الرئيسية » مقالات » حوار سياسي وفكري مع السيد دهام حسن…

حوار سياسي وفكري مع السيد دهام حسن…

فيما يلي نص المقابلة الحوارية التي أجراها الكاتب المغربي محمد الصدوقي بتاريخ 14/7/2007 ــ مع السيد دهام حسن وقد نشرها موقع ( منتدى سحر الشرق ) الذي يشرف عليه الشاعر والكاتب الأردني عادل محمود ، منوهين عن أسئلة أخرى من متابعين آخرين في الحلقة نفسها من ( ضيف تحت المجهر )، ربما ننشرها في وقت لاحق إن سنح المجال…

ترحيب:
يسعدنا أن نستضيف في الحلقة ( 34 ) من ” ضيف تحت المجهر ” قلما رزينا في مقارباته ، وفي عمق تحليلاته الفكرية، وفي رهافة ذوقه الجمالي ، وفي استحضاره للضمير الجمعي والإنساني …قلم تمتح مرجعياته الفكرية وممارساته من أكبر المنظومات المعرفية والقيمية والإيديولوجية التي عرفتها الإنسانية ، وخصوصا المنظومات الاشتراكية… فمرحبا بك أخي دهام حسن ضيفا على حلقتنا هذه ، ونرجو أن تكون هذه الحلقة حلقة فكرية بامتياز نلامس ونخلخل معك فيها بعض القضايا الفكرية والإيديولوجية التي تستأثر باهتماماتنا المعاصرة المشتركة ، مع فتح بعض النوافذ إن أمكن على شخصيتك الفكرية والإبداعية والإنسانية عامة … تمنياتنا للجميع حلقة مفيدة وممتعة كالعادة…

أسئلة الافتتاح:
1 ــ نظرا لاهتمامك بالثقافة الماركسية ، أود أن أسألك في بعض القضايا الفكرية والسياسية المعاصرة المرتبطة بالمنظومة الاشتراكية والرأسمالية أساسا في ظل سيادة القطبية الرأسمالية الأحادية في العالم ، هناك الآن هيمنة للمنظومة الرأسمالية في الخطاب والسياسة العالميين إلى الحد الذي جعل البعض بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وجدار برلين يقول بموت المنظومة الاشتراكية ، ونهاية التاريخ ( فوكوياما ) . في نظرك ، هل بالفعل هناك موت للمنظومة الاشتراكية ( فكرا وسياسة ) ، وبالتالي لم يعد لها أي دور في تاريخنا المعاصر ؟ مع العلم أن مبرر الأطروحات النقيضة للمنظومة الاشتراكية لا زالت قائمة ( الرأسمالية وتناقضاتها المجتمعية والدولية ) ؟
2 ــ في نظرك ما هي أسباب إخفاقات تطبيق وضعف انتشار الخطاب الماركسي في عالمنا العربي ؟ وهل هناك أمل لعودة الماركسية والفكر الاشتراكي خصوصا ونحن نسجل هذه العودة القوية في أمريكا الجنوبية ؟ .. مع مودتي الأخوية..

دهام حسن :
أخي محمد … بداية أشكرك على تحيتك وترحيبك في هذه المقدمة الكبيرة الفحوى ، التي أسرتني بجميل عباراتها وسمو ذائقة وثقافة صاحبها،والتي فاقت قدراتي الثقافية في التناول والمقاربة ، كما أشكر الأخت العزيزة الزهراء فاطمة على تحيتها السباقة ، وهي تحثني على الكتابة في الموضوع …
لكي أكون متسقا في ردي ، وبحدود معالجتي المتواضعة للموضوع ، سأحاول أن أجتهد في قراءاتي ، وأكون منسجما بالتالي مع قناعاتي .. أنا كإنسان ذي ثقافة ماركسية ، أنظر إلى الماركسية كمنهج علمي ذي قوانين علمية – قانون صراع الأضداد – قانون نفي النفي – قانون الكم والكيف .. وأظن أن هذه القوانين ما زالت صالحة، وتفعل فعلها في المجتمع والتاريخ ، ومن أن تطور المجتمعات عملية طبيعية تاريخية لا تتوقف؛ وفي ضوء ذلك تأتي قراءاتي وتحليلي للأحداث، وتصوري بالتالي للمستقبل ..لهذا عندما أندار إلى النظام السوفيتي السابق ، لا أرى فيه نظاما اشتراكيا، لأن الاشتراكية هي السرور والبحبوحة، وليس الفقر والقمع، فالنظام السوفييتي كان ينفرد بنمط من الإنتاج تحتكره الدولة ” الدولنة ” أو ما اصطلح عل تسميته تهذيبا ( نمط الإنتاج السوفييتي ) وأني آخذ بفكرة سمير أمين من أن الاشتراكية هدف اجتماعي لا يزال مشروعا مستقبليا ، وليس نموذجا محققا يمكن الاكتفاء والتمثل به، ..لماذا هذه القراءة والجزم بهذا الرأي ؟ وللجواب لا بد من العودة إلى الوراء، إلى البدايات …
أكد كلاسيكيا الماركسية – ماركس إنجلز- غير مرة عن استحالة بناء الشيوعية دون أن تبلغ الرأسمالية مرحلة من التطور الصناعي ،كما توقعا وقوع ثورة اشتراكية في مجموعة بلدان أوربية في آن معا.. عندما قام البلاشفة بثورة أكتوبر ، كانت روسيا يسبقها نحو خمسين دولة من حيث سلم التطور ولم تكن بلدان العالم حينها بهذا العدد كما هي عليه اليوم، أي أن روسيا كانت تحتل درجة متأخرة جدا من حيث التخلف ، صحيح أن المستوى الموضوعي لنضوج الرأسمالية كان قد تحقق على مستوى عدد من البلدان الرأسمالية، لكن ذلك لم يتحقق في روسيا، لهذا قال غرامشي على ما يرجح :إن ثورة أكتوبر ضد رأس المال ، أي ضد تصور ماركس في كتابه رأس المال ، أي أن الثورة اندلعت في بلد مغرق في التخلف ، حيث لا يمكن بناء الاشتراكية حسب رؤية ماركس المعروفة،كما أن بليخانوف قال عن ثورة أكتوبر بأنها لن تقيم سوى ديكتاتورية قيصرية برداء بلشفي ،والمناشفة لم يتخلفوا عن ركب النقد على لسان زعيمهم مارتوف قوله بأن روسيا لم تنضج بعد للاشتراكية، ولينين نفسه كان يعمل في إطار الفكر الماركسي ، ولم يشذ عنهم.. لهذا عندما قامت الثورة الأولى في عام 1917 قبل ثورة أكتوبر عرفت بثورة شباط 1917 إذا أسعفتني الذاكرة، حينها لم تنهض لنجدتها أي من التيارات الماركسية بمن فيهم البلاشفة ،وتم القضاء – كما هو معلوم- على تلك الثورة تمسكا بالمبادئ الماركسية ،لكن عندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 هب البلاشفة وتسنموا قيادتها ، وتذرع لينين وقتها بأن ماركس كان لا يثمن شيئا كما كان يثمن المبادرات الجماهيرية ، وبأن التاريخ مفتوح لاحتمالات عديدة. ودعني هنا أتجرأ وأقل ، أنها كانت ثورة الجياع وكانت تفتقر إلى كثير من النضج والوعي السياسي …
نقطة أخرى أريد إثارتها وهي مسألة الديمقراطية التي غابت مع تسلم البلاشفة للسلطة،أي (حكم قيصري برداء بلشفي) كما قلنا .. فإنجلز يقرن الديمقراطية بالشيوعية بقوله الديمقراطية في أيامنا هي الشيوعية ، وكاو تسكي يأخذ على البلاشفة في مسألة الديمقراطية وكيف أنهم قضوا على الديمقراطية ، فقضيتهم إذن غير صحيحة حسب تعبيره، وماركس أشاد بالديمقراطية البرجوازية وبأنها حقيقة صحيحة لا يمكن دحضها ، وبالتالي ينبغي البناء عليها لا نفيها ، حتى أن لينين نفسه قبل ثورة أكتوبر كان يقول عن استحالة انتصار الاشتراكية إذا لم تتحقق الديمقراطية ، وبعد الثورة كان الفراق التام بين سلطة البلاشفة والديمقراطية.. هنا نستطيع أن نجمل أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار النظام الاشتراكي السوفييتي ، – الظروف الموضوعية لم تتهيأ في روسيا لثورة اشتراكية، ( درجة من التطور الرأسمالي )- افتقار روسيا لتقاليد ديمقراطية – إذن أحد الأسباب هوا لخلل البنيوي في النظام – احتدام التناقضات الداخلية على صعيد السياسة والمجتمع والاقتصاد، داخل المجتمع – انعزال الحزب عن الجماهير ، تفشي البيروقراطية داخل كوادره- تأليه