الرئيسية » مقالات » هل تعامل الأستاذ راضي الراضي رئيس لجنة النزاهة بنزاهة؟

هل تعامل الأستاذ راضي الراضي رئيس لجنة النزاهة بنزاهة؟

الفساد المالي والإداري هما السائدان في العراق , وهما المهيمنان على حديث الشارع والصحافة والأخبار العراقية والعربية والدولية إلى جانب الإرهاب وغياب الخدمات وارتفاع أسعار السلع والخدمات ..الخ. والفساد الراهن بنوعيه هو الرديف المباشر للإرهاب والمتشابك معهما. ليس هناك من لا يتحدث عن الفساد , ولم نسمع شيئاً عن إجراءات الحكومة في هذا الصدد لأنها هي الأخرى متهمة بالفساد المالي والإداري وبالحزبية الضيقة حيث يشار إلى أن القاعدة السارية حالياً في العراق هي (اسكت أو غض الطرف عني , اسكت وأغض الطرف عنك!). ولا نأتي في هذا المجال بجديد فالكل يعرف ذلك ويؤكد المحاصصة الطائفية في هذا الصدد وتوزيع المكاسب والمناصب والموارد.
شكلت هيئة النزاهة ليكون لها دورها المستقل عن كل مؤسسات الدولة لتمارس عملها واختير لها أحد القضاة المتميز بالنزاهة ونظافة اليد والضمير , لكي يلعب دوره في الكشف عن جرائم الفساد المالي في العراق في فترة تميزت بالفوضى والخراب النفسي والعصبي وضياع المعايير والقيم الأخلاقية في المجتمع.
وخلال الفترة المنصرمة كان عمل الهيئة صعباً للغاية لأنه لم يرتبط بالمواطنات والمواطنين البسطاء والطيبين , بل ارتبط بمسئولين في أجهزة الدولة السياسية والعسكرية والمدنية وفي الأحزاب السياسية والإعلام وفي التجارة والبنوك والجمعيات. وحين تمكنت الهيئة من الكشف عن جملة من تلك الشخصيات في مواقع المسئولية وفي قيادات بعض الأحزاب , لم يكن أما مسئولين آخرين إلا حمايتهم إما لكونهم أعضاء في حزبهم أو أحزاباً حليفة أو أصدقاء وأقارب. وحصد رئيس الهيئة غضب وكراهية ليس المشاركين في عمليات الفساد والإفساد من العراقيين والأجانب حسب , بل ومن المسئولين الذين حاولوا أو شاركوا في التغطية على تلك السرقات المالية الكبيرة التي , كما يقول السيد الراضي , بلغت أكثر من 18 مليار دولار أمريكي.
وقد طلبت لجنة النزاهة في مجلس النواب محاسبة رئيس هيئة النزاهة بدلاً من مطالبة المحاكم العراقية بدراسة الملفات التي قدمتها هذه الهيئة لإصدار الأحكام بشأنها. ثم سافر السيد الراضي في دورة دراسية إلى الولايات المتحدة. وبدلاً من أن ينتظر السيد رئيس الوزراء حتى تنتهي الدورة ليعود إلى العراق ثم يبدأ بمحاسبته إن كان يريد محاسبته حقاً , بل قطع عليه طريق العودة من خلال الإدعاء بأنه هرب دون علم الحكومة وكان عليه قرار يمنعه من مغادرة العراق. فهل كان هذا الطرح محسوب من جانب السيد رئيس الوزراء؟ لا يمكن من يحتل مركز رئيس الوزراء أن يرتكب خطأ في هذا المجال ويقطع طريق العودة على السيد الراضي إلى العراق , لو لم يكن يرغب بذلك. هذا التقدير يتحمل مسئوليته رئيس الوزراء ذاته بسبب الطريقة التي تصرف بها إزاء الموضوع الحساس. إذ كان يريد أن يبلغه بأن عودتك إلى العراق تعني اعتقالك في المطار , وعليك أن تختار بين البقاء في الغربة أو الاعتقال عند العودة. وللعراق تجارب كثيرة في هذه الطريقة من التعامل. ومن المؤسف أن يلجأ إليها السيد رئيس الوزراء إلى هذا الأسلوب دون أن يعرف الإنسان أسباب ذلك!
في الأخبار الصحفية تساءل أحد الأشخاص : لماذا لم يطرح السيد الراضي هذه القضايا عندما كان في العراق؟ والمسألة هي لماذا نقدر أنه لم يطرحها أولاً , ولماذا لا يعود المسئولون إلى الملفات المحفوظة حالياً لدى هيئة النزاهة للتحري عما يقوله الرجل؟ فهو إن أخذ بعض الملفات معه فهي ليست النسخ الأصلية بل صورها , وبالتالي فهي موجودة لدى هيئة النزاهة. وحين قطع عليه طريق العودة بذلك الخطاب الذي ألقاه السيد رئيس الوزراء وشاهدته وسمعته بعيني وأذني فلم يبق أمامه غير الطريق الذي سلكه في طرح المشكلة. لماذا لا يحق له طرح تلك الأمور بعد أن أجبر على البقاء خارج العراق ؟ يصعب على الإنسان تصور الموقع الصعب الذي وضع فيه السيد الراضي. فأنا أثق بنزاهته ولا يمكن لقاض من وزنه وعانى في فترة صدام حسين وسجن ووضع على رأس هذه الهيئة أن يمد يديه للمال العام , وهو المؤتمن عليها وبذلك المركز الحساس حيث تكون عيون الفاسدين قبل غيرهم مفتوحة عليه لكي يساومونه ويبتزونه , ويمنعونه من ممارسة عمله بحرية إن كان متورطاً بفساد مالي أو إداري.
الرجل نزيه إلى أن يبرهن المسئولون خيانته للأمانة العامة , ولكن عليهم أن يبرهنوا على أمانتهم أمام الاتهامات التي طرحها ولديه وثائق تبرهن على ذلك. عليهم أن يبرهنوا على نزاهتهم أو أن يتخلوا عن المناصب الحكومية التي يحتلونها لكي تتم محاسبتهم.
قال علي جودة الأيوبي في الثلاثينات من القرن العشرين ما مضمونه : أن العراق أصبح أشبه بسفينة تحترق فعلى من فيها أن يقتنص الفرصة ويأخذ منه ما يشاء , رغم أن ما كان موجوداً من أموال حينذاك لم يكن كبيراً والسرقات كانت قليلة ومحدودة. أما اليوم فالأحاديث تدور عن المليارات ويقال أن العراق أصبح فيه العشرات أو المئات من أصحاب المليارات. وإذا كان هذا صحيحاً فالسؤال من أين جاءت هذه المليارات لهؤلاء الأشخاص في وقت لا يزال الاقتصاد العراقي غير فعال والحياة الاقتصادية معطلة فعلياً ؟ أليست هي من أموال الدولة والمساعدات الخارجية في وقت يعاني الشعب من فقر واسع وعوز شديد ونسبة عالية من السكان تحت أو على أو فوق خط الفقر بقليل.
لو كان الراضي غير نزيه وغير نظيف اليدين لسكت تماماً بعد أن استطاع إنقاذ نفسه وعائلته من احتمال الانتقام والاعتقال , فلا يمكن أن يرمي الناس بالحجر من كان بيته من زجاج.

8/10/2007
كاظم حبيب