الرئيسية » مقالات » حذاري .. حذاري من الفتن الجديدة في العراق!

حذاري .. حذاري من الفتن الجديدة في العراق!

نحن في العراق نقف مباشرة أمام فتنتين جديدتين , وكأن مشكلاتنا السابقة لم تكن كافية لإشاعة الفوضى في العراق .. وكأن البعض كان ينتظر الفتنة الأولى لنشر وترويج الفتنة الثانية.
الفتنة الأولى:
في مقالي الموسوم “هل العراق ولاية أم مستعمرة أمريكية يا مجلس الشيوخ الأمريكي؟” أشرت فيه إلى أن الحزب الديمقراطي استطاع استقطاب العدد الكافي من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي لإصدار قرار غير ملزم بتقسيم العراق. وهذا القرار بخلاف ما يتصور البعض , إذ يرى فيه رغبة في الخروج الأمريكي السريع من العراق على أساس حل المشاكل القائمة بسرعة , في حين أن هذا القرار إن جرى تنفيذه فعلاً , سيثير من المشكلات ما ينتهي إلى تدمير إضافي للعراق وموت المزيد من البشر وخراب واسع وتدخل فظ من دول الجوار, إذ أن التدخل العربي الذي كان حتى الآن محدوداً سيتخذ صفة رسمية مباشرة وغير مباشرة , كما سيدعو تركيا وإيران إلى مزيد من التدخل في العراق. وهذا يعني أن الحزب الديمقراطي الأمريكي , بخلاف ما يعتقد البعض , سيدعو إلى البقاء في العراق ربما أطول فترة مما يريدها الحزب الجمهوري الحاكم حالياً. إذ أن الدعاية الراهنة للخروج من العراق ترتبط مباشرة بالدعاية الانتخابية التي سرعان ما تُنسى بعد الانتخابات وتبدأ مرحلة ممارسة السياسة الفعلية والعملية للحزب الديمقراطي , الذي سيبقى يمارس نفس الاستراتيجية الراهنة التي يمارسها الحزب الجمهوري وجورج دبليو بوش في العراق , لأنها تمس بالأساس مصالح الولايات المتحدة مباشرة وليس هذا الحزب أو ذاك.
إن القرار الذي اتخذه مجلس الشيوخ الأمريكي سيء في مضمونه وفي توقيته وتدخل فظ واستعماري في الشأن العراقي , ومن يحاول التخفيف من هذه المسألة يرتكب خطأ فادحاً يصعب معالجته مستقبلاً , وليس مناسباً لأكاديميين معروفين ولا لسياسيين يحتلون مواقع مهمة في الدولة تبرير هذا القرار واعتباره في مصلحة العراق. فمصلحة العراق تقوم على أساس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية تتكون من فيدراليتين وحكومة مركزية وليس بين فيدراليات طائفية مقيتة تقسم الشعب العربي على أساس مذهبي. أملي أن يعيد هؤلاء الأخوة النظر بمواقفهم , إذ أنها سوف لن تكون مشكلة عراقية حسب , بل مشكلة خليجية وشرق أوسطية مثيرة للمزيد من المتاعب على المدى القريب والبعيد , وسيثير مشكلات إضافية لكُردستان. علينا جميعاً إعمال الفكر والنظر بأفق أوسع وأبعد وليس بأفق ضيق وقريب الأمد فقط إزاء المسألة كلها وإزاء قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الجديد السيئ الصيت والنوايا والأهداف. علينا رفض التدخل في الشأن العراقي قبل أن تستفحل الفتنة بالفتنة الأخرى التي بدأ يثيرها البعض من السيئين في العراق.
