الرئيسية » مقالات » الأمريكان يقسّمون العراق ، بعد أن قسّمه ، قادته وملاليه !

الأمريكان يقسّمون العراق ، بعد أن قسّمه ، قادته وملاليه !

أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي ، أخيرا قرارا غير ملزم للإدارة الأمريكية بتقسيم العراق الى ثلاث دويلات ، كردية ، سنية ، شيعية ، بإسم الفيدرالية ، وحسب التقسم الجغرافي أو تواجد سكان العراق ، وقامت الدنيا ولم تقعد ، وإنبرى القادة الطائفيون من الشيعة والسنة من جهة وقادة الدول العربية من جهة أخرى ووجهوا مختلف التهم الى الأمريكان دون رحمة ولا شفقة ولم يبق لهم إلا الرحيم الرحمن !

كان العراق ، بلاد الرافدين أو بيثنهرين ، او ” ميسوبوتاميا ” كما سموه المنقبون أو المستشرقون الغربيون ، كان في عهد الإحتلال العثماني مقسما الى ثلاث ولايات ، ولاية البصرة وبغداد والموصل فجاء الإنكليز بعد أن حرروا البلدان العربية من ذلك الإحتلال البغيض وكالة عن العرب الذين كانوا غارقين في سبات عميق قانعين بالحكم العثماني ما دامت تلك السلطة ، أي العثمانية ، تمثل الخلافة الإسلامية وإن كانت أبشع إحتلال وإستغلال بالمال والعيال ، ووحّد الإنكليز الولايات الثلاث وأسسوا دولة واحدة علمانية ، ولكن عربان العشائر خافوا على تقاليدهم العربية العتيدة المقدسة كغسل العار ، والنهوة والنخوة والفصل والجواري وبيع وشراء النساء ، و خاف الملالي على الشريعة السمحاء بالتلاعب بثوابتها كتعليم الفتيات وخروج النساء الى الشارع سافرات ، وقد يشمل أكثر من هذا ويقيد مبدأ ” إنكحوا ما طاب لكم ..” فثاروا على هذه الحرية المفسدة للدين ، فلم يعلنوا مساواة المرأة بالرجل صراحة ، وثار شيوخ العشائر على الخصوصيات التي هي أرفع من كل حضارة وتطور ، فإضطر الإنكليز أو الحكومة المسيّرة من قبلهم ، الى تقسيم الشعب الى مدني وعشائري وأصدروا قانونين للعقوبات ، قانون العقوبات المدني ،وسموه البغدادي ، وقانون العقوبات العشائري .ومن مواد القانون الأخير ،جواز القتل غسلا للعار والشنار ، والنخوة والنهوة ، ودفع الفتاة كفدية للفصل بين المقاتلين ،كما غضوا الطرف عن قتل الفلاح الهارب من مزرعة الشيخ بتهمة التخريب والعصيان …الخ !! أما الحكومة فكانت تعتبر هذا حفاظا على العادات والتقاليد العربية العتيدة ومن ناحية أخرى تخلصا من مشاكل العشائر وترحيلها اليهم ليحولوها فيما بينهم ، كمن لا من شاف ولا من درى !!

وجاء القائد الوطني الزعيم عبد الكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية الخالدة ، فوحد الشعبين المدني والعشائري ، بإلغاء الأقطاع وتوحيد القانونين بقانون واحد ، ووحد المجتمع بمساواة حقوق المرأة بحقوق الرجل ، ووحد كل الشعب العراقي في ظل : (الجمهورية العراقية الخالدة ) بعد أن مهدت لهذا التوحيد الأحزاب العلمانية بنشر الثقافة والوعي الديمقراطي وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي العراقي ، ورفض العربان والمصلمان هذا التوحيد ، فتعالت الأصوات من الخارج قبل الداخل فكانت إذاعة عبد الناصر تسمي الزعيم عبد الكريم قاسم ب ” قاسم العراق ” أي مقسّم العراق ! ، وتحرّض علنا على إسقاطه !! أما البعثيون والقوميون فسموه بالشعوبي ، لأنه جمع الشعب العراقي جميعه في شعب الجمهورية العراقية الخالدة وهم أرادوا أن يجمع عرب العراق بالعرب المستعربة ، وكما قالت إحدى الإذاعات الأجنبية آنذاك : ” تعريب مصر وتمصير العرب ” !!وعادوا وقسموا العراق الى عرب أحفاد عدنان وقحطان والبقية عجم ودخلاء ، وثار الملالي أيضا على الزعيم لأنه وحد المجتمع النسائي بالمجتمع الرجالي وساوى بين الرجال والنساء ، وهذا مفسدة للشريعة السمحاء !! ،وقال عبد السلام عارف المهرج القومي المنفلت ، بعد أيام من ثورة 14/تموز 58 في ساحة التحرير وهومحمول على اكتاف مهرجي البعث ، قال : لا شيعي ولا شيوعي ولا شروكي بعد اليوم ! لا بطرس ولا بولص بعد اليوم !! وكان يرمي بسدارته في الهوى كالمهرج ويتلقفها مراهقي البعث كالسركس وسط صراخ وتهريج أولئك المهرجين !!
وجاء صدام وقسّم الشعب العراقي الى عرب أقحاح وتبعية من أصول عجمية أما الأكراد فكان بوده إبادتهم جميعا ، فلو كان في زمن نادر باشا أو في غفلة من التاريخ كما في نهاية الحرب العالمية الأولى وقبل أن تستقر الأوضاع ، عندما قام الشوفينيون الحاقدون الأتراك بإبادة مليون ونصف مليون أرمني وعشرات الآلاف من الآشوريين وغيرهم من الأقوام الأخرى وإلغاء القومية الكردية والسريانية والآشورية ، لفَعَلَها صدام كذلك مع الأكراد والشيعة ذوي الأصول العجمية وفعلا أباد آلافا مؤلفة منهم ومن بقية أفراد الشعب !!
وبعد سقوط صدام جاء دور الملالي ، وأشباه الملالي وخريجو الحوزات الناطقة والصامتة ، والملتحيين ولابسي المحابس لتحميهم من عين الحسود والحسود لايسود !! وخاصة ملالي الشيعة ، فبدأ التقسيم واضحا للعيان ، ووقف بطل التقسيم عبد العزيز الحكيم يوما وسط جموع الشيعة المؤمنة ينادي ، آن الآوان لفصل جنوب ووسط العراق الشيعي بإسم إقليمي الجنوب و الوسط ، أي عراق شيعي وما تبقى منه للأكراد ، والسنة فثار ثائرة السنة وجلس الأكراد في ولايتهم ينتظرون النتيجة ولا زالوا!!
وإذا أراد مجلس الشيوخ الأمريكي حقا تقسيم العراق الى ثلاث دويلات ،فهذا تقسيم ساذج وبسيط يدل على سذاجة هؤلاء الشيوخ !، وجهل طبيعة الشعب العراقي ، فالعراقيون أكثر منهم مهارة وفنا في التقسيم ، فلم يكتف العراقيون بتقسيم العراق الى ثلاث دويلات ، بل قسّموا المدن ، وقسّموا المحلات وقسّموا الشوارع وقسّموا الدوائر والوزارات وقسّموا المدارس والجامعات وقسّّموا مجلس الطوائف الذي يسمونه مجلس نواب الشعب ، وقسّموا الشرطة وقسّّموا الجيش وقسّموا النفط ودولاراته نهبا وإبتزازا ، وقسّموا الميزانية على المتنفذين والمرتشين والوزراء الخبراء في السلب والنهب والعمولات حاملي أكثر جواز سفر واحد إستعدادا للهروب ، وقسّموا العائلة الواحدة ، فصار الشيعي يطلق زوجته السنية والأولاد إنقسموا فيما بينهم ، منهم يؤيدون والدهم الشيعي ومنهم يؤيدون والدتهم السنية أو بالعكس !! وقامت بهذه المهمة النبيلة !! عصابات المليشيات المنفلته والمنضبطة ووعاظ الطائفية ففرغوا المناطق الشيعية مما تعلق بها من شوائب سنية وهكذا فعلت المليشيات السنية والمقاومة الشريفة والحبل على الجرار.

