الرئيسية » مقالات » تراثك باق وذكراك خالدة في قلوب محبيك

تراثك باق وذكراك خالدة في قلوب محبيك

كان صباح هذا اليوم، الثلاثاء التاسع من تشرين 2007، صباحاً موجعاً حزيناً عندما افتتح بخبر رحيل العزيزة الدكتورة نزيهة الدليمي عن دنيانا لترقد بسلام في مثواها الأخير. لقد رحلت عنا في هذه الأيام الموجعة للعراقيين وهي تحمل معها قلباً مفعماً بالحب لهذا الوطن العزيز، قلباً عامراً بكل الآمال لوضع بلادنا على طريق الإزدهار والعدل والمساواة بين كل أبناء وادي السواد والجبل، قلباً حمل طوال حياة الدكتورة العزيزة هموم شعبها من أعالي كردستان الى ضفاف الأهوار، قلباً كان ينبض بكل قوته كي يعيد الفعل والدور الى نصفنا الثاني المرأة العراقية التي أريد لها ويراد لها إلى الآن أن تقبع في دروب التخلف والتهميش والجهل وهي التي قيل فيها “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق”، دون أن يجد هذا المبدأ طريقاً له في عقول من تخلف عن درب التنوير والإنسانية.
لقد رحلت عنا عن عمر حفل بكل مظاهر النشاط الإنساني الخيّر. وأصبحت بحق أحد أعمدة التنوير والحرية في بلاد تكالبت عليها قوى الظلام كي تمسح البسمة من على شفاه أطفالنا والأمل من على وجوه أمهاتنا وأخواتنا. لقد رحلت عنا الدكتورة الطيبة الذكر، ولكنها اصطفت وبجدارة الى جانب رموز التنوير والحكمة وتحرير المجتمع العراقي، وخاصة المرأة، من المظاهر البالية التي طغت عليها خلال قرون من عهود الظلام. إنها وقفت على سلّم تحديث وادي الرافدين من أمثال الحاج جعفر أبو التمن وحسين الرحال والزهاوي والرصافي والجواهري ويوسف سلمان يوسف(فهد) والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ عبد الكريم الماشطة والجادرجي ومحمد مهدي كبة وصبيحة الشيخ داود ونازك الملائكة وعبدالله كوران وجواد سليم وحافظ الدروبي وغائب طعمة فرمان والمئات من الخيرين ورجال التنوير العراقيين الذين حلموا بعراق متحرر من رزايا الطائفية المقيتة والتخلف والتراشق المذهبي، مجتمع خال من كل أشكال الإستبداد، مجتمع يفتح الطريق أمام كل المبدعين كي يبنوا بلداً مزدهراً عامراً بالقيم الإنسانية.
هذا ما كانت تحلم به فقيدتنا الدكتورة نزيهة الدليمي حتى اللحظات الأخيرة من ضربات قلبها العامر بحب المحرومين والمظلومين. لقد كانت الفقيدة المبادرة دائماً من خلال مهارتها الطبية الى إرجاع الضحكة الى شفاه من احتاج إليها سواء في مدينة السليمانية أو في بغداد وخاصة في أحيائها الفقيرة بعد أن تخرجت بتفوق من كلية الطب في بغداد. وبعد أن أحتكت أكثر بخفايا ومشاكل مجتمعنا، إرتبطت بحركة التنوير المتمثلة بالحزب الشيوعي العراقي. وإدراكاً منها لخطورة بقاء المرأة مهمشة في المجتمع ومتخلفة عن الرجل في تحويل المجتمع، عمدت مع ناشطات أخريات في نقل الحركة النسائية العراقية نقلة نوعية من حيث التنظيم، بتشكيل رابطة المرأة العراقية، ثم القيام بحركة ثقافية واسعة من أجل تعريف المرأة والمجتمع بحقوق النصف المعطل من مجتمعنا، وصولاً الى مساهمتها في تدوين قانون الأحوال الشخصية بعد ثورة تموز عام 1958. وهكذا صعد نجمها في الوسط السياسي والإجتماعي والمهني كطبيبة ماهرة وداعية فعالة لحقوق المرأة وناشطة لا تهادن من أجل الديمقراطية. وليس من قبيل الصدفة أن تستوزر الدكتورة كأول أمراة في البلدان العربية في الوزارة العراقية في العهد الجمهوري. وأرتبط بإسمها أثناء توليها وزارة البلديات، على قصر المدة، العديد من المشاريع الخدمية التي وفرت الخدمات لأبناء الشعب.
في هذا الرثاء لفقيدتنا العزيزة، لا يمكن الحديث بكل التفاصيل المتعلقة بهذه الشخصية الرائعة. فهي الناشطة في مجال الفكر والمحاججة والمتابعة السياسية أثناء توليها مواقع مرموقة في قيادة الحزب الشيوعي العراقي ، إلى جانب إجتهادها في ميدانها المهني. كما لا ننسى كل مساعيها ونشاطها الدائب لرفع قدرة الحزب ورفاقه على الإقتراب من واقعنا العراقي ودراسته ومساهمتها في تدوين العديد من وثائقه المهمة. كانت تبحث في الكتب من كل الألوان علّها تفتح لها باب المعرفة وتصل الى إستنتاجات قد تخرج العراق من نفق مظلم حرص كل أنصار الإستبداد والقهر والتمييز الطائفي والعرقي على تقييده فيه.
طابت ذكراك، ولك يا فقيدتنا العزيزة كل آيات الود والمحبة، ولتنامي قريرة العين وبسلام في مثواك الأخير. ولا تقلقي من حال بلدنا العزيز الآن ومن تكالب قوى الشر عليه. ففي العراق نساء ورجال ومن كل الأطياف سيقفون كالسد الجبار في رد هذه الموجة الظلامية الطائفية التكفيرية المدمرة، وينقلون العراق الى ذلك الطريق الذي حلمت به، طريق التنوير والإزدهار والعدالة والمساواة، طريق خال من كل أشكال القهر الطائفي والعرقي، بل وكل أشكال القهر لنصفنا الثاني..المرأة العراقية.
9 تشرين الأول 2007