الرئيسية » التراث » المقاومة والملاحم البطولية في التراث الشعبي الكوردي

المقاومة والملاحم البطولية في التراث الشعبي الكوردي

عندما كنا صغارا او بالاحرى في مرحلة الصبا في بداية الخمسينيات من القرن الماضي وقت كانت معظم وسائل اللهو لاعمارنا معدومة في مدينتنا لقتل الفراغ وخاصة في فصل الشتاء المعروفة بلياليه الطوال وطقسه البارد مصحوبا بالثلوج والصقيع اللذين يكسوان المدينة احيانا وهطول الامطار الغزيرة التي تصحبها الصواعق احيانا اخرى حتى يصعب علينا في كثير من الاحيان مغادرة المسكن حتى في وضح النهار اللهم لقضاء حاجة مهمة او وقت الذهاب الى المدرسة مع ولي امرنا، فكان خير سلوان ومتعة لنا ان نقصد دار جارنا القريب منا جدا والمعروف عنه في الحي انه يجيد سرد القصص الشعبية التي ترافقها في بعض الاحيان الاغاني التي تعبر عن الحماس والشهامة والنيل والشجاعة والتي تمجد البطولة، وتقينا المدافيء التي توقد بالخشب من زمهرير البر القارس ويضيء الغرفة ضوء شمعة خافتة يعلوها دائما دخان اسود قاتم حتى يصعب علينا الرؤية في كثير من الليالي مع عجزنا رؤية موطئ اقدامنا عند الدخول والخروج، كانت صاحبة الدار كريمة معنا وهي شيمتها دائماً حيث كانت لا تقطع عنا فاكهة الشتاء الكوردية من الجوز والزبيب والتين المجفف واحيانا عصير الرمان الصافي ولا ننسى الشاي الساخن الذي نرتشفه بين الفينة والاخرى ويتطرق الى سمعنا صوت قطرات الماء الناضح من سطح الغرفة في اناء نحاسي موضعه في وسط الغرفة، هذا المشهد الذي احتفظت به الذاكرة على الرغم من مرور اكثر من خمسة عقود من الزمن لم يحدث مرة اخرى، حقا كانت ليالي ممتعة وكان ما حدث هو في الامس القريب.
فما ان يكتمل الحضور ويعم الهدوء حتى يبدأ صاحب الدار بسرد قصة من قصصه الممتعة فينقلنا الى عالم اخر يتخلله روح المقاومة والبطولات الخارقة والفروسية والرمح والسيف والمصارعة ووقوع العدو الجبان من ظهر فرسه صريعا متوسلا بالبطل المغوار لتركه حيا ذليلا ويلوذ بالفرار مع شلته من هول الفاجعة اما نحن فنسمع ونحدق اليه بذهول ومشدودين اليه ونراقب عن كثب كل حركاته وتبدو على محيانا ملامح الدهشة والتعجب وهو يحدثنا عن بسالة البطل الاسطوري وهو يبارز اعداءه وكيف انه يركب الاهوال والمصائب واحدة تلو الاخرى ويتحدى الموت ويخرج في نهاية الامر منتصرا واعداؤه اذلاء في ساحة الوغى، اما نحن المستمعين فقد كانت مواقفنا متباينة فكنا سعداء ونقهقه عندما نجد البطل منتصرا وبالعكس يبدو علينا الغضب والحزن والاسى والحسد والتنهد عندما يكون في مأزق خطير وقد تكالب عليه الاعداء لاننا نريده منتصرا دائما لكوننا نراه نصيرا للمظلومين والفقراء ومحطما للعبودية التي كان يرزح تحتها هو وابناء مجتمعه، وبين الحين والاخر كان الحاكي يستعرضها واحدا تلو الاخر برتابة ليجد كل منا وقد ادركه النعاس.
الاصوات التي تتعالى في هذه الايام والتي تدعو مخلصة الى اعادة اهمية اكثر للمقتنيات والمأثورات التراثية هي التي جعلتني استرجع هذه اللقطات واحدة تلو الاخرى ودعتني الى التطرق لهذه المقدمة الموجزة عن جزء مهم من التراث الحافل الذي كان يتداوله الناس شفاهاً وشاع من افواه جيل الى جيل اخر وقل ما هو مكتوب وقد ضاع الكثير منه بعد ان ادرك الموت الكثير من هؤلاء الرواة والذين يتناقصون بمرور الزمن.
