءاتهم مع رموز المعارضة السورية.. على الرابطة الوطنية السورية كإطار يجمع جميع قوى المعارضة التي تنشد الديمقراطية والوحدة الوطنية” ومن ثم و”ما إن يخلوا إلى بياناتهم التي توزع في مقاهي دمشق أو على شبكة الإنترنت، حتى يعطوا الأولوية لما هو قومي بل وحتى انفصالي”. وهل المعارضة الوطنية السورية تعيش في كهوف (تورابورا) حتى تغفل عن هكذا “خطاب تقية” ولا تدري “بما يضمره” الكورد وحركته السياسية.

أما بخصوص القضايا والمسائل الإشكالية والتي قال بأن الحركة الكوردية تطرحها من خلال “خطاب تقية” فنؤكد له ولكل أصحاب هذه المدرسة القومجية العروبوية بأن الحركة الكوردية، أو على الأقل معظم فصائلها السياسية تؤكد على هذه النقاط:
أولاً- الشعب الكوردي في سوريا يشكل القومية الثانية في البلاد، من بعد الأخوة العرب، وهذه حقيقة سكانية – ديموغرافية ولا يمكن إخفاءها أو إنكارها من خلال خطاب تعبوي قومجي.
ثانياً- هناك هيمنة من قبل القومية الثانية – بالتأكيد لا نحمل كل الشعب العربي وزر هذه الهيمنة، وإنما قواها السياسية وبما فيها قوى المعارضة السورية – التي لا تقبل فكرة وجود الشعب الكوردي كقضية شعب يعيش على أرضه التاريخية وبالتالي فقضيته هي قضية أرض وشعب.
ثالثاً- إن لم يكن إنكار وجود القضية الكوردية في سوريا ومحاولات طمس هويته وثقافته وصهره ضمن ثقافة وحضارة القومية المهيمنة – وهنا العربية والإسلامية – هي حالة من حالات الاستبداد والسلب فما تعريفها عند السيد (تركي الربيعو).
رابعاً- ترفض الحركة السياسية الكوردية تلك المشاريع العنصرية والتي استهدفت الأرض والشعب الكوردي من خلال القانونين السيئين الصيت ونقصد بهما (الإحصاء والحزام العربي) وبالتالي فإنها تطالب؛ (أي الحركة السياسية الكوردية) بإعادة الحق لأصحابها؛ من خلال إعادة الفلاحين العرب الذين تم استيطانهم مكان الفلاحين الكورد أصحاب الأرض وتعويض المتضررين وذلك ضمن مشروع وطني حقيقي وليس حزام يهدف إلى “الفصل العنصري”.
خامساً- وبخصوص قضية (الانفصال) وعلى حد علمنا ومعرفتنا بالخطاب السياسي الكوردي وبرامج الأحزاب الكوردية؛ فإننا لم نجد عند أحد من المعنيين بالقضية الكوردية في سوريا بأنه يدعوا إلى الانفصال وهذه الكذبة أكبر من أن يخفيها السيد (تركي الربيعو)، بل إننا نؤكد هنا مجدداً بأن الحركة السياسية الكوردية تبحث عن حلول حقيقية وعادلة للقضية الكوردية في سوريا ضمن وحدة البلاد، وهذا ليس بـ”خطاب تقية” يا سيد (تركي) كما ستفهمها – باعتقادنا ونرجو أن نكون مخطئين في اعتقادنا هذا – بل نؤكد ومرةً أخرى بأن هذه “الوحدة الوطنية” هي ضمانة وحماية لشعوبنا وبلداننا إن كنا كورداً أو عرباً أو فرساً أو تركاً وغيرهم من الأقوام والأعراق والأوطان التي تتجاور في هذا الشرق البائس والتعيس والموبوء بهكذا (قيم) وأفكار وأطروحاتٍ سياسية تفوح منها رائحة العنصرية والشوفينية والقومجية المقيتة. وهكذا فإن من مصلح الكورد أن تبقى هذه البلدان موحدة، على الأقل في المرحلة الحالية.

ومن بعد كل هذا وذاك يأتي السيد (تركي) ليؤكد على كذبة كذبها وصدقها هو وحده، وذلك عندما يكتب في مقاله المذكور سابقاً وبخطٍ عريض ومميز: “من هنا فإن مؤتمر واشنطن الذي حضرته مجموعة من الأحزاب الكردية السورية كالتحالف الوطني الكردي والجبهة الديمقراطية الكردية وحزب آزادي الكردي في سوريا، وممثل حزب الاتحاد الديمقراطي وممثل عن حزب يكتي الكردي في سوريا، بالإضافة إلى شخصيات حزبية وثقافية كردية تمثل الجالية الكردية في أميركا وأوروبا، ليس غريبا أن تنص بعض توصياته على ما يلي”. ويقوم بسرد تلك التوصيات ويمكن العودة إلى بيان المؤتمر أو مقالته للإطلاع عليها ولكن ما يلفت الانتباه؛ هو أنه يعلق على مسألة بحد ذاتها، ألا وهي التوصية التي تقول: “ضرورة إنهاء النظام الدكتاتوري الحاكم في دمشق” ويبدل مصطلح “إنهاء” وفي غايةً لنفس (يعقوب) بمصطلح”إسقاط”. وليتساءل من خلاله (لا تقول لنا التوصيات كيف يمكن “إسقاط النظام الدكتاتوري الحاكم في دمشق؟” ولكن مكان انعقاد المؤتمر يفصح عن ذلك، فأميركا وحدها بجيوشها وأساطيلها، تستطيع أن تكرر السيناريو العراقي في دمشق).

ونحن بدورنا نتساءل هنا، هل هناك حاجةٌ أكثر من هذا ليكون مبرراً للنظام وأجهزتها الأمنية من أن تشن حملات اعتقال واسعة في صفوف الحركة السياسية الكوردية ورموزها؛ فبحسب ادعاءات السيد (تركي الربيعو) إن كل الأحزاب الكوردية، بل وكل الشعب الكوردي يحاول “إسقاط النظام الديكتاتوري في دمشق” ومن خلال حضوره في مؤتمر (واشنطن) واستنجاده بأمريكا. إننا لا نعلم كيف لا يخجل هذا الرجل من نفسه بأن يفتري على الحركة الكوردية بهذا القدر من الادعاءات الكاذبة المنافية للواقع والحقيقة تماماً والكل يعلم علم اليقين بأن مؤتمر (واشنطن) – وكما قلنا في بداية ردنا هذا – بأنه لم يحضره إلا بعض القوى والأحزاب الكوردية التي هي بالأساس تشكلت في المهجر ولا قواعد لها في الداخل، أما عن ادعاءه بأن كل من “التحالف الوطني الكردي (والأصح هو التحالف الديمقراطي وليس الوطني، وهذه تكشف مدى جهل هذا الرجل بما يكتب عنه) والجبهة الديمقراطية الكردية وحزب آزادي الكردي في سوريا، وممثل حزب الاتحاد الديمقراطي وممثل عن حزب يكتي الكردي في سوريا”. نعم نود أن نؤكد هنا بأن هذا (الرجل) إما جاهل تماماً بالموضوع الذي يتناوله، ونحن لا نميل إلى ذلك؛ كونه على احتكاك مباشر مع الموضوع والقضية الكوردية – ولربما عن طريق الأجهزة الأمنية – وإما هو يريد أن يؤجج المشاعر القومية العربية ضد الشعب الكوردي وكذلك أن يحرض الأجهزة الأمنية لضرب الكورد في العمق.

حيث أن الرجل لا يخفي نواياه ولا يمارس “خطاب تقية” كما يمارسه الكورد – حسب ادعاءه – وهذه تحسب عليه وعلى الأجهزة الأمنية والنظام السياسي في البلد وكذلك على القومية السائدة برمتها وذلك عندما يلجأ الكورد إلى “خطاب تقية”؛ فهذا معناه أن هناك حالة استبداد وقمع في البلد وبشكل أكبر على الكورد ولذلك يلجأ الشعب الكوردي وقواها السياسية للعمل من وراء الكواليس و”في إطار خطاب التقية الموجه للمعارضة السورية” كما يقوله السيد (الربيعو) في مقاله. ولكن ينسى كل ادعاءاته هذه بشأن “خطاب التقية” والذي تمارسها الحركة السياسية الكوردية ليقول مباشرةً، ومن بعد الفاصلة فقط، أنه “في الوقت الذي ترفض فيه أطراف فاعلة من المعارضة السورية، أي تعاون مع الخارج تحت حجة إسقاط النظام الدكتاتوري، فإن المعارضة الكردية لا تخفي نواياها وهذا ما عودنا عليه الخطاب القومي الكردي الذي لا يجامل في هذا المجال”. ولا نعلم كيف يمارس الكورد “خطاب تقية” من جهة ومن الجهة الأخرى هي “لا تخفي نواياها” فكيف استقام الأمر عند السيد (تركي الربيعو) في هذه المسألة لا نعلم، وإننا نتساءل هنا: إن لم يكن هذا (الرجل) مدعياً ولن نقول مجنوناً أو معتوهاً؛ كيف يمكن أن يقول الشيء ثم يقول نقيضه وعلى لسان الحركة الكوردية.

كلمة أخيرة نود أن نقولها للسيد (تركي علي الربيعو): إننا لن ندخل في سجالٍ تاريخي وإحصائي معكم، وذلك بخصوص الشعب الكوردي ومسألة أنه يعيش على أرضه التاريخية وكذلك في مسائل الجغرافية ومساحة كوردستان والتعداد السكاني للشعب الكوردي، فهذه المسائل نتركها لأصحاب الاختصاص وهم الجديرون بإعطائنا الحقائق بخصوص هذه المسائل والقضايا القانونية والتاريخية والجغرافية. ولكن نود أن نقول لكم ولكل من يُنكر على الكورد حق الحياة والحرية والعيش الكريم: لتكن لكم عربستان وكوردستان وبعثستان (من البعث) وأمنستان ومخابرستان (من الأمن والمخابرات) وكذلك ليكن لكم الأرض والسماء والآلهة والملائكة والرسل والكتب و.. و.. ولكن فقط دعوا لنا الهواء لنتنفس قليلاً ودعوا ابنتيّ؛ (إستر ومايا) واللتين لم تتجاوزا عمر الورد، لا يبكين وهما عائدتين من المدرسة؛ لأن آنستهم تتكلم لغةً هما لا يدركانها و.. أن لا تفزع أمهما من النوم عندما تسمع ضجيجاً في الشارع وذلك خوفاً على رجلها من عسس الفجر والظلام وبأن تفقده في غياهب السجون والمعتقلات وزنازين القهر والطغيان.

جندريس-2007