الرئيسية » مقالات » مسوّدة قانون النفط والغاز لعام 2007

مسوّدة قانون النفط والغاز لعام 2007

 باحث كيميائي / المانيا
تشغل مسودة قانون النفط والغاز هذه الايام والتي صدرت مؤخرا جزء كبير من اهتمام العديد من الفئات والاوساط السياسيه والاقتصاديه والفنيه وحتى الاجتماعيه ..
قبل البدء باي تحليل علينا ان لا ننسى مدى ارتباط هذا القانون او ما يماثله مع الاوضاع المأساويه في العراق تحت ظروف الاحتلال ولا يمكن التوجه الى فهم وتفسير القانون وتطبيقاته بمعزل عن الانهيار في كامل الكيان العراقي . فمن غير المنطقي والمعقول وسط انحلال تام للقيم والمبادئ ان يحير السياسيون بقانون لا قدرة له باظهار جزء ولو بسيط من معناه على الاقل . على اي محلل او مراقب ان يضع نصب عينيه ثلاثة محاورللبحث :
اولا. وجود المحتل ، ان عدم اعطاء الصفه الشرعيه لوجود المحتل والبعد الاستراتيجي له بنهب ثروات العراق يعني ذلك فراغ سياسي وفكري وذلك لان البلاد والمنطقه برمتها عاجزه عن مجاراة الوجود الامريكي فيها ، فكل صغيره و كبيره لا تتحرك الا باشاره منه وهو المسؤول كليا عن جميع ما يجري على الساحه العراقيه خصوصا وما المناصب الحكوميه الا حبر على ورق ودمى تتحرك وفق مخطط مرسوم منذ عقود وسقطت كل مفاهيم بناء الدوله العراقيه لما بعد صدام .
ثانيا. مصادر اموال الدوله ، كل من تهمه الاوضاع العراقيه لابد وان يعلم بان تصدير النفط كان هو المصدر الوحيد للموارد الاقتصاديه ومن البديهي الموانئ النفطيه شبه المشلوله هي منافذ تسويق النفط ، الخط الاستراتيجي عبر الاراضي التركيه لا تستطيع تصدير ربع مليون برميل اسبوعيا بشكل مستمر وبمجرد تصليح الخط وتشغيله يتم الاعلان عن عمل تخريبي يستغرق اصلاحه عدة اشهر . اما الموانئ الجنوبيه فان الجميع يدري ان التهريب ماض على قدم وساق والموارد تذهب الى الميليشيات . لذلك يجب الجزم بان النفط ليس المعين المالي اليوم وسط التكاليف الباهضه لمعيشه الحكومه والشعب في آن واحد واللذان يعتبران مستهلكين 100% دون وجود اي بديل آخر لتمويل الاقتصاد العراقي على الاطلاق . فلابد من وجود تغطيه سخيه من جهه مقتدره كثيرا لهذا الوضع الاقتصادي المنهار وما تواجد المحتل الا مسؤوليه مضافه اليه دعم الوضع العراقي ماليا .
ثالثا. القانون بمعناه الافتراضي هو الاستثمار الوطني بشكل مباشر او غير مباشر للموارد الطبيعيه في البلاد . وقد نادى لهذا المبدأ في تاريخ منطقة الشرق الاوسط كل من الدكتور مصدق عام 1952 في ايران والزعيم عبدالكريم قاسم عام 1958 فقط وضحيا بحياتهما من اجل تثبيت هذا المبدأ وتعتبر تلك الانتفاضتين المعنى الحقيقي للاستثمار الوطني دون منازع وبهما تهددت كيان الشركات والحكومات الغربيه بشكل مباشر فحسبت لهذه التطورات حسابات عميقه واستراتيجيه بدأت بظهور حكومات عميله تحت ستار القوميه والاشتراكيه تمكنت من احتواء التوجه الحقيقي لاستثمار النفط وطنيا . وتمخضت تلك المخططات بقيام صدام باعلان تاميم حصص الشركات الاجنبيه في قطاع الاستخراج العراقي بحيث تم تشويه مفهوم التاميم من الاستثمار الوطني الى دمار الوطن كليا وادخاله في حروب طاحنه ادت بالنتيجه الى تسليم الكيان العراقي بحاله وماله على طبق من ذهب للمحتل .
المعنى الفعلي للقانون وعلى ارض الواقع في وضع مثل اوضاع العراق انه ورقه تمشية الوقت كباقي الاوراق التي توالت تباعا للاستهلاك المحلي لتنفيذ ما خطط له وفق منظور المحتل ومصالحه وكخطوه لبناء المنطقه برمتها بعد ان تأزمت الاوضاع في مناطق اخرى مثل الاراضي المحتله ولبنان وايران وباقي الاراضي العربيه كاملة وحتى تركيا .
