الرئيسية » مقالات » المتنبي وفوزي كريم

المتنبي وفوزي كريم

– 3 –

جاء المتنبي حسب الموعد . كان الرجل بشكل عام شديد الإلتزام بضبط المواعيد . كنتُ أنتظره في داخل مقهى آخر في ركن بعيد عن الرصيف وضجيج السيارات والمارّة. سلّمَ وخلع قبل أن يجلس سترته ووضع قبعته فظهر رأسه أحمرَ لامعا ً يعكس أضوية المقهى الساطعة. قلتُ مداعبا : حليق الوجه والشَنَبات والرأس !! ضحك ضحكة مجلجلة ثم ضرب الطاولة بقبضة يده اليمنى قائلا ها قد ذكّرتني بما قلتُ في ( شِعب بوّان ) بعد أن ودّعتُ إبن العميد قاصدا عَضُد الدولة البويهي في شيراز (( ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها )) فأكملتُ على الفور (( غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ )). أراد تغيير الجو الذي كنا فيه فقال وماذا أعددتَ من أمور وأدب وسياسة ونقاش لهذا اليوم؟ قلتُ لا تؤاخذني يا ابن أُمي !! أريد اليوم أن أُمعن في إثارة أعصابك المتعبة. وربما أن أستفزّك لا لشيء ذي بال سوى أن أُساعدك وأن أُدرّبك على التكيّف لزمانك الجديد ووضعك الطارف الطاريء في أوربا. وأن لا تنفعل وأن تسيطر على نفسك وعلى أعصابك وأن تتقبل أمور الدنيا كما هي لا كما تريدها أنت. أفلمْ تقلْ أنتَ (( هوِّن على بصر ما شقَّ منظرُهُ … )) ؟ قال إختصر ولا تُطل فإني حديث عهد بعالمكم العجيب هذا. والقبعة التي تراها فوق رأسي لا تعني بالضرورة أني قد أصبحتُ متمدنا ً أوربيا ً عصريا ً. لا تنسَ رجاء رجاء رجاء ( كررها ثلاث مراتٍ ) أني كوفي عراقي إلى آخر مديات الأنفس والأعصُر. لا تُثقلْ على عمّك فإنه ما زال مثخن الجراح مهيض الجناح. فاللجوء إلى أوربا ليس بالأمر الهيّن على رجل مثلي. كنتُ أتكسّبُ كما تعلم وأترزّق بشعري وكانت حالتي ميسورة. كماكان لديَّ العبيد والخدم والحشم والجواري وكريم خيول العرب وبيض سيوف الهند وطوال القنا والرماح الخطيّة والردينية والدروع السابرية وسواها مما تُجيد صياقلة الروم والهند والعجم. كانت تأتيني هدايا وهبات من الملوك والأمراء ومن هم على شاكلتهم. أما الآن يا مولاي وسيد العارفين فإنَّ حالي كما قد ترى. لا أستطيع أن أدفعَ ثمن قهوتنا إلاّ بعد إجراء حساب دقيق لموازنة مدخولي الأسبوعي من الإعانة الإجتماعية. لا أستطيعُ أنْ أستضيفَ أحدا ً إلى غرفتي – شقّتي الصغيرة المتواضعة. لا أستطيعُ أن أُعينَ صديقا أو قريبا أو جارا قديما أو مستجيرا في العراق. ملابسي كما ترى جدَّ متواضعة وليس لديَّ بدائل لها. أرتدي ملابس فصليّ الصيف والشتاء في الفصول الأربعة. فهنا كما تعلم يرتدي الناس ملابس تلائم إختلاف مزاج وحرارة الفصول الأربعة. لديهم الخريف والربيع فضلا عن الصيف والشتاء. في بلادنا فصلان فقط، صيف أو شتاء، وتلكم نعمة من الخالق كبرى منَّ بها علينا فحمدا له وألف شكر. أما شعر رأسي فلا أحلقه بالموسى في غرفتي ( نمرة صفر ) إلاّ إقتصادا وتوفيرا لبعض النقود. لا أغامر بزيارة صالونات الحلاقة مرّة في الشهر، خاصة وأن أغلب العاملين فيها من الإناث وقلّة من الذكور. والأنثى كما تعلم ليست كالذكر. كان شعر رأسي في سالف الأزمان طويلا مُرجّلا يتضوع منه الطيب وأريج المسك والكافور – لعنَ اللهُ كافورا – ومضروبا بالعنبر الورد. أما وقد شاب هذا الشعر في مصر الأخشيدي فإني حافظتُ على لونه الفضي ورفضتُ أنْ أُجاري عادات أشراف أهل الفسطاط وحاشية كافور. رفضتُ أن أُخضّبه بالحناء كما أبيتُ أن أضع على رأسي الباروكة التي أسميتها في بعض شعري ( الشَعَر المكذوب ). هل أذكّرُ ما قلتُ حول هذه الأمور يوم أن كنتُ ما زلتُ مع كافور في مصر ؟ حسنا :

ومِن هوىكلِّ مَن ليست مُموِهة”
تركتُ لون مشيبي غيرَ مخضوبِ

ومن هوى الصدقِ في قولي وعادته
رَغِبتُ عن شَعَرٍ في الرأس مَكذوبِ

قلتُ أحسنتَ يا أبا الطيّب. قد والله عرضتَ وأبنتَ وكنتَ كعادتك مفوّها بليغا.لا بأس عليك وعليَّ يا عزيزي فإنