الرئيسية » مقالات » أفول وسطوع نزيهة الدليمي!؟

أفول وسطوع نزيهة الدليمي!؟

نتذكر الآخرين باعتزاز لموقف مضيئ في حياتهم ونأسى لغيابهم ، فكيف لنا ونحن نفقد امرأة هي موقف ساطع طيلة حياتها المثقلة بالمرارة مثلما المتألقة بالعطاء..

تلقيت بحزن هز كياني لفقد العراقية الباسلة والرفيقة الحنون وأول وزيرة في حكومة تموز 1958 ..وأعني الدكتورة نزيهة الدليمي..

ولااشك ان عراقيا ممن يحتفظ ببعض ذاكرة تموز ، وذاكرة الكفاح ضد الاستعمار والتخلف ، وذاكرة مكافحة الفقراء لانتزاع حقوقهم ، وذاكرة سطوع المرأة العراقية رغم الكفن الاسود الذي يلاحقها، وذاكرة التاخي القومي ، وذاكرة الوعي الاجتماعي التقدمي ، وذاكرة بغداد التي ازدهت ببصماتها..دون ان يتضرج بالحزن لفقدان الدكتورة نزيهة الدليمي التي غيبتها عنا الانظمة القمعية المتعاقبة لعقود طويلة قبل ان تغيب عنا الى الابد مختنقة بعبرات الغربة وعيونها تتلألأ رانية الى دجلة الخير..

· عندما اغتيل المناضل الوطني العراقي ابن السليمانية (فكرت جاويد) عام 1974 كأول نتيجة للتحالف مع الفاشست ، وتعبير عن مضمون ومستقبل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي لم يجف حبر التوقيع عليها بعد!، كنا باستقبال جثمانه الطاهر على ابواب بغداد..وجرت العادة ان يجلس والد الشهيد او والدته في السيارة التي تحمل النعش ،ولما كانت والدة الشهيد قد سبقته بزمن نزيلة في مقبرة باب المعظم .. كانت سيارة النعش تجلس فيها – الى جانب السائق – الدكتورة نزيهة الدليمي بديلا للام الفقيدة كي لايشعر الشهيد بابتعاد الاحبة عنه!!..وادركنا حينها أي ام عراقية صبورة وجسورة ومتقدة الوعي هي العراقية نزيهة الدليمي.

· قبل اقل من عام وجهت لها نصا، وكانت طريحة الفراش.. وهذا هو النص:


– نزيهةٌ- * و- سُلْطَةِ النَزاهَةِ -**

في هذا الزمن المُنْتِنِ..
……………ينمو” الضُرّاعُ”(1) بأفواهِ الحكام المحروسين..
نَفرٌ فيهم دَخَلَ “الخَزْنَةَ” عريانا.. أمسى ناقلةً للبترول..
وآخر سيقَ بتهمةِ سلبِ الأكفان من الموتى قبل وصول “نكير”(2)..
وثالثٌ ..ينهبُ نفطاً من شريان الوطن المذبوحِ إلى حنجرةِ الدبابات الدموية..
ورابعٌ ..في مُقَتَبلِ القبرِ يُفَخخ فتيانَ الكرخِ بأجساد الكلمات الفصحى..
وخامسٌ ..باع طحين “الحصة”(3) في أعمدة الصحف الثورية..
وسادسٌ.. يجمع أدران السلطة في أكياس من جلد الأطفال المسلوخين بباب المسجد قربانا لنعيم المحتلين..
وسابعٌ..
وثامنٌ…
و…..و..
يطالبُ في الليل بِفِدْيَّة .. وعند حلول “الأجرِ” يكونُ وزيراً للحكمةِ..
******
نَمضي أمماً خاويةً من جَوْرِ الجوعِ… إلى أبوابِ سعير..
تُقحمُنا السلطةُ في وحلِ الاستجوابِ الأزليِّ..
يتهاوى النخلُ .. يصيرُ هشيماً ..
ينمو في كل الطرقاتِ.. لصوصاً.. وخناجر!
******
منذ عقودٍ..
كانت امرأةٌ منّا تحملُ في كفٍ وعداً برغيدِ العيشِ ..
………………………وتراباً حُراً في الأخرى..
نَفَذَتْ مشرقةُ العينين إلى محرابِ المدن المنسيةِ..
دَخلت حافيةُ القدمين إلى أرواح الفقراء كـ”قاسم”..
خَرجتْ منهكةٌ .. دون رغيفٍ لسحورِ الأهلِ..
………………………………………صارت أهزوجة!
12-11-2006
——————————————————–
*هي الدكتورة نزيهة الدليمي أول وزيرة عراقية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958.
**من قاموس التوحش في العراق(2)”هيئة النزاهة”.
(1) نوع من الديدان اللزجة المنتفخة المتكونة والمتكاثرة في الجثث.
(2)احد ملائكة الاستجواب في القبر.
(3) “الحصة التموينية” السيئة الصيت التي رهن نظام صدام والأمم المتحدة الأمريكية حياة العراقيين بها كقطيع مُجَوَّعْ.