والمضحك ان هناك الكثير يذهب بتفاؤل لمناقشة القانون وكأن المحتل غير موجود ويطالب ويحتج ويحاسب دون ان يدرك ان اصابع المحتل هي التي تدير ماكنة تدمير البلاد والبعض الاخر مثل وزير نفط عراقي سابق ايام صدام يذهب الى اعتبار القانون عامل خطير في تقسيم العراق وكأن العراق اليوم لم ينقسم لا بل لم يتمزق ويتصور هذا الوزير ان ايام سيده كان افضل ولا كأن صدام كان السبّاق في دفع البلاد نحو الانهيار البطيئ ووضعه تحت حصار مزعوم دام اكثر من 10 سنوات بعد حروب طاحنه داخليه وخارجيه لكنه لا يلام اذا قورن الانهيار الكامل بين العهدين .
ان الصيغه الافتراضيه للقانون كانت من مبادئ ثورة 14 تموز عام 1958 وقد تم صياغة القانون رقم 80 لاستثمار النفط وطنيا الذي كان السبب الوحيد للاطاحه بحكومة الزعيم عبدالكريم قاسم بعد ان تمت حياكة ما لم يصدقها العقل من مؤامرات اثمرت نتائجها بانقلاب عام 1963 وبعد فشله واعداد برامج تصفية رجالاته الاغبياء توج بانقلاب عام 1968 واعداد البلاد وترويضه رويدا رويدا ليومنا هذا الذي نراه بأم اعيننا كيف نسارع بخطى رهيبه لتمزيق كل ما يمت باصالة هذا البلد وما المحتل الا المشرف والمقاول الرئيسي والاساسي منتظرا الانتقال من مرحله الى اخرى وباستهلاك الوقت المخطط لتنفيذ برامجه وسط اغفال البشر واشغالهم وتجاهلهم وعجزهم التام واستسلامهم المطلق للمصير المحتوم الذي ينهش بالبلاد برمته
الزخم الاعلامي للقانون باستثمار النفط والغاز وطنيا هو تشويه وتجريد لمفهومه الافتراضي لان العراق في وضعه الحالي يفتقر الى حلقات صعبه جدا لاعداد الارضيه المناسبه لتنفيذه بسبب مستقبله المعتم كليا ، والعراق اليوم وبعد دخوله السنه الخامسه تحت الاحتلال اختفت فيه النشاطات التاليه في الصناعه النفطيه :
1. الصناعه الاستخراجيه وبعد ان كان العراق يعتمد فيها على امكاناته الوطنيه في استكشاف وحفر الابار بنسبه ما كانت اقل من 60% فانخفضت هذه النسبه اليوم الى دون 20% بعد ان هاجرت تلك القدرات بسبب انهيار الاوضاع الامنيه والخدميه لذلك ستعتمد الحكومه الحاليه ان استطاعت تنفيذ القانون الى استقدام الشركات الاجنبيه والتي ستستغل الاوضاع الامنيه بفرض شروط تعجيزيه ابتزازيه كما حدث في اقليم كوردستان الذين يجهلون امور النفط وربما تكون الحكومه العراقيه عاجزه كلياعن توفير المناخ الامني لتنفيذ برامج الصناعه الاستخراجيه اصلا .
2. الصناعه التحويليه فالبيانات واضحه على انهيارها الكامل وهو عجز المصافي عن توفير المحروقات بشكل مخزي بعد ان كانت هذه المصافي تغرق الحاجه المحليه وتصدر المشتقات النفطيه وتعيد قسم منها الى جوف الابار النفطيه وفق نظرية الخزن الجوفي ومن الممكن تصديق اي شيئ الا استيراد المحروقات . فقد كانت هذه الصناعه عراقيه 100% دون وجود اية جهه اجنبيه في الصناعه التحويليه ومن البديهي ان القدرات العراقيه في هذه الصناعه هي الاخرى تسربت الى الخارج مما يفرض على الدوله استقدام الشركات الاجنبيه حتما لانشاء المصافي وتشغيلها .