القائد وهذا يؤدي طبيعيا إلى إضعاف المؤسسات الحزبية ، وتهميش الكوادر، وجرها وإجبارها للولاء للقائد- الإنفاقات العسكرية المكلفة – القضاء الفظ على الملكية الخاصة –فرض نظام الحزب الواحد والذي يؤدي بالتالي إلى تجريد المواطنين من حقوقهم ، كان لا بد من التعددية السياسية لتفاعل القوى المتناقضة عبر صراع ينجم عنه قرار سياسي هو أقرب إلى الصواب ،فالشيوعية بالتالي ليست قضية حزب ماركسي ، بل هي قضية البشرية جمعاء، روسيا لم تقدم النموذج الجذاب لا للاشتراكية ولا للديمقراطية- غياب الرقابة المجتمعية لشؤون الحكومة والتحكم بالتطور نحو المستقبل – المركزية الديمقراطية المشددة داخل التنظيم الحزبي ،إلغاء الرأي الآخر داخل الحزب وربما كان السبب في القضاء على صاحبه ، ففي أحد المصادر جاء أن من أصل 139 عضوا من أعضاء اللجنة المركزية في عهد ستالين تم اعتقال سبعين بالمئة منهم وأعدموا، وعلى العموم كان نظاما غاية في الخلل والاعتلال .. لكن الشيء الذي لابد من ذكره وهو يعد مأثرة للينين لقراءته العلمية لواقع روسيا آنذاك ، فقد تنبأ بانهيار النظام السوفييتي وعودة الرأسمالية إلى روسيا ، يقول لقد فشلنا كنا نعتقد أنه يمكن بناء الاشتراكية بصيغ سحرية ، لكن الأمر يبدو يتطلب عدة أجيال ، وقد أشاد ترو تسكي بموقف لينين هذا واعتبر المرحلة الستالينية هي تمهيد لعودة الرأسمالية …
في عالمنا العربي شهدت الماركسية حضورا ملحوظا ، ونشطت أحزابه بقوة ،لكن هذا الحضور لم يتجذر في بنية المجتمع لا معرفيا ولا حتى سياسيا ، فالفقراء انداروا للحزب وكل همهم المساواة ، أو السوائية الشيوعية الفطرية ، لكن في أول رجة للمجتمع تمخض عما بداخله من عفن الفكر القديم المتأصل ، من نزعة أصولية – روح التواكل والتقاعس – عادة القبول بالأمر الواقع دون مقاومة – سيادة العقلية القبلية – نظم أوتوقراطية وكلانية ديكتاتورية ، سيادة الغيبيات والأساطير ، أي كان بامتياز مجتمع ( ما فبل العلمي ).. دون أن ننسى أن النموذج السوفييتي أعطى مثالا سلبيا سيئا، لهذا بدأ الفكر الماركسي بالتراجع والتقلص والانزياح في بعض الأرجاء من العالم العربي ..وربما الانحسار في بعضها الآخر…
أجل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تسيد العالم القطب الرأسمالي بالرغم من تقلص رقعته الجغرافية، وتفردت أمريكا كقطب أوحد ، ففي خضم صراع الرأسمالية مع المعسكر الشيوعي ، استطاعت الرأسمالية أن تجدد نفسها بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية ،فقد أدخلتهما في خدمتها ، كما استطاعت أن ترفه شعبها وترفع من مستوى معيشته ، وترسخ من مبادئ الديمقراطية والحريات العامة ، وهي باقية وستستمر في السيادة في المدى المنظور ، لكن ليس إلى الأبد، فالرأسمالية شأنها شأن التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية السابقة لها لابد أن تفتح الطريق أمام تشكيلة اجتماعية جديدة ، فالرأسمالية ليست نهاية العالم ، كما أن الشيوعية ليست نهاية العالم ..
إن انهيار الاتحاد السوفييتي سيمكن الماركسية من تجديد نفسها ، فلا بد للماركسيين من قراءة واقعية جديدة ، لا بد من مفاهيم جديدة لمواجهة واقع جديد ، لابد من النظر إلى الاشتراكية كعلم ودراستها وتناولها بالتالي على هذا الأساس ،إذا كنا نؤمن بأن تطور المجتمع عملية طبيعية، فلا بد من مواكبة هذا التطور ، فلا سير إلى الأمام في عربة الماضي ، لا بد من خطاب جديد يغلب فيه الجانب المعرفي على الجانب الإيديولوجي ، والجانب الاجتماعي على الجانب السياسي ، لابد من تأسيس وترسيخ لقيم الديمقراطية, لا بد من نبذ المفهوم الشائع، بأن تحقيق الاشتراكية لا يتطلب سوى استلام حزب الطبقة العاملة للسلطة ، الاشتراكية لا تتكون بالانقلابات ولا تتطور عن العسكرية، بل عن التصنيع ، ولم أعد من جانبي أقتنع بالانقلابات كطريق لبناء الاشتراكية ، أنني أؤمن بالطريق السلمي إلى الاشتراكية، أؤمن بالنضال السلمي،والصراع التنافسي السلمي، وبالمشاركة السياسية، وبالإصلاحات المضطرة عليها الرأسمالية كطريق ممكن للسير نحو الاشتركية ..
أجل إن الرأسمالية ليست نهاية العالم ، فالحركة التصاعدية شأن التاريخ والمجتمعات فلا بد للرأسمالية من أن تفتح الطريق أمام مجتمع جديد ينبثق عن المجتمع القديم ، لكن بعد أن تستنفد الرأسمالية كل طاقاتها ، ولن ترحل أوتغيب قبل ذلك ، والمجتمع الوليد سأسميه الشيوعية، أما أنت فسمه ما شئت ..!؟