الرئيسية » شخصيات كوردية » هديل الحلم وسيرة البياض – بدرخان السندي وجراحات الزيتون

هديل الحلم وسيرة البياض – بدرخان السندي وجراحات الزيتون

أقسموا هديل الحمام وأغصان الزيتون وعبق النعناع، من يحمل ذرة من الانسانية هو الباقي والدائم، بعشقه للحلم والحلم أكبر من الكون والعالم..
في كل زمان ومكان نحن بحاجة للخروج عن اقتران متبرص باصغر هفوة واحقر وادي لفناء محنط، لأكثر من ثلاثون دورة شمسية نحن نعاني من حفر القبور وحديثنا الاكثر شعبية عن حضور الفواتح ومراجعة المستشفيات، وغدا قصف ذاكرتنا هموم عملاقة وحزننا الاول، حكت أيامنا عن بذور الألم، وكلما أردنا النظر مبتسمين لحلقة فرح، عاد الخراب منصباً نفسه شبح بيننا وتهزُّ مهرجانات العويل والدموع مواكب حياة أصابتها الفجيعة من جديد، ابرياء لا ذنب لهم من أطفال وشيوخ ونساء كانوا شموعاً تظلل بعضها بعض تعيش الخوف بشيء من السلام بعيد عن رائحة الدخان والفوضى، ماحصل ان مرضاً الم ببعض النفوس البغيضة حركها جنون أقبح من اي تعفن، نصبوا أنفسهم حطباً لنار الارض ونار جهنم، لم يخفى عن احد أنهم خلقوا قنوات أساسها افكارهم الخبيثة لايناصرها الاَّ الخراب والعبث، فكانت الفجعة التي لم ولن يسكت عنها كل شريف يحمل نفس انساني على اكتافه وفي قلبه عمار كبير.
الشاعر بدرخان السندي أحد حاملي القلوب الانسانية، حيث كتب ” جراحات الزيتون ” معبراً عن تفجر روافد الكلمة مستخلصاً من نور المحبة- وروح الرحمن الذي استفاض في قلبه، بتساؤل له العذر فيه ولكل انساني في هذا الكوكب، عندما تنتهك الصلات الانسانية بهذا الشكل، فكانت قصيدته” جراحات الزيتون ” إذ قال:
يا أيها التاريخ المسجى
على شفير خنجر
ممدوداً
من أطفال مزدا
وصباياه
وشيوخ مزدا
وبنيه والعذارى
نجد بدرخان السندي يعبر بابداع الشاعر عن ما حدث وجعل الشيخ يبكي لقمته، عندما ماتت الناس بالشوارع، عندما لبست النساء أجسادهن المقلوبة، عندما يركض الزوج خلف زوجته، عندما يمشي الصغار على نار اوقدت، عندما لا يعرف المعروف صاحبه، عندما تنكشف القبور وتطهر الاجساد العارية، عندما يصبح الحلم مجرد حلم، وتنفجر القوقعة يقول السندي:
الوجل المتخفي في فضائح التاريخ
وضميره
بين ثنايا الامومة والابوة
بين طيات الاردية البيض
أقاصيص ومآسي
والامنيات الحالمات
بغد موشى
بلون الشمس والمرايا
بالغد النابت في أديم الأسى
ليس منا من دعا إلى عصبية/ عن قول شريف( دعوها أنها نتنة ) الشاعر بدرخان تلفع بفؤاده لما قرعت أجراس الألم في سنجار وغيرها من المدن العراقية على أثر،، لإثارة مشكلة طائفية، من أوجدها غير طغاة التاريخ وسليلي الزنادق، بطريقةٍ ما وجدوا مبرقعين في جب هواجسهم السوداء، فكان شرهم مستطيرا، بدرخان سندي عبرعن براءة الذين راحوا ضحية لهؤلاء، ناس يتعبدون لخالقهم بنيات طيبة فوق جبل حول أماكنهم ومقاماتها لم يخطر في بالهم طمع أو إيذاء أحد، بقوله:
على قمة جبل
جمع ألوان الدنا وزهوها
ثمة رجل
ماداً ذراعيه
وعيناه تزوغان في مجاهيل الفضاء
الريح تعصف بردائه.. لحيته
صدى صوت زارا
يردد السفح والسكون
يا صاحب المشيئة
إن شئت تشاء
هل من رجاء…؟
ويملاء الكون صوت مزدا
ترددهُ تحت أقدام زارا
قمم زاكروس
والخليقة
من يستحق العقاب؟، من يخاطب ربه ولا يسعى لإذاء أحد، أو من يحبس قطة( أمرأة دخلت النار لأنها حبست قطة)و( وغانية سقت الكلب الماء دخلت الجنة) فكيف بمن يقتل أعداد هائلة من الابرياء نافضاً يديه من جرمه المعهور، لذا نجد الشاعر بدرخان السندي يقول:
ما عقاب من يقتل كلباً..؟
ويمتطي صوت مزدا
صهوة الكون
فرحا… فرحا
حباً.. وحزما… وعطفا
يا زارا..
أيُّ كلب تعني…؟
أكلب راع يحرس القطيع..؟
أم كلباً سائباً..
أم كلب أجرب..
الشاعر هنا يعلم مدى عمق الجرح، انها قضية الانسان، قضية أكبر من قمم زاكروس، اصبح الامر بيد كلاب مسعورة تنهش لحم المارة، تركهم راعي هو نفسه يحمل روح كلب أجرب، فمن ندين ومن المسؤول في هذه الحالة؟!، الشاعر بدرخان السندي سجل بقصيدته وحشية التاريخ وترك ألف سؤال متفرع على الجهات الاربعة عله يصل صوته لنقطة تكون مركز ثقل في القضية كلها حيث يقول:
ويسترسل مزدا في السؤال
محمولاً على ناصية الصاعقة
أمه قبل الىف السنين
رسمت حقوق الحيوان.. ثم الانسان
قبل الآف السنين
كان زارا يزرع القوانين
ويسترسل زارا في السؤال خاشعاً
وما دار بخلده
أن يسأل مزدا
ما عقاب من يغتال البسمة
ويبيد الفرحة
والامل والشروق والحنين
في صدر جياع حالمين
دمج الشاعر بدرخان أخيلة التاريخ على ضوء الملامح الزاخرة بالشرائع والقوانين، فكان ابداعه في خلق ودمج حيواة لأزمنة ماضية وحيواة عاصرت الطهر بلا مجاملة ولا نفاق، عصر يمر بالدمار والموت، يذكرنا سندي بأن مزدا لم يخطر على باله أن هناك أعداء حتى للحجر والنار، فكيف أذا حامت افكارهم حول البشر، يضعنا بدرخان السندي بفكره الزاخر، وتنوع حضوره المتالق حول مشهد لرواية فعلاً من يقرا قصيدة ” جراحات الزيتون ” يتصور أنه امام رواية تحكي سيرة شعب كابد ويكابد حاملاً كل الألم دون ذنب اقترفه غير انه خلق لابساً البياض رمز عشقه، وخارطة حلم دفنها بسرية بين جوانح زمن، اثرى سندي قصيدته بأنطولوجيا المعنى فجاءت رؤيته معبقة بعلامات الترصد لمشهد تاريخي صخب وبجلال طوق السلبية وفتح معنى القصد بقوله:
في اتنظار ان تنضج سنابل القمح
ويخضر في عيون الصبا
لون البساتين
في مقطع آخر يقول:
حبيبتي سنجار…
يا عروس التين والزيتون
والنعناع
أنشدتك قبل اربعين موالاً
موالاً
والتقطت معك بين كلماتي
صوراً
يامدينة الصبر
أبد الدهر
وحد مضمون القصد في تعطيره لأرض الزيتون والتين، حلَّقَ بذكريات الجناح المشرق، واجتث اختزالات مرآته العاكسة من وحي خيال ابداعي يكشف عن سياقات أكثر حداثة وابعد أنس بتوظيف المفردة في لغته الشعرية المنسابة كالشهد باسلوب بض وعاكس لما حدث، راسماً لوحات معبرة بصدق مشاعر عركت الالم وطابقت القصيدة بقوله:
يا أهل مدينة السلم والزيتون
أنتم الراحلون في عمق الزمان
تحملون الوشم الدري
خالداً على ذرى أرواحنا
( ها نحن هنا)
( وما سوانا)
قطعوا اعناقنا
ومزقوا أكبادنا
ونهبوا أحبائنا
الشاعر السندي يوسع فهم الامتداد إزاء التجربة وكتابات الابداعية خرجت من عمق المشكلة، لإفتقار المجتمع للوعي الثقافي الذي يمنع توفر شروط التقييم وهضم الواقع، مما زج بالمتخلفين الفاقدين معنى الانسانية، في سم ثعابين مجلجلة، لابد من فهم متداول أن لكل انسان حق العيش بسلام، وعدم بث روح التخريب والتشويه وتلبس افكار مغالطة تعمل على التمويه بالتأويل، عندها لما استطاع هؤلاء الرعاع ان يقدموا على مثل هكذا فعل بقوله:
قطع الحبل السري في لغز وجودنا
بلادي مشيمة امتي
يا اهل قرى الزيتون
نحن احفادكم
وانتم الرمز الضارب
في اعماق الوجود
من يرسم شكل الحقيقة..؟
التاريخ كتبه الغاضبون
والجغرافيا خطها المارقون
يا أسراب المجد
و حملة الشمس والنقاء
يا خميرة البقاء

من نجوم الليل ووجع الانهار من رقبة الكلمات وحلق الحروف من صدر المفردة وجسد الشعر على بساط الاحساس فرش الشاعر بدرخان السندي استساغاته الشعرية واعتقل احتجاجه الخارج من رحم تاريخٍ ثمل، ليؤثث قباب الصبر بحلم ثبت وتد فوق اشرعة سارية للنور تمتلك صوفية مبطنة بالألم، ماسحاً على خريطة الجرح، ناثراً بقلب من حديد رائحة الامل بقصيدته التي فصل فيها بين الضجة والواقع، ليشهد ان الانسان هو الانسان اينما وجد واينما كان، وما يؤم فكره من خصوصيات لا يحق لأحد أن يشاكله في وجوده، وليس لأحد حق في محقه، لأنه سيعود بسروره وحلمه الفثي دائماً رغم كل العاديات.

الكاتبة رحاب حسين الصائغ
شاعرة قاصة ناقدة من العراق