3. اما التسويق ..لا يخفى على احد ان مرافئ تصدير النفط الخام باتت مشلوله تماما بعد الاعمال التخريبيه التي تهاجم الخط الاستراتيجي داخل العراق متجها الى الاراضي التركيه وكذلك تصدير النفط عبر الاردن بالشاحنات . اما الموانئ الجنوبيه فانها تهرب النفط تحت تصرف ما يسمى بالميليشيات بدلا من تصديره وبطبيعة الحال فان الدوله لا تستوفي من عوائد التصدير الا شيئ بسيط بعد توقف خط تركيا والاردن ومرفأ ينبع السعودي وفوضى التصدير في الموانئ الجنوبيه . فوسائل الاعلام لا تذكر ارقام تزيد عن مليون برميل يوميا كحد اعلى للتصدير وذلك كفيل بشكل قاطع عدم كفاية العوائد النفطيه لسد الاحتياجات الهائله للدوله العراقيه وبذلك لا يوجد ادنى شك بان الدوله العراقيه الحاليه تمول ماليا من مصادر غير نفطيه حتما وقلما نجد جهه تتطرق الى مصادر تمويل الماكنه العسكريه والامنيه للدوله بالاضافه الى استيراد السلع الاستهلاكيه وتوفير تكاليف الخدمات باجمعها ومن البديهي ان يذهب الظن الى دعم المحتل بتمويل الدوله بعد ان توضحت تماما عجز الموارد النفطيه توفير العوائد التي اعتاد العراق عليها طيلة اكثر من نصف قرن .
مما سبق اصبح من البديهي فقدان المعنى الافتراضي لقانون النفط والغاز في الاستثمار الوطني المباشر او غير المباشر للنفط وكان صدام قد اتخذ نفس المبدأ بتوجهه بتاميم حصص الشركات النفطيه عام 1972 فقد تمكن بتلك الخطوه احتواء المعنى الحقيقي للتاميم واستثمار النفط وطنيا والذي ضحى لاجله كل من الدكتور مصدق في ايران عام 1952 لما اعدمه الشاه والزعيم عبدالكريم قاسم لما لاقى نفس مصير الدكتور مصدق عام 1963 ورأت الدوائر الغربيه انه لابد من احتواء مفهوم الاستثمار الوطني بشكل نهائي وقد خطى صدام لتنفيذ هذا المبدأ كخطوه اولى بمهزلة التاميم واليوم ينفذ الحكام في العراق ما تبقى من خطة انهاء مبدأ الاستثمار الوطني هذا وقبرها فقد اعتمد صدام بموارد النفط في تسيير عجلته العسكريه والحربيه والمخابراتيه طيلة 35 عاما وبتخصيص اكثر من 90% من تلك الموارد وما تبقى اي دون 10% كانت لبناء ما قام ببناءه من طرق مواصلات وجامعات ومشاريع اسكان محدده ومصانع ومنشآت مدنيه وشبكة اتصالات والى آخره بالاضافه الى السيل النقدي قبل بداية حرب ايران وقد انهارت كل تلك الارصده الماليه التي توفرت من النسبه البسيطه تلك بعد حرب احتلال دولة الكويت الى عجز اقتصادي بمديونيه بلغت المئات من المليارات . وهكذا هو مفهوم القوانين التي تسن يوما بعد يوم في العراق الديمقراطي الدستوري تحت مسميات ومفاهيم الاستثمار الوطني وسط الجثث المقطوعة الراس والمجهولة الهويه والمرميه في نهر دجله والتي تنتظر اصحابها في مجمدات الطب العدلي وما الى ذلك من كوارث ومذابح لا تعد ولا تحصى ..
الخلاصه : على الحكومه العراقيه وعلى اسوأ احتمال ان تتوقف عن الضحك على الناس وهذا امر بعيد لانه خارج ارادتها ومطلوب منها وباوامر المحتل القيام باستعراض توجهاتها لبناء شيئ اسمه مستقبل العراق ولكن البعض من القوى الموجوده داخل وخارج البرلمان عليها ان تخضع للواقع المرّ دون تردد وحث المختصين بالابتعاد عن ضرب الاخماس بالاسداس للاستثمار الوطني للنفط وفق القانون الجديد . لان المحتل اصلا قد خاض حربه لاحتلال العراق لهذا السبب وهي استراتيجيته ومن غير المعقول ان يضيع الوقت لسماع المحللين الذين يحلمون بثروات العراق وسبق للمحتل ان تجاهل اصوات عالميه اضخم بكثير من الاصوات المبحوحه المحليه والتي لا تفك رجل دجاجه . لنتذكر ما حلّ بالزعيم عبدالكريم قاسم لما نادى باصرار على تنفيذ القانون رقم 80 لاستثمار النفط وطنيا وما يدور اليوم في المنطقه الخضراء من مهاترات ومهازل بين فئات سياسيه صماء لا ترتقي ابدا لاضعف موقف وطني منطقي وسيقبر القانون كل نظريات الاستثمار الوطني للموارد الطبيعيه في ارض العراق عاجلا ام آجلا . ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه .