الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (11)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (11)

وفي الجلسة الثانية التي عقدت في التاسع والعشرين من آذار 1924، ووافق فيها الاعضاء بالاكثرية على قبول النظام الداخلي للمجلس، تم انتخاب ممثل اربيل داود الحيدري نائبا للرئيس، ولقد حصل على خمسة وثلاثين صوتا، فضلا عن النائب الثاني للرئيس ياسين الهاشمي الذي حصل على اثنين وثلاثين صوتا مما يعطينا مؤشرا على الرغبة في ان تكون هناك موازنة قومية في المجلس دون ان تكون مقصودة تماما، مع ان الامر دشن بداية جيدة في الاتجاه الصحيح، وكان يتوافق إلى حد واضح مع سياسة الملك فيصل الأول تجاه المسألة الكوردية التي لقيت تشجيعا من البريطانيين بسبب اوضاع العراق والمنطقة.
ومما يذكر ان داود الحيدري ترأس مرارا جلسات المجلس التأسيسي بجدارة في حال غياب رئيس المجلس عبدالمحسن السعدون لاي سبب كان، وذلك بوصفه النائب الأول للرئيس. فانه ترأس، مثلا، جلسة المجلس التي درست انتخاب اعضاء لجنة المعاهدة في الثالث من نيسان سنة 1924. كما ترأس ايضا جلسة يوم السابع والعشرين من آيار العام نفسه التي بتت في بعض اجزاء المعاهدة العراقية – البريطانية.
كان موضوع البت في المعاهدة العراقية – البريطانية من اهم الموضوعات التي كان على اعضاء المجلس التأسيسي النظر فيها. وبسبب الاختلاف في وجهات النظر بين من هو مؤيد لها، ومعارض لعقدها شهدت اروقة المجلس مناقشات حادة حولها، وتعاطفت الصحف العراقية مع رأي هذا الفريق او ذاك بحسب اتجاهاتها السياسية، واندفاع قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي للضغط على اعضاء المجلس لعدم عقد المعاهدة. حتى وصل الامر إلى حد تهديد حياتهم، كما حدث مع مندوبي الحلة وعضوي لجنة تدقيق المعاهدة عداي الجريان وسلمان البراك، مما دفع بعدد من اعضاء المجلس للاستقالة.
اظهر النواب الكورد في اثناء المناقشات التي جرت حول تصديق المعاهدة وعيا مقبولا في فهم الظروف العامة للمهمات المطلوبة من المجلس، وتمسكا عميقا بعراقيتهم. فربط قسم منهم، على نحو ذكي بين موضوع تصديق المعاهدة مع بريطانيا بموضوع ولاية الموصل التي كانت تطالب بها تركيا. فقال نائب اربيل محمد شريف بك بهذا الصدد ما نصه:
“ان الاتراك يطلبون الحاق الموصل بهم إلى جبال حمرين، ولما كانت منطقتنا مرتبطة بالموصل فنطلب من جلالة الملك (فيصل) وفخامة المعتمد السامي بابقاء منطقة الموصل مع العراق، واذا لم يهتما بهذا يصبح موقفنا في خطر”. واستطرد قائلا، بعد ان حاول رئيس المجلس لفت نظره إلى ان الموضوع الرئيس للجلسة يتعلق بالمعاهدة، ان ( مسألة الموصل تبقى مبهمة اذا صدقنا المعاهدة قبل حسمها، لانا نريد ان نطمئن من جهة بلادنا).
كما ادرك بعض النواب الكورد حقيقة ما كان يجري لامرار المعاهدة من قبيل تكوين لجنة من بين اعضاء المجلس لدراسة نصوص المعاهدة، فتساءل النائب محمد شريف بك ايضا عن القصد من تشكيل هذه اللجنة اذا كانت المادة الثالثة من النظام الداخلي وخطاب العرش الذي القاه الملك فيصل في الجلسة الاولى يقضيان بالتصديق، او رفض المعاهدة بدون تعديل ؟، اما إذا ” كان القصد من تشكيلها درس المعاهدة وبيان رأيها إلى المجلس مع بعض اقتراحات فيلزم ان نتخذ قرارا يمنح اللجنة حق تعديل بعض مواد المعاهدة”، ولما كان امر تشكيلها لا يتفق مع المهمات التي حددت لها، لذلك لم ير موجبا لتشكيل اللجنة. ولم يتردد أحد النواب الكورد عن تأكيد التزامه بقوميته عندما وجد ان هناك من يحاول تجاوزها في المجلس عند تشكيل لجنة النظر في المعاهدة، فأكد صراحة ضرورة ان ينتخب من كل لواء مندوب واحد على اساس التصويت العام، معترضا بذلك على رأي طرحه نائب الموصل امجد العمري. وبالفعل انتصر الراي القائل بضرورة ان تتألف لجنة المعاهدة من ممثل واحد لكل لواء، ما عدا لواء الموصل الذي اصبح له حق اختيار عضوين لاسباب تتعلق بقضية مصير ولاية الموصل، فارتفع عدد الاعضاء إلى خمسة عشر عضوا في الجلسة التي عقدت في السابع من نيسان 1924. وعلى الغرار نفسه رفع نائب اربيل داود الحيدري تقريرا إلى المجلس ورد فيه: “نظرا لاهمية القانون الاساسي، وكثرة مواده اقترح ان يكون عدد اعضاء اللجنة (لجنة دراسة القانون) خمسة عشر، وينتخب نواب كل لواء نائبا بينهم”. وحلل قسم من النواب الكورد ظاهرة الاستقالات التي لجأ اليها بعض اعضاء المجلس التأسيسي بحجج مرضية، في حين ان مردها الحقيقي إلى الاعتداءات التي تعرض لها ممثلا الحلة، فاكد ملا محمد جلي زاده ممثل اربيل بصراحة متناهية “ان سبب الاستقالة معلوم عندنا لكنه لايذكر” مشيرا إلى محاولة اغتيال عضوي المجلس، وطلب من الحكومة “ان تعرف العلة وتزيلها حتى لا يستقيل احد من جراء الضغط على حرية الافكار”، وكان يشير بذلك إلى ان حرية الفكر مقدسة ويجب صيانتها، لا سيما انه كان من المتأثرين بافكار المصلح الديني الليبرالي محمد عبده الذي كان يدعو لليقظة والتحرر، ويعادي الاستبداد والاستلاب الفكري. وعندما تعرض هذا النائب لسوء تفسير كلامه من زميل له داخل المجلس جاء رده اقوى من السابق، فاوضح ان قصده هو “ان نكون احرارا في ارائنا، ولايتهم بعضنا بخيانة شعبه او وطنه او دينه، وكلنا عراقيون محبون لاوطاننا … واكرر قولي بان مقصدي هو تأمين حرية المندوب، فضلا عن تأمين حياته، واني لا اخاف مقدار مثقال ذرة، واطلب مافيه مصلحة البلاد”. وعندما حاول النائب احمد الداود من بغداد تفسير كلامه بغير اتجاه اخر قال ما نصه:
“ارجو ان لا تفسروا كلامي بغير الحقيقة، فانا رجل عراقي كوردي جئت من بلادي (يقصد اربيل) ممثلا لها فكيف اتهمها بالتهديد”.
وتعكس هذه المناقشات ما كان يتعرض له النائب عندما يتناول موضوعا يتعلق بمسؤولية الحكومة تجاه نوابها، كما حدث للملا محمد جلي زاده الذي كان يجيد اللغة العربية، ويدعو لتعلم اللغة الانكليزية لانها لغة المسيطرين علينا، فكيف يكون الامر بالنسبة لنائب كوردي آخر لا يجيد غير لغته ولا يستطيع التعبير عن افكاره بغيرها؟.
لم يكن بوسع المجلس التأسيسي تجاوز موضوع تصديق المعاهدة، رغم المحاولات المتعددة التي جرت من المعارضة داخل المجلس وخارجه للتأثير على الاعضاء من اجل تأجيل البت فيها للاستفادة من الوقت في تحقيق اهدافها التي تركزت بالدرجة الاساس على تعديل العديد من بنودها لصالح العراق. وهكذا كان الجميع، المعارضة على اختلاف اتجاهاتها، والمؤيدون للحكومة متفقين على قبول المعاهدة وتصديقها، وان تفاوتت درجات قبولهم لموادها وضرورة تعديل قسم منها بالنسبة للفريق الاول، أو قبولها على علاتها من الفريق الثاني، وكان جميع النواب الكورد ينتمون إلى الفريق الثاني بسبب ظروف منطقتهم الخاصة، ومحاولة البريطانيين ربط مصير ولاية الموصل بالتصديق على المعاهدة تحديدا. فضلا عن ذلك استخدم البريطانيون كل الوسائل المتاحة لديهم، بما في ذلك تهديد بعض اقطاب المعارضة، بالغاء بعض امتيازاتهم إذا ما اصروا على مواقفهم في معارضة تصديق المعاهدة.
