الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (12)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (12)

كان الوقت يمر سريعا على بريطانيا ومعاهدتها مع العراق ولازال التصديق عليها يتعثر في المجلس التأسيسي، لذلك لجأت إلى استخدام ورقة الملك فيصل الأول لامرارها في سبيل الوصول إلى اهدافها. وبالفعل اجتمع الملك فيصل الأول باعضاء المجلس عصر التاسع من حزيران، وكانت لكلماته التي تضمنها خطابه اوقع الاثر في ان تدفع اصلب المعارضين إلى الصف المؤيد للمعاهدة.وتزامن ذلك مع حملة شنتها بعض الصحف المؤيدة لتصديق المعاهدة على المعارضين لها. فمما قالته صحيفة (الاوقات البغدادية) في معرض تحذيرها لاعضاء المجلس التأسيسي: “اذا رفض المجلس ابرام المعاهدة اليوم فيكون العراقيون من عرب وكورد قد رفضوا تقدمة بريطانيا، ويكونون قد نقضوا وعد الجنرال مود بانفسهم، وتكون بريطانيا حرة وغير مجبرة في الدفاع عن الموصل”.
انطوى تعليق الصحيفة الناطقة باسم سلطات الانتداب، على تهديد مبطن للنواب الكورد الذين ربطوا موقفهم من المعاهدة العراقية- البريطانية بمصير ولاية الموصل، مما كان يتعارض بوضوح مع خطط البريطانيين الذين ركزوا اهتمامهم يومذاك على تصديق المعاهدة، دون اهمال مصير ولاية الموصل بدافع مصالحهم الخاصة، الأمر الذي دفع النواب الكورد إلى تغيير موقفهم، والرضوخ امام الامر الواقع، لا سيما وان المندوب السامي البريطاني لم يأبه كثيرا لما كان يجري في اروقة المجلس وعدم نجاح مساعي الملك فيصل في حمل اعضائه على البت بسرعة في موضوع المعاهدة مع بلاده، لذلك قرر هنري دوبس اخذ زمام المبادرة بنفسه، فالتقى بالملك فيصل عصر يوم العاشر من حزيران، وانذره بوجوب مصادقة المجلس التأسيسي على المعاهدة كما هي قبيل منتصف ليلة العاشر على الحادي عشر من حزيران ، والا فأن المعاهدة تعد مرفوضة من جانب العراق، الامر الذي يجعل حكومته في حل من جميع التزاماتها السابقة. وفي الوقت نفسه اصدر دوبس تعليماته إلى مستشار وزارة العدلية لاعداد لائحة قانونية تتيح للملك حل المجلس التأسيسي.
ادرك النواب الكورد، مثل غيرهم من اعضاء المجلس، ان الامر ليس في ايديهم، لاسيما ان ياسين الهاشمي صرح لهم، ولآخرين قبيل البت في المعاهدة ببضع دقائق “انه سوف يصوت للمعاهدة”، فادرك النواب الكورد ان عليهم ان يحترموا كلمتهم وماورد في تقريرهم. وبالفعل حينما اراد رئيس المجلس وضع التقارير التي تطالب بالتأجيل لحين حسم مسألة الموصل بالتصويت في الجلسة التي عقدت في الساعة العاشرة والنصف من مساء ليلة العاشرعلى الحادي عشر من حزيران اعلن داود الحيدري نائب اربيل انه وزملائه صرفوا النظر عن تقريرهم، الا ان الرئيس اكد ان ذلك لا يمكن لان اكثر الموقعين على التقرير لم يحضروا، لذلك كان من الطبيعي ان يبعد المجلس هذا التقرير من النظر فيه بعد ان رفضت الاكثرية الموافقة عليه.وهكذا تم حبك اللعبة نهائيا وبشكل دقيق، فجاءت النتائج لصالح تقرير جعفر العسكري ورفاقه الذي كان يؤكد ضرورة تصديق المعاهدة مع بريطانيا بتصويت سبعة وثلاثين عضوا لصالحه، مقابل اربعة وعشرين صوتوا ضده، وامتنع عن التصويت ثمانية اعضاء كان من بينهم اربعة من مندوبي اربيل الذين اعلنوا استنكافهم عن التصويت وهم: عبدالله مخلص بك ومحمد شريف والحاج بير أغا داود وحسين ملا أغا. اما تقرير ياسين الهاشمي فقد ذكر وقوف كل مندوبي اربيل وكركوك والسليمانية ضده.ان التحليل المنطقي لموقف النواب الكورد لهذا الموضوع يدلل على انهم ادركوا ان المعاهدة سيصادق عليها لا محالة، لذلك مالوا إلى تقرير جعفر العسكري لانهم وجدوا فيه ما يتضمن اعتبار المعاهدة وملاحقها ملغية اذا لم تضمن حقوق العراق في ولاية الموصل جميعها، فاكدوا بذلك عمق ايمانهم الوطني، واصرارهم الثابت على رفض الحاق ولاية الموصل بتركيا التي اصبحت مرفوضة من الكورد نهائيا بسبب مواقف الكماليين العلمانية والشوفينية التي بدأت تتخذ في ذلك الوقت ابعادا خطيرة للغاية مست الكورد بصورة مباشرة، وفي كل الاحوال علينا بهذا الصدد ان نأخذ بنظر الاعتبار ان الحدث التاريخي، اي حدث، لا يمكن ان يكون ابن مرحلة غير المرحلة التي ولد فيها، ومن الخطا ان نحكم على ظروف المرحلة بمنظار لا يأخذ في حسبانه مستوى التطور الزمني والظرف المكاني، لذلك فأن الحكم على الآراء والمواقف التي اتخذها الاعضاء الكورد الذين وصلوا إلى المجلس التأسيسي يجب ان ينطلق اساسا من طبيعة الفئات الاجتماعية التي كانوا يمثلونها والتطلعات الفكرية التي كانوا يعبرون عنها، وان لا نطلب منهم اكثر مما قدموه، والذي يعد، في كل الاحوال، مستوى مقبولا في ظل ظروف العراق آنذاك، وفي اتون تجربة فريدة من نوعها لأول مؤسسة تشريعية شهدتها حياته السياسية المعاصرة.ومن الضروري ان نشير هنا إلى ان حادثة اعتداء جنود الليفي على السكان الآمنين داخل مدينة كركوك بتاريخ الرابع من أيار سنة 1924، والتي ذهب ضحيتها عدد من الابرياء تزامنت مع عز أيام مناقشة المجلس التأسيسي لموضوع المعاهدة العراقية- البريطانية، ولقد هزت الحادثة العديد من النواب الكورد في المجلس، بمن فيهم النواب الكورد بقوة، فلقد وقع اثنان من ابرز النواب الكورد في المجلس، هما داود الحيدري ومحمد شريف، على التقرير الذي رفعه واحد وعشرون نائبا إلى رئاسة المجلس حول الحادثة، والذي طالبوا فيه ان “توضح الحكومة حقيقة الواقعة، وسبب حدوثها، والوسائل التي طبقت من اجلها”. وبعد ان انتهى رئيس المجلس من قراءة نص التقرير مباشرة انبرى نائب اربيل محمد شريف للتحدث عن الموضوع، فجاءت مداخلته في غاية القوة شكلا ومضمونا، ننقل فيما يأتي بعض المقاطع منها كونها تعبر عن مشاعر النواب الكورد اصدق تعبير، ولأن من شأنها ان تلقي بعض الضوء على دورهم في المجلس. قال محمد شريف:
لم يبق احد من الرفقاء الكرام لم يطرق سمعه خبر تلك الحادثة المؤسفة التي حدثت في لواء كركوك من قبل الجند الليوي المجند من التيارية، والتي انجلى غبارها عن عدد لا يستهان به من القتلى والجرحى من ابناء الوطن، ومن المعلوم ان الاسف والحزن بعد وقوع المصيبة لا يجديان نفعا، غير اني اريد ان الفت انظار رفقائي الكرام إلى استقراء هذه الحادثة بالتفصيل، اولا لكي يعرف من هو المسبب المسؤول، وثانيا لكي يعتبر بها الشعب العراقي النجيب فيعرف كيف يتخذ لنفسه حيطة تمنع وقوع مثلها في المستقبل، وقد قال الشاعر العربي:

من لم تفده عبراً أيامه                      كان العمى اولى به من الهدى

“ولو اننا اعتبرنا بالحادثة التي احدثها الجند المذكور نفسه في الموصل قبل سنة تقريبا لما تكرر وقوعها في كركوك”.