اذن انه لمن الاهمية بمكان الاشارة الى ان التراث الشعبي الكوردي زاخر بكل انواعه من القصص والاغاني والرقص والمسرح وغيرها اسوة ببقية العالم وملاحمه لا تقل عن الملاحم اليونانية والرومانية والشعوب التي تعيش معها مع فارق الاختلاف البيئي والزمني وقدرات وامكانيات الرواة، حيث نجد ان هذه الملاحم تجسد لنا التضحيات الجسام التي قدمها ابناؤه على مذابح الحرية ومقارعة الاستبداد والعبودية والفقر والدفاع عن الكرامة وعزة النفس اي انها تمثل الكفاح الدامي للكورد في فترة زمنية معينة ويلاحظ ان معظم الملاحم والمقاومة ترتكزان على الصفة الفردية كما هي موجود في قصص واساطير الشعوب الاخرى مثل ملحمة كلكامش اما التراث العربي فتجد فيها عنترة بن شداد وعلي الزئبق وسيف بن ذي يزن وابو زيد الهلالي وغيرهم وهذا لا يعني في اي حال من الاحوال ان البطل وحده في المواجهة طول فترة المعركة بل ان العرف قبل الميلاد وبعده وحتى في صدر الاسلام وبعده انه في حالة الحرب او المواجهة بين قبيلتين او جيشين فان المعركة تبدأ بالمنازلة في ساحة المعركة بين اشجع فارسين من الجهتين المتخاصمين وبعدها تبدأ المواجهة الحقيقية وينقل لنا التاريخ الاسلامي في بداية الدعوة اسطورة المنازلة بين الامام علي (رضي الله عنه) وعمر بن ود العامري في معركة (الخندق) وانتصر فيها الامام رغم المواجهة غير المتكافئة في العمر وضخامة الجسم. مهما كان الغرض من طغيان صفة الفردية فهي في كل الاحوال تعبر عن ارادة المجتمع الذي يعيش فيه لان الانسان ابن بيئته فهي التي انشاته وكونته ووفرت له كل ما تفي حاجته الاساسية ويحمل طابعها الخاص دائما ويتأثر بها اذ ان كل ماحدث من مقاومة وملاحم مهما كانت فردية او جماعية فهي تعبر عن ذات الامة والمجتمع وتعبر عن مصالحها مع التأكيد على انعدام الانانية وحب الذات كما هو عليه الان، المهم ان ننظر الى الحدث وما جرى وقت وقوعه وليس الان اي ان البعد الزمني له اهميته.
يتفق كل الكورد ان سيرة كاوه الحداد الذي انسل من بين الجماهير الكادحة والفقيرة تعتبر من اقدم واروع قصص المقاومة والبطولة في التراث الكوردي والتي يخلد الكوردستانيون ذكراه سنويا في الحادي والعشرين من اذار بغض النظر عن بعض التأويلات التي ذكرت وتذكر بشأنها، ورغم الاقاويل التي يرددها السفهاء من اعداء الكورد فقد استطاع هذا البطل حسب الروايات التي وصلتنا ان ينهي العبودية والاستبداد والسيف المسلط على رقاب الناس وكان اشعال النيران ليلا على قمم الجبال في كوردستان ايذانا بالنصر المبين وانبثاق عهد جديد ورواية قلعة دمدم التراثية التي تحمل اسم بطل الرواية عمر جلالي والتي يعود تاريخها الى بداية القرن السابع عشر عندما قاوم ابطال هذه القلعة الباسلة جيوش الشاه عباس الصفوي وقتا طويلا حتى امتزج في هذه الرواية الواقع بالخيال وتناقلها الرواة عبر الاجيال صورة هذه المقاومة ورواية فرسان مريوان وما سطروا من بطولات، كما نجد اروع قصص البطولة والمقاومة التي تتحدث عن صورة الشعب الكوردي في ظل الدولة الصفوية والعثمانية وحقبة عهد كمال اتاتورك فها هو بشار حنو واخوه جميل من عشيرة ميلان بالقرب من موش في تركيا الحالية اللذان قاتلا الجيش التركي حيث يقول بشار لاخيه كما جاء في حيثيات الاغنية (اللاوك) لانطلق الرصاص على الجنود لانهم ابرياء وبسطاء بل ومن ابناء الوطن بل اطلقها على المسؤولين مما يدل على ان العنصر الانساني هو الاشمل في القضية الكوردية المشروعة ثم يقول اني اتعهد امام شعبي بانني سافديهم بروحي وجسدي وقصة يزدين بك بوتاني كل هذه البطولات والتضحيات فتح قرحية الشعراء والفنانين والقصاصين وحفزهم على الابداع وخاصة المغنين فمنهم حسن جزراوى ومحمد عارف جزراوي وحسن زيرك ومحمد ماملي وسعيد اغا وكاويس اغا وكتاب وفنانون كورد في الاتحاد السوفيتي السابق وغيرهم، ولكثرة تعلق الناس بهؤلاء المقاومين اصبح قبور البعض منهم بمرور الزمن مزارا يؤمه الناس للتبرك.
اما عن ظاهرة دراسة وتوثيق التراث الشعبي الكوردي فهناك اراء متباينة فالبعض يجد انه من العبث التوجه الى مثل هذا المضمار لانه امر غير مجد ومضيعة للوقت وعودة الى الوراء ايام الجهل والظلام وتشجيع الكذب والافتراء وتفخيم الخيال لان الرواة والشعراء قديما كانوا مع البطل والذي غالبا ما يجعلونه من ابناء المتنفذين من الاغوات والشيوخ تزلفا، وتملقا من اجل المال او الجاه ولكن هذه التهمة غير واردة لان البطل في معظم الروايات من بين عامة الشعب وكان دور البطل مقاومة استبداد وطغيان المالكين والمتنفذين، ثم يدعون انها تخلف عن ركب الحضارة والتقدم وانها تتناقض مع الحداثة ولكن يأتيهم الرد باننا لسنا ضد الحداثة بل معها ولسنا مع العصامية بل دعاة العصامية دائما ومع روح نظرية ديكارت التي تقول انه من الجهل ان يقرأ التاريخ على علاته دون تحليل ودراسة كل حالة وعلى الفرد المدرك ان يستخلص العبر من الحادثة فيما اذا تكررت مع اخذ اعتبارات الزمن، في حين يجد البعض الاخر انه من الضروري توثيق التراث لانه مصدر الاصالة وفيها منافع جمة وانها مرآة صادقة وتصور واقعنا رغم مرور سنين طوال ولكن مازالت تعطي الحياة وانها عبق الماضي وعقد تواصل المقاومة والبطولات بين الماضي والحاضر وحتى لا تفقد خيوطه مع الماضي علما ان الكثير منها قد انقطع بسبب الفترة الزمنية وما صاحبها من تغيرات فضلا عن الاحداث الدامية والتخريب والدمار التي طالت الكثير من المخطوطات في الجوامع ومساجد كوردستان فضلا عن ان الكثير من البطولات حقيقية ولا تقل درجة عن البطولات الحديثة.
ومن اهم الاسباب التي تدعو الى التوثيق هي:
-1الكورد يعيشون على ارضهم مع شعوب اخرى تنكر عليهم حقوقهم القومية المشروعة فكيف لا ينكرون عليهم تراثهم القومي لهذا نجد بعض هذه الشعوب ينسب الكثير من تراثنا اليه بعد تشويهه وان الكورد ومنذ فترة طويلة من الزمن كانوا يكتبون تاريخهم وتراثهم باللغة الفارسية والتركية والعربية دون لغتهم وخوفا من ضياع ما تبقى نؤكد على التوثيق والدراسة يقول الاستاذ صلاح سعد الله في كتابه المسألة الكوردية في تركيا عندما كنا في احد المقاهي على ساحل مرمره وفرقة فنية تقدم حفلة غنائية تعرفنا على الحان كوردية مشهورة لكننا لاحظنا ان كلماتها تركية وعند طلب تقديم اغنية كوردية اعتذر النادل لان الاغاني باللغة الكوردية ممنوعة وهو ما يقوم به ابراهيم تاتلس حاليا.
2-لنظهر للجيل الحالي والمستقبل تراثنا الزاخر بكل انواعه وما بذله اجدادهم من مقاومة وملاحم بطولية وما قدموا من تضحيات من اجل تحقيق قضاياهم العادلة.
-3كتابة التراث الشعبي يعني كتابة جزء من التاريخ ولكن على المعنيين صياغته بحيث يكون قادرا على توصيل الفكرة الى الجيل الجديد كتحويل البعض منه الى افلام سينمائية او نصوص مسرحية او صور تجسد الواقع.
-4جراء تعرض التراث الكوردي الى ضياع لعدة اسباب على مر الزمن منها ان الكثير من الرواة كانوا يتلون القصص والاغاني عن ظهر القلب او شفاه كالقرآن الكريم وهؤلاء يتناقصون سنة بعد اخرى وكما ان الشعراء والرواة الجوالين لم يعد لهم مكاناً في مجتمعنا الحاضر فالحل الوحيد هو في تشكيل لجان لجمع وتوثيق كل التراث المفيد.
مسؤولية حماية التراث والمحافظة عليه هي مسؤولية الجميع بدون استثناء لخلق حالة من التواصل بين الماضي الحافل بالامجاد والحاضر.

التآخي