الرئيسية » مقالات » هل السيد الدكتور شاكر النابلسي على حق؟

هل السيد الدكتور شاكر النابلسي على حق؟

نشر الزميل السيد الدكتور شاكر النابلسي في جريدة المدى بتاريخ 6/10/2007 مقالاً بعنوان “الفيدرالية ليست التقسيم”. وقد عودنا الدكتور النابلسي بنشر مقالات متنوعة عن عالمنا العربي وعن الشرق الأوسط وعن الفكر العربي العليل في المرحلة الراهنة وعن العلاقة بين الشرق والعالم الغربي واللبرالية , وهي كلها مقالات مهمة تستحق المناقشة.
في مقاله الأخير حاول الدكتور النابلسي أن يشرح لنا الفارق بين الفيدرالية والتقسيم أولاً , وأن يبرهن لنا صواب القرار غير الملزم الذي اتخذه مجلس الشيوخ الأمريكي ثانياً , وشمل كل الكتاب العرب بنقده حين أشار إلى أن العالم العربي هاج وماج وفي خلفيته ذاكرة “وعد بلفور”. المشكلة التي تواجهنا في المقالات الصحفية أن بعض الكتاب ينسون المنهجية في الكتابة , وينسون أن هناك من يفهم الفارق بين الفيدرالية والتقسيم , كما يغفلون خطر التعميم في كتاباتهم وعدم وضع فوارق في هذا الصدد. وإزاء هذا الموقف يبدو لي مهماً أن أشارك في وضع بعض النقاط على الحروف لكي يفهم الموقف جيداً والابتعاد عن التعميم وخلط الأوراق. ولكي لا يبدو أني أتحدث باسم أي إنسان آخر أو حزب آخر أو جهة أخرى , فأنا أتحدث وأطرح وجهة نظري الشخصية المتواضعة التي آمل أن تدرس , ثم ليست هناك مشكلة في ما إذا أخذ بهذا الرأي أم لم يؤخذ , فلسنا في نهاية التاريخ أولاً , وليس القبول أو الرفض سيغير من حقيقة التطور التاريخي الذي يفرض نفسه على الواقع , وكما يقال : “إن الزبدَ يذهب هباءً , أما ما ينفع الناس فيبقى على الأرض”!
أولاً : الفيدرالية لا تعني التقسيم في كل الأحوال , بل تعني أن هذا الشعب أو ذاك أو أكثر من قومية واحدة قد اختار أو اختاروا صيغة الفيدرالية لتحقيق الوحدة الوطنية في بلد متعدد القوميات وتعزيزها في ضوء ممارسة حق تقرير المصير , الذي يسمح بدوره الانفصال وتشكيل الدولة المستقلة لأي من القوميات في هذا البلد أو ذاك , وليس في هذا القرار خروج عن الأطر القانونية والشرعية الدولية. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن من حق شعب كُردستان أن يمارس حق تقرير المصير ابتداءً من الانفصال وإقامة الدولة الوطنية المستقلة ومروراً بالفيدرالية الاتحادية مع فيدرالية أو فيدراليات أخرى وانتهاءً بالحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية. وإذ طرح القوميون والبعثيون الإدارة الذاتية , ثم أُجبر البعثيون على الموافقة على الحكم الذاتي , لكنهم فرّغوه من كل مضامينه , ولم يكونوا قطعاً حتى الآن مع حق تقرير المصير , وكذا موقف الكثير من القوى السياسية العراقية , وخاصة القوى الإسلامية السياسية بأغلب تياراتها وأجنحتها , ولا تعتبر خيار الفيدرالية ممارسة لحق تقرير المصير بأي حال! وهو بخلاف موقف الكثير من القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية التي وضعت في صدر شعاراتها حق الشعب الكردي وحده ممارسة حقه في تقرير المصير. وأنا أقف منذ عقود إلى جانب هذا الرأي , وبمرور الزمن تعزز لي هذا الموقف وتكرس تماماً. ومنذ العام 1992 مارس الشعب الكردي بصواب حق تقرير المصير وقرر الفيدرالية في إطار الجمهورية العراقية كشكل من أشكال ممارسة هذا الحق الذي ناضل من أجله طيلة عقود.
هناك من أفزعه قرار مجلس الشيوخ لخشيته من أن تنفصل كُردستان عن العراق. هذا الأمر لم ولن يفزعني , لأن من حق كُردستان أصلاً ممارسة هذا الحق , ولكن لشعب الكردي لم يمارسه وفضل هو وقياداته السياسية الفاعلة البقاء في إطار الجمهورية العراقية. إذن مشكلتي في هذا الصدد ليست مع إقليم كُردستان , بل مع الجزء العربي من العراق.
ثانياً : ليست الدعوة إلى تقسيم العراق هي المخيفة , وليس قرار مجلس الشيوخ هو المخيف , إذ ليست هناك قوة على الأرض قادرة على تقسيم بلد ما إن رفض شعبها أو رفضت شعوبها وقومياتها العديدة ذلك. ولكن الذي يثيرني حقاً هو اعتماد مبدأ الطائفة الدينية في عملية التقسيم ولا يرى الزميل النابلسي , وهو العلماني الرافض للعلاقة بين الدين والدولة مبدأ تقسيم الجزء العربي من العراق إلى فيدرالية سنية وأخرى شيعية يحكمها الطائفيون من السنة والشيعة. فهل يمكن فهم هذه القضية من زميلنا النابلسي العلماني؟ لا طبعاً , ولكن هكذا ورد في مقاله عملياً, وتقع على عاتقه مسئولية التوضيح.
المشكلة في العراق ليست بين الشيعة والسنة كبشر وكمكونات دينية , بل في التخلف الاقتصادي والاجتماعي وفي تخلف الوعي السائد في العراق وبالدور الذي تلعبه الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية , شيعية كانت أم سنية , في هذا البلد , إضافة إلى غياب فعلي لدور فعال للقوى الديمقراطية , وخاصة العربية , عن الساحة السياسية العراقية وعن التأثير في الأوساط الشعبية وعن تراجع كبير في دور المثقفين الديمقراطيين مفروض عليهم.
الصراع في العراق على السلطة ليس بين الأحزاب الشيعية والسنية , بل وفي ما بين الأحزاب الشيعية , وكذلك في ما بين الأحزاب السنية. ولهذا ليس التقسيم الطائفي للجزء العربي من العراق هو الحل الذي ينقذ العراق من الصراعات , بل تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية والوعي السياسي لدى الفرد والمجتمع ومزيد من دور القوى الديمقراطية العراقية هو الحل.
إذن المرفوض يا زميلي النابلسي ليس مبدأ الفيدرالية , وليس الخلط بين الفيدرالية والتقسيم , سواء أكان بالنسبة إلى كُردستان , أم الجزء العربي من العراق , بل أن الفيدرالية حل مقبول قطعاً. ولكن السؤال هو : كيف؟
إن ما تتحدث عنه وتعتقده صائباً , وليس بشأن كُردستان , سيخلق إشكاليات جديدة لا حصر لها للعراق , وخاصة من دول الجوار العربية والتركية والإيرانية وسيكون الوجود لهذه الدول صارخاً في كل من الفيدرالية الشيعية والأخرى السنية التي تؤيد قيامهِما في العراق , كما يفهم الإنسان من مقالك المذكور أعلاه. وإذا وافقنا على هذا التصنيف , فسيقع العراق كله فريسة الصراعات الدينية والمذهبية وتدخل دول الجوار بما يصعب التكهن بعواقبها الوخيمة اللاحقة.
ثالثاً : أستميحك عذراً يا زميلي وصديقي الفاضل حين أقول ما يلي : رغم تأييدك المطلق لكل ما تقوم به وتقوله الولايات المتحدة بشأن العراق دون أي تمييز بين ما هو صالح وما هو طالح حتى الآن , وليس هذا هو المطلوب حتى من منطلق مصالح الولايات المتحدة أو مصالح العرب والكُرد.
كانت الإدارة الأمريكية ومجلسا الشيوخ والنواب جاهلة بأوضاع العراق الفعلية تماماً حين شنوا الحرب ضد النظام الدكتاتوري ولم يمتلكا رؤية واقعية لما يفترض أن يكون عليه العراق بعد ذلك . وهناك مئات البحوث والمقالات التي تؤكد ذلك من جانب مراكز بحث أمريكية وكتاب أمريكيين. وإذا لم يكن الأمر كذلك , فهذا يعني أنهم كانوا يريدون أن يصبح العراق على هذه الحالة من الفوضى والخراب والدمار ونقل الحرب ضد الإرهاب إلى العراق ولم يتخذوا الإجراءات الكفيلة بعدم السماح بهذا التدهور الذي يعيشه الشعب العراقي طيلة السنوات المنصرمة. وهذا الموقف يطرحه الكثير من الكتاب العرب والغرب أيضاً. ولا بد أن يكون أحد هذين الأمرين صائب , أو أن يكونا معاً !
وبالتالي , أين يكمن الخلل في قرار مجلس الشيوخ الأمريكي غير الملزم بشأن العراق ؟ الخلل في مسألتين , وهما:
1. إن المنافسة في معركة الانتخابات الأمريكية الجارية سمحت بالتدخل السافر بالشأن العراقي وعدم ترك الأمور تعالج في العراق , وهم المسئولون عن التدهور الجاري منذ أن أخذ بريمر على عاتقه معالجة المشكلة العراقية. (طبعاً لا أنسى هنا دور الإرهاب والبعث ألصدامي والتخلف والطائفية السياسية …الخ). جميع القوى السياسية العراقية ابتداءً من التحالف الكردستاني , ( أقرأ رجاءً في هذا الصدد تصريحات السيدين رئيس الجمهورية العراقية ورئيس إقليم فيدرالية كُردستان العراق بشأن مواقف بريمر والسياسة الأمريكية في العراق والتعليقات على كتاب بريمر مثلاً) , ومروراً بالقوى الديمقراطية العراقية وانتهاءً ببعض القوى الإسلامية السياسية , وليس كلها , ترى بأن بريمر كان مصيبة العراق الأولى بعد الحرب , ولكن بريمر كان أساساً يأتمر بأوامر جورج دبليو بوش والبيت الأبيض والبنتاغون , وهو الخلاف الناشب بينهما , إذ يحمل كل طرف الثاني بما يجري اليوم في العراق.
2. في محاولة مجلس الشيوخ تكريس الدين والطائفية السياسية في الحكم , وليس على الأرض وبين شعب واحد بمذهبين فقط.
هذه هي مشكلتي واختلافي مع قرار مجلس الشيوخ الأخير , وليست مع فيدرالية كُردستان أو فيدراليتين في العراق كله أو أي حل عقلاني غير طائفي سياسي للوضع القائم في العراق. وعلى فكرة فأن العملية السياسية لم تفشل في العراق , إذ أن العملية السياسية ليست معركة حربية واحدة ويحسم الأمر إما بالانتصار أو بالانكسار , بل هي عملية بمعنى السيرورة والصيرورة في آن واحد. وأخيراً استخدم عنوان مقالك الذي نشر في جريدة المدى أيضاً للتعبير عن حقيقة أن “المصباح واحد , ولكن الطريق مختلف”!
7/10/2007 كاظم حبيب