وبعد ان قدم نائب اربيل محمد شريف شكره، من باب المجاملة، للمندوب السامي البريطاني على الاجراءات التي اوعز باتخاذها لاحتواء النتائج المتوقعة من الحادثة، اختتم مداخلته في جلسة ذلك اليوم المنعقدة بتاريخ الخامس عشر من أيار 1924، بالقول باسلوب دبلوماسي رفيع طافح بالمشاعر الوطنية:
اظن ان جميع رفقائي الكرام يشاركونني في هذا الشكر لفخامته، ولكني، مع اعترافي له بالفضل ارى ان ذلك وحده لا يكفي، لأن المسألة ذات اهمية كبرى، فاطلب من حكومتنا العراقية المحترمة ان تبذل الجهد في اتخاذ الوسائل اللازمة لاجراء العدالة من جهة، ولسد الطريق بتاتا تجاه وقوع امثال هذه الحادثة من جهة أخرى، واهم هذين الامرين هو الثاني، فاني بأسم الشعب العراقي اطلب إلى الحكومة ان ترفع وجود هذا الجند المعتدي الظالم من تلك الديار بنقله إلى مكان آخر، واقامة جند وطني مقامه ان كانت هناك حاجة إلى وجود جند والا فلا.
ولقد اشترك نائب كركوك الشيخ محمد حبيب الطالباني في تقديم تقرير موجز آخر عن الموضوع نفسه يحمل تاريخ الخامس عشر من أيار 1924، طالب النواب الثلاثة الموقعين عليه بمعاقبة المسؤولين عن الحادثة التي بينوا في تقريرهم بعض وقائعها. اما نائب الموصل الكوردي الحاج رشيد أغا، رئيس عشيرة برواري فانه رفع إلى رئاسة المجلس بالمناسبة تقريرا يحمل ايضا تاريخ الخامس عشر من ايار 1924، اشار فيه إلى ضرورة حجب الاسلحة عمن اسماهم بالتياريين بسبب العلاقات المتردية بينهم وبين ابناء عشيرته الذين ساقتهم السلطات العثمانية في حينه “عضدا للعساكر النظامية” ضدهم، مما ادى إلى ان تتأصل “العداوة بيننا وبينهم” كما قال.
وفي الواقع ان هذه المداخلات، وغيرها كانت تمس سلطات الانتداب بصورة غير مباشرة، وذلك بوصفها الجهة المسؤولة عن قطعات الليفي، لذا فأنها تنطوي في المحصلة النهائية على قدر من التنديد الضمني بالمعاهدة العراقية- البريطانية التي تزامنت تلك المداخلات مع مناقشة المجلس لموضوع المعاهدة.
لم يبد النواب الكورد نشاطا مماثلا اثناء مناقشات المجلس لموضوع الدستور الذي كان يعرف آنذاك بالقانون الاساسي. ومع ذلك لم تخل بعض مداخلاتهم عن رؤية صائبة للامور. فيكفي ان نذكر ان ملا محمد الكويي، ممثل اربيل، حسم النقاش الحاد الذي جرى بين جعفر العسكري نائب ديإلى وحسن الشبوط نائب الكوت حول بعض القضايا الطائفية، فقال بهذا الصدد ما يمكن عده درجة واعية من الانفتاح المذهبي: “الاسلام اساسه واحد وهو اله واحد ونبي واحد، ولكن الاختلاف في جهة الاعتقادات فقط، فتشيع المسلمون إلى 73 فرقة، وفي الفروع تشعبوا إلى مذاهب كثيرة اندرس بعضها وبقي البعض منها”. واستطرد قائلا (كنت اود ان لا يكون اختلاف بين المسلمين الذي صار سببا لما آل اليه حال المسلمين… فأن هذه الاختلافات ذهبت بالعزة).
لم تخل هذه الطروحات عن وعي متقدم وفكر متنور لادراك حقيقة الاسلام كدين سماوي لا يرفض الاجتهاد في المسائل الفرعية، الامر الذي يدلل على وجود عقلية سابقة لعصرها في نبذ التعصب الديني والمذهبي، لان اي تعصب مهما كان لونه او شكله يؤدي إلى الانغلاق والتخلف، في حين يؤدي الانفتاح إلى التفاعل وتبادل وجهات النظر التي من شأنها ان تنضج رأيا ورأيا مضادا، وبهذه الطريقة تنمو الافكار وتزدهر الثقافات في اطار انساني حضاري رائع. وتدلل دروس التاريخ ان التعدد المذهبي او القومي لم يكن في يوم ما عائقا امام التطور، بل ان من شأنه التعامل مع هذه الظاهرة بروح متسامحة متفهمة، بعيدا عن محاولة فرض الهيمنة الواحدة والروح التسلطية ان تدفع بالتنوع المذهبي، او القومي إلى ان يشكل لوحة جميلة متعددة الالوان، ونسيجا يصب في اطار واحد من الوحدة الوطنية الفاعلة، هذا الذي قصده النائب الكوردي من مداخلته المعبرة، وفي ضوء قناعاته المعروفة عنه على نطاق واسع. ونضيف انه بمداخلته هذه اوضح، مثل غيره من النواب الكورد، انه حريص على الوحدة الوطنية والسير بها إلى كل ما من شأنه تعزيز تماسك المجتمع ومنع الطائفية من التحكم بمساراته.