الفتنة الثانية:
أصدرت هيئة علماء المسلمين , وهي الحليف المباشر والفعلي لجماعتين , لتنظيم القاعدة في العراق والمؤيد للعمليات التي تنفذها هذه المنظمة الإرهابية والإجرامية في البلاد , وفق تصريح الشيخ الطائفي المقيت حارث الضاري في لقاء تلفزيوني من القنوات العربية الفضائية , ولتنظيم البعث الإجرامي الذي يقوده المتهم بجرائم مرتكبة ولا تزال ترتكب ضد الشعب العراقي , عزت الدوري , بياناً برقم (479) مستغلاً قرار مجلس الشيوخ الأمريكي غير الملزم بشأن تقسيم العراق ليشن حملة شد الشعب الكردي وضد كل القوى والأحزاب السياسية في إقليم كُردستان. فالبيان مكرس بالأساس لقضية مركزية واحدة , هي إشاعة الفتنة بين العرب والكُرد , إذ يتهم القيادات الكردية بكونها المسئولة عن مجيء القوات الأمريكية إلى العراق وينسى هذا الشيخ المصاب , كما يبدو , بمرض الشيخوخة , أن المسئول الأول والأخير عن الحرب الأخيرة وعن احتلال العراق وكل ما جرى ويجري فيه هو النظام الدكتاتوري , هو صدام حسين , هي السياسات العنصرية والشوفينية والطائفية اللعينة للنظام ورأسه , هي الحرب الدموية التي نظمها وقادها ضد إيران والغزو الهمجي ضد الكويت وحرب الخليج الثانية , هو الاستبداد والسعي للعسكرة وامتلاك أسلحة الدمار الشامل وعدم الخضوع لقرارات مجلس الأمن الدولي التي مارسها مجلس قيادة الثورة وسكت عنها بعض أبرز شيوخ المسلمين السنة العرب العاملين في هيئة علماء المسلمين حالياً. إنه يحاول رمي قذارات النظام وتفريطه بالاستقلال والسيادة الوطنية على عاتق تلك القوى اسياسية الوطنية العربية والكردية التي قاومت النظام وناضلت من أجل حقوقها المشروعة وقدمت الكثير من التضحيات. إن محاولة إثارة الفتنة بين العرب والكُرد لن تمر وينبغي أن لا نسمح لها بالمرور وأن لا تنطلي على الشعب العراقي بكل مكوناته , ويكفي أننا نعاني اليوم من طائفية سياسية مقيتة أثارتها القوى والأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية المتطرفة والدول التي تريد أن تستفيد من هذا الصراع لصالحها , والتي نشطتها قوى الاحتلال قبل وأثناء مجيئها للعراق وعبر السياسة الوقحة والاستبدادية التي مارسها بريمر في بغداد.
أختلف تماماً مع تصريح السيد فلاح مصطفى , رئيس لجنة العلاقات الخارجية في حكومة الإقليم , أو مع تصريح الأديب السيد فلك الدين كاكائي , وزير الثقافة في إقليم كُردستان , أو مع السيد رئيس الجمهورية , بهذا الصدد وفق تصريحه لـ “راديوا سوا” حين أيدوا جميعاً قرار مجلس الشيوخ الأمريكي واعتبروه لصالح العراق , فأنا ضد هذا القرار جملة وتفصيلاً ولا أستطيع المجاملة , ولكن احترم الرأي الأخر وأناقشه فكرياً وسياسياً. وعلينا في العراق أن ننتبه لطبيعة الخلاف وسبل معالجته والابتعاد عن خلط الأوراق , كما يفعل بيان هيئة علماء المسلمين رقم 479 , وأن نكف عن شتم من يختلف معنا في الرأي وأن نتجنب من يسعى إلى إثارة الفتنة بين العرب والكُرد , إذ أن من واجبنا خوض النقاش الهادئ والعقلاني المسئول مع التحالف الكردستاني وحكومة الإقليم أو مع من يرى أن قرار مجلس الشيوخ صائباً , لإقناعهم بأن قرار مجلس الشيوخ وتدخله في الشأن العراقي خاطئ وغير مسئول ويفتح الباب على تدخل بقية الدول دون وجه حق , وأننا مع الدولة العراقية المدنية الديمقراطية الفيدرالية , أي مع دولة فيدرالية لا تقوم على أساس طائفي سياسي عدواني وتقسيم العرب في العراق على أساس مذهبي سياسي , إذ أن هذا سيجر العراق إلى مشكلات تعصف بالجميع وتحول البلاد إلى أرجوحة يهزها الجميع. إن الدستور العراقي أيد الفيدرالية , ونشأت فيدرالية كُردستان منذ العام 1992 , ويمكن أن تنشأ بجوارها فيدرالية عربية تضم العرب الشيعة والسنة والصابئة والكُرد الفيلية والكلدان والآشوريين ومن تبقى منهم في بغداد والجنوب والموصل بعد عمليات التهجير القسرية الظالمة للمسيحيين والصابئة , أو ما يجري ضد المواطنات والمواطنين من أتباع الديانة الإيزيدية من قبل القوى الإرهابية والمليشيات الدينية والطائفية المسلحة والمتطرفة ومن قبل عصابات الجريمة المنظمة, وحكومة مركزية في بغداد وينظم الدستور العراقي صلاحيات وعلاقات الفيدراليتين في ما بينهما ومع الحكومة المركزية من مختلف الجوانب.
علينا أن ننتبه إلى الأضرار التي يمكن أن تلحق بالعراق عبر الفتنتين , فتنة مجلس الشيوخ الوقحة في تدخلها بالشأن العراقي والتي تريد إثارة حرب طائفية اشد مما هي عليه الآن , وفتنة هيئة علماء المسلمين الأكثر وقاحة التي تريد أن تشعل حرباً قومية عنصرية في العراق , وخاصة بين العرب والكُرد, علينا أن نعمل من أجل إحباط الفتنتين وأن نقنع الناس بمخاطرهما على العراق والقوميات القاطنة فيه.
4/10/2007 كاظم حبيب