ويبدو أن شيوخ أمريكا يجهلون طبيعة الأمة العربية الإسلامية فإذا أراد هؤلاء الشيوخ طرح مشروع ما ، عليهم أن يطرحو ا مناقضا له فيعمل العرب نقيض ما يطرح الأمريكان على عنادهم وبهذا يحصل الأمريكان على المشروع الذي يريدونه !!، لأن كل تدخل لغرض التقسيم يولد التوحيد لا رغبة في التوحيد بل على عناد الأمريكان ، فإسرائيل عندما أرادت السلام أصر العرب على الحرب ، وعندما قامت الحرب في السنوات 56 و 67 و 73 هرول العرب الى الوسطاء للتوسط لإيقاف الحرب وهكذا والآن يهرولون نحو السلام وقيام دولتين التي عرضوها عليهم قبل ستين سنة رفضوها وخوّنوا من يوافق من العرب والمسلمين عليها والآن لم يحصلوا عليها بل أصبحت كالحلم !!، والعراقيون لا يريدون التقسيم إلا على مزاجهم وعلى طريقتهم الخاصة وليس تنفيذا لتوجيهات الغير كي لا يُتهمون بالجهل بالتقسيم وهم دعاة وأساتذة التقسيم .فمثلا كل شيخ في الجزيرة العربية عمل له مشيخة ثم إمارة ثم دويلة تناطح الدول الكبرى يرأسها عظمة جلالته أو عظمة سلطانه أو حامي حمى الإسلام !! ثم يرجعون ويقولون أن الإستعمار قسّمنا !!

إذا يعترض القادة العراقيون على المشروع الأمريكي حقا وإذا هم صادقون في إعترضهم ، فليكن لهم الجرأة برفضه عملا لا قولا وعلى عناد أمريكا ! ويرفعوا شعار التحدي بمشروع التحدي !، بأن يحلّوا أحزابهم ، الشيعية و السنية ومليشاتهم الطائفية وولاءاتهم ، ويؤسسوا أحزابا وتكتلات عراقية وطنية ،وأن يزيلوا الإنقسامات داخل الوزارات والدوائر والمدن والشوارع والبيوت ، اليوم وليس غدا !!
.
كل عراق مستعد أن يتحدى هؤلاء الطائفيين الذين يرفضون المشروع الأمريكي أن يثبتوا ذلك عملا وليس قولا وبالطريقة التي أشرنا اليها أعلاه !! وإلا فهم غير صادقين في رفضهم القرار الأمريكي ، بل في قرارة نفسهم يهللون ويصفقون لهذا التقسيم ، مثل التي تشتهي وتستحي !! ولكي يقولوا أن أمريكا هي التي فرضته علينا لا نحن ! كما يدعون أن ( بول بريمر ) هو الذي أسس الطائفية ، كأنه هو الذي أسس حزب الدعوة الإسلامي الشيعي والثورة الإسلامية الشيعية والفضيلة الشيعي وجيش مهدي المنتظر الشيعي ، والحزب الإسلامي السني وغيرها ، ولنتصور رد فعلهم لو أبعد هؤلاء من مجلس الحكم على أساس أنهم أحزابا طائفية !!
والآن تجاوز التقسيم العائلة الواحدة الى الشخص الواحد ! فكل عراقي عربي أصبح له هويتين ، هوية شيعية وهوية سنية وإسمين ، حسين و عمر والمرأة صارت بإسمين أيضا ، عائشة و فاطمة ، وكذلك الأطفال وبعد مرور الزمن ، ينسى الشخص الواحد نفسه ماذا كان قديما أسنيا كان أم شيعيا ! ؟ وقد يضطر الى مراجعة الطبيب لتحليل جيناته أو الطبيب النفساني للتأكد من هويته وطائفته الحقيقية وأسمه الحقيقي كما حل ب : د. هيثم محمد عبد الله وتصور أن إسمه ، أمجد محمد عبدالله !!
يقولون : فليسقط المشروع الأمريكي الدخيل
ولسان حالهم يقول : يعيش المشروع العراقي الأصيل !!

==================






،