تتميز الجلسة السادسة والعشرون للمجلس التأسيسي المنعقدة يوم السادس عشر من حزيران 1924 برئاسة عبدالمحسن السعدون، وبحضور ثلاثة وستين عضوا، والتي كرست ايضا للمداولة في مواد “القانون الأساسي” تتميز بأهمية خاصة بالنسبة لموضوع الوحدة الوطنية. ففي الجلسة تلك، واثناء البت في المادة الرابعة عشرة من لائحة “القانون الأساسي” المكرسة لحق “الطوائف المختلفة لتعليم افرادها بلغتها الخاصة” وضع رئيس المجلس عبدالمحسن السعدون النقاط على الاحرف في مداخلة تاريخية مهمة بالنسبة للموضوع فيما يأتي نصها:
“لا يخفى على رفقائي اعضاء المجلس العالي ان السبب الاكبر الذي ادى إلى سقوط الحكومة العثمانية هو غمط منافع الامم وحقوق الطوائف التي كانت تستظل بالراية العثمانية، فنحن اذا اتبعنا الطريقة التركية التي كانت تغمط حقوق الاقوام فنكون قد اخطأنا كما أخطأوا، فلذا ارى من اللازم، والضروري ان نكون احرارا ونعطي الحرية إلى جميع العناصر، ولا نكون حريصين اوبخلاء في اعطاء هذا الحق إلى أهله، ولا يخفى ان في العراق عنصرا عظيما، هو العنصر الكوردي فاذا لم يعط العنصر الكوردي حقه، وندع مدارسه تدرس باللغة الكوردية فقد تكون النتيجة غير حسنة. نعم ان اللسان العربي مجيد ومحبوب، ولا اعتقد وجود عراقي لا يجتهد، او لا يبذل الجهد في سبيل تعلمه، ولكن المادة الاصيلة على المعنى الواضح تقيدنا سياسيا واداريا وترضي جميع اخواننا غير العرب، وغير المسلمين، فأتمنى من المجلس ان لا يبخل في اعطاء هذا الحق حتى تكون القلوب متحدة ومتفقة ومؤيدة للوحدة العربية، واذا لم نعطهم هذه الحقوق فلا نستطيع الحصول على الوحدة العربية التي نتمناها.
لقيت مداخلة عبدالمحسن السعدون، التي تمثل فعلا نقطة ضوء في الخطاب السياسي العراقي يومذاك، استحسان العديد من النواب، كما ان عبارته “نكون احرارا ونعطي الحرية إلى جميع العناصر” العميقة في مدلولها ومغزاها، هزت الحضور من النواب الذين لم يتمالكوا انفسهم فصفقوا للخطيب دليل تأييد واستحسان ولقد عقب اكثر من نائب على مداخلة السعدون، منهم نائب الموصل امجد العمري الذي قال “ان الطوائف المختلفة، سواء كانت من العنصر الكوردي، ام من الطوائف غير المسلمة، علينا ان نظاهرها، ونحبب العنصر العربي اليها لتكون دولة العراق مرتبطة العناصر عن حب صميم، لا كما كانت عليه الدولة التركية، واذا اردنا ان نكسب مؤازرة اخواننا سكنة اربيل وكركوك والسليمانية فعلينا ان نساعدهم في هذه المسألة.. اما نائب اربيل الملا محمد جلي زاده فأنه أدلى ايضا بدلوه في هذا النقاش، وشرح لزملائه امورا غير معروفة لديهم، وباسلوب جلب انظارهم فصفقوا له ايضا، اذ قال: “لقد علمنا قيمة الموصل بملحقاتها، وقد وضعت في كفة والمعاهدة في كفة أخرى، ومعلوم لديكم ان العنصر الكوردي لا يعد من الاقليات، وقد شاهدتم ان الاعضاء الكورد اشتكوا عند الرئيس، وعند حضراتكم بسبب عدم فهم اللغة العربية جيدا، وكثيرا من المطاليب التي دارت في خلد الكوردي بقيت غير مفهومة لأنه لم يستطع التصريح بها، فنلتمس من العرب، اخواننا، ان يحترمونا كما نحترمهم وهذه الفكرة هي ان ابقاء القومية ببقاء لسانها. يعلم الكوردي اكثر من كل الشعوب بأن اللغة العربية من الأهمية بمكان عظيم لأنها تتعلق بأساس الديانة، وهي لغة شريفة، ولا يمكن ان تعدد مزاياها، كما قال الحاج قادر ان البلاغة والفصاحة في الكوردية تشبه ما في العربية، ولكن عدم تقدم الكورد هو الذي جعلها بغير اساس، فنرجو منكم ان تساعدونا في هذه المادة الروحية، اذ لا يمكن ان يضمحل قوم الا باضمحلال لسانه، وان روابطنا القديمة ستبقى إلى يوم يبعثون.
مع ذلك من الملاحظ ان النواب الكورد لم يتدخلوا في المناقشات التي شهدتها اروقة المجلس التأسيسي حول القانون الأساسي الا قليلا، وعموما لم يتجاوز عدد النواب الذين ناقشوا مواد اللائحة بصورة مستمرة احد عشر عضوا فقط من مجموع اعضاء المجلس، ولم يكن أي من هؤلاء من النواب الكورد، وكان ذلك تعبيرا عن خضوعهم لتوجيهات الحكومة بالدرجة الأساس. واخيرا قرر المجلس التأسيسي في جلسته الحادية والاربعين المنعقدة بتاريخ العاشر من تموز سنة 1924 الموافقة على لائحة القانون الاساسي على الصورة المعدلة من قبل المجلس، فأثار القرار حماس جميع اعضاء المجلس الذين صفقوا تصفيقا حادا مستمرا لمناسبة ميلاد أول دستور للعراق.
بعد ذلك قدم نائب اربيل بير داود أغا تقريرا إلى رئيس المجلس الذي ذكر، بالاستناد إلى التقرير، وجود “بعض الاغلاط النحوية في السبك لبعض العبارات، ويوجد تقرير من احد الاخوان يقترح فيه ان تؤلف لجنة للتصحيح ومراقبة طبع القانون”. على اثر ذلك تلي تقرير بير داود أغا وهذا نصه:
“فخامة الرئيس المحترم. اقترح ان تؤلف لجنة لتصحيح اغلاط القانون الأساسي، ومراقبة طبعه من النواب الآتية اسماؤهم: محمد شريف (اربيل) والشيخ احمد الشيخ داود (بغداد) وانطوان شماس (بغداد) وياسين الهاشمي (بغداد) وروبين بطاط (بغداد) وعبد الغني افندي النقيب (الموصل) والشيخ عمر (كربلاء)”.
وقبل الاقتراح على نحو ما ورد، فالفت لجنة خاصة لاعادة النظر في القانون الأساسي لغويا، ومراقبة طبعه، واضيف إلى الاسماء المذكورة وزير العدلية ونائب الكوت عبدالمجيد الشاوي.
وعند مناقشة المجلس التأسيسي لقانون الانتخابات من اجل اقامة سلطة تشريعية دائمية، ولاختيار المجلس النيابي القادم بموجبه وقع بعض مندوبي اربيل وكركوك على التقرير المقدم إلى رئاسة المجلس لتعديل المادة الخاصة بأن يكون النائب من ابناء اللواء الذي يمثله، في حين وقف النواب الكورد الأخرون إلى جانب حرية الناخب فيمن ينتخب، ورفض اي تقييد من شأنه ان يحدد حريته، لذلك سعوا اصلا، مع غيرهم من النواب إلى جعل العراق برمته كتلة انتخابية واحدة. مما سبق يبدو واضحا ان من الصعوبة ان نطلب من النواب الكورد، بحكم واقعهم الاجتماعي، واوضاع منطقتهم أن يقدموا اكثر مما قدموه اثناء اجتماعات المجلس التأسيسي، فانتماء اغلبهم إلى واقع اجتماعي معين كان يفرض عليهم لزاما ان يدافعوا عن الفئة التي خرجوا منها وان يعبروا عن مصالحها الطبقية، كما ادى عدم انتماء جلهم إلى حزب سياسي معين، أو اتجاه معارض للحكومة، جعل صوتهم أقل دويا من غيرهم، الأمر الذي تم تجاوزه مع افتتاح أول برلمان دائم في التاريخ السياسي المعاصر للعراق.