الرئيسية » مقالات » امرأة وموقف – امرأة وخليفة

امرأة وموقف – امرأة وخليفة

غالبا ما تستخدم المرأة وسائل عديدة للحفاظ على بيت الزوجية من ان تدخله امرأة اخرى، على الرغم من ان الامر طبيعي لا فيه عيب ولاحرام، الا ان سايكولوجية المرأة بالتعامل مع الزوج على انه ملك لها جعلها اكثر اصرارا على المحافظة على هذه المعادلة حتى ولو كلفها ذلك الامر غاليا، حتى ان كثيرا من النساء، خاصة في العصر الحديث يفضلن الطلاق على العيش مع زوج تشاركها فيه اخرى او اثنتان.
وفي التاريخ هناك صور عديدة لنساء تعاملن مع موضوع الزوج الخالص ومتابعة تصرفاته والحد من حركاته التي ربما تبعده اخيرا عن زوجته وعن حبه لها واهتمامه باسرته فاخذن يعملن المستحيل ويستخدمن الوسائل والاساليب المتنوعة للحيلولة دون حدوث ما يعكر الاجواء وينغص العيش. وسلمة بنت يعقوب المخزومي مثال على ما قدمناه اعلاه، فهذه المرأة كانت من النساء الجميلات، الحازمات ذوات العقل الراجح فضلا عن ذلك كانت غنية ومتمكنة، عاشت سلمة في نهاية الدولة الاموية وبداية الدولة العباسية في بيوت الخلفاء والامراء والمتنفذين فقد تزوجت عبدالعزيز بن الوليد بن عبدالملك.
وبعد ان توفي عنها تزوجت هشام بن عبدالملك وهو واحد من الخلفاء الامويين الكبار الذي حكم لفترة طويلة من الزمن، لم تكن نهاية الدولة الاموية نهاية لحياة سلمة بل على العكس زادها ثراؤها ووضعها النفسي المستقر على ان تحلم بالافضل والاحسن. في تلك الفترة كان ابو العباس السفاح وهو اول الخلفاء العباسيين لايزال شابا وكان وسيما وجميلا وجذابا قبل ان تهيئ له الاقدار طريقا للخلافة، وذات يوم رأته سلمة وقد مر بها في طريقه الى مكان ما فاعجبت به، فسألت عنه، فعرفوها بنسبه، وهنا ارسلت له جارية لها، تعرض عليه الزواج، وقد وظفت ثراءها وامكانياتها لتسهيل المهمة فبعثت له مع الجارية سبعمائة دينار، ونظرا لحاجة ابي العباس السفاح للمال فقد جاء عرض سلمة ملبيا لرغباته فوافق مباشرة على الزواج منها وكانت عنده ذات منزلة كبيرة استطاعت بعقلها وقدراتها ان تحصل عليها خاصة وان لديها خبرة طويلة وعميقة بالتعامل مع حاجات الرجل ورغباته من خلال كونها متزوجة من اثنين من العناصر المسؤولة والمهمة في الدولة الاموية.
لذلك انسجم معها ابو العباس واقسم ان لايتزوج عليها، يقول عمر رضا كحالة في كتابه اعلام النساء مستندا على الاغاني لابي الفرج الاصفهاني: (ثم افضت الخلافة اليه فلم يكن يدنو الى النساء غيرها لا الى حرة ولا الى امة ووفى لها بما قسم)، فلما كان ذات يوم في خلافته التي دامت اربعة عوام فقط خلا به خالد بن صفوان فقال: يا امير المؤمنين اني فكرت في امرك وسعة ملكك، وقد ملكت نفسك امرأة واحدة فقط، فان مرضت تمرض وان غابت عنك تغيب انت ايضا ثم حرمت نفسك من التلذذ باستطراف الجواري ومعرفة اخبارهن والتمتع بما تشتهي وترغب، ثم اخد يصف له النساء وانواعهن ومميزاتهن اذ كانت له خبرة طويلة بالنساء، فلما فرغ من كلامه قال له ابو العباس ويحك يا خالد ما صك مسامعي قط كلام احسن مما سمعت منك فاعده عليّ فعاده مرة ثانية فاستلذ به ابو العباس واخذ يفكر بالموضوع مليا وخرج خالد الى منزله، بعدها مباشرة دخلت عليه سلمة زوجته فرأته على غير حاله وبعد سؤال وجواب واستجواب عرفت منه ان خالد بن صفوان كان سببا في ذلك.
وهنا ثارت ثائرتها وقررت الانتصار لانوثتها من جهة وكونها امرأة وزوجة خليفة من جهة اخرى فارسلت الى مجموعة من النجارين وهي فئة تتعامل مع الاخرين بالقوة او مما تسمى اليوم (شقاوات) وارسلتهم الى دار خالد وامرتهم ان لايتركوا عضوا صحيحا منه، اما خالد فذهب الى منزله كما اشرنا وهو ينتظر جائزة الخليفة لما قدم له من نصائح اعجبته وتوقف عندها، المهم كان خالد ينتظر الجائزة او المكافأة واذا به والنجارية وجها لوجه حتى اقعدوه في بيته اياما من شدة الضرب، يقول خالد طلبني ابو العباس طلبا شديدا ولم اشعر ذات يوم الا بقوم قد هجموا عليّ قائلين: اجب امير المؤمنين فايقنت بالموت فركبت وليس عليّ لحم ولا دم.
فلما وصلت الى الدار اومأ اليّ بالجلوس ونظرت فاذا خلف ظهري باب عليه ستور قد ارخيت وحركة خلفها فقال: يا خالد لم ارك منذ ثلاث؟ قلت كنت عليلا يا امير المؤمنين، قال: ويحك انك وصفت لي في اخر دخلة من امر النساء والجواري مالم يخرق مسامعي قط كلام احسن منه فاعده علي: قلت: نعم يا امير المؤمنين اعلمتك ان العرب اشتقت اسم الضرة من الضر وان احدهم ما تزوج من النساء اكثر من واحدة الا وكان في جهد، فقال: ويحك لم يكن هذا في الحديث: قلت بلى والله يا امير المؤمنين واخبرتك ان الثلاث من النساء كأركان القدر يغلي عليهن. قال ابو العباس: برئت عن قرابتي من رسول الله (ص) ان كنت سمعت هذا في حديثك قال: واخبرتك ان الاربع من النساء شر صحيح لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه ويسقمنه، قال: ويلك والله ما سمعت هذا الكلام منك ولا من غيرك قبل هذا الوقت، قال خالد: بلى والله قال: ويلك وتكذبني، قال: وتريد ان تقتلني يا امير المؤمنين، قال: اكمل حديثك، قال: واخبرتك ان ابكار الجواري رجال ولكن لاخصي لهن. قال خالد: فسمعت الضحك من وراء الستر؟ قلت: نعم، واخبرتك ايضا ان بني مخزوم ريحانة قريش وانت عندك ريحانة من الرياحين وانت تطمع بعينك الى حرائر النساء وغيرهن من الاماء.
قال خالد: فقيل لي من وراء الستار: صدقت والله يا عماه بررت وبهذا حدثت امير المؤمنين ولكنه بدل وغير ونطق عن لسانك. فقال له ابو العباس: مالك قاتلك الله واخزاك وفعل بك وفعل؟ قال: فتركته وخرجت وقد ايقنت بالحياة، وبعد برهة من الزمن ما شعرت الا برسل سلمة قد صاروا اليّ ومعهم عشرة آلاف درهم وتخت وبرذون وغلام، ولم يكن احد من الخلفاء يحب مسامرة الرجال مثل ابي العباس السفاح، وذلك بعد ان سدت عليه سلمة المنافذ جميعها وروضته لصالح بيته ورعيته واسرته وبذلك شذ عن الكم الاكبر من الخلفاء والمسؤولين.

التآخي