وفي خضم هذه الصراعات التي كانت تتجاذب اطراف المجلس التأسيسي والمناورة التي لجأت اليها السلطات البريطانية بطرح قضية الموصل على بساط البحث مع الاتراك في مؤتمر القسطنطينية الذي افتتح جلساته في التاسع عشر من أيار 1924، أي قبيل تقديم لجنة تدقيق المعاهدة تقريرها إلى المجلس التأسيسي بيوم واحد فقط، وامتداد جلسات المؤتمر إلى الخامس من حزيران، واحالة الموضوع إلى عصبة الامم بعد الفشل في التوصل إلى حل يذكر، في خضم تلك التطورات قدم نواب كركوك واربيل تقريرا إلى المجلس تلاه نيابة عنهم نائب اربيل محمد شريف بك جاء فيه ما نصه:
“لاريب ان مقدرات جهة العراق الشمالية، اعني الموصل وملحقاتها السابقة التي نحن مندوبون عنها، لم تزل معلقة الحكم دائرة في انظارنا بين الشك واليقين، فكلما فكرنا بامرها وجدنا انفسنا في ظلام دامس لا نستطيع فيه تقدما ولا تاخرا، ولان شغلت افكار العراقيين عامة فهي لا فكارنا خاصة اشغل لاننا من اهلها، فمقدراتنا تابعة إلى مقدراتها اكثر من غيرنا، ولقد زادنا قلقا واضطرابا ما نشرته الصحف من الاخبار المتعلقة بها عن مؤتمر الاستانة المنعقد هناك لحل مشكلتها، فما دامت هذه المشكلة غير منحلة، ومادام امرها مبهما كل الابهام عندنا فنحن لا يسعنا ان نقف تجاه المعاهدة العراقية البريطانية الا موقف المستنكف عن ابداء الرأي فيها فبناء على ذلك نرجو تأجيل المذاكرة في المعاهدة إلى انتهاء حل مشكلة الموصل، وان لم تقبلوا تكليفنا هذا فنحن مستنكفون، ونأمل ان يكون عذرنا في هذا الاستنكاف مقبولا لدى المجلس الموقر، والا يحمل هذا على ضعف في آرائنا او خور في عزائمنا”. ولكي يقطع المتحدث نفسه الشك باليقين، وليجد شتى التفسيرات التي قد تفسر على اساس تقرير زملائه قال:
“اننا ابناء العراق الشمالي، اعني الكورد، لا نريد الانفصال عن العراق بوجه من الوجوه لان الكورد لا يعيشون بدون العراق قطعا، ولكننا مع ذلك لا نتنازل عن طلب ما يضمن حقوق الاقلية من الميزة الادارية وفق ما جاء في المادة الثالثة… فنرجو من رفقائنا الكرام ان لا يداخلهم الريب من وطنيتنا،وان لا يحملوا ما تلي عليهم في التقرير على محمل ينافي حسن نيتنا ما دمنا لم نخرج في هذا التقرير عن الحدود القانونية”.
ايد نواب السليمانية ما ورد في تقرير زملائهم نواب اربيل وكركوك في الجلسة الحادية والعشرين التي عقدت في الخامس من حزيران 1924. ونظرا لاهمية ما ورد في هذا التقرير من افكار وآراء وضعت المجلس امام مسؤولياته التاريخية، دارت حوله مناقشات طويلة استمرت طوال الجلسات من العشرين إلى الثالثة والعشرين في المدة المحصورة مابين الثالث والعاشر من حزيران، ولم تنته الا في الجلسة التي سبقت التصويت على المعاهدة وملاحقها.
وانبرى عدد من النواب للرد على ما ورد في تقرير النواب الكورد، وكان ابرز تلك الآراء ما ذكره ممثل كربلاء عمر العلوان الذي اكد ان القانون الاساسي مقيد بالمعاهدة، فاذا اجل البت في المعاهدة لحين حل مشكلة الموصل فكيف يمكن سن القانون الاساسي الذي يعين شكل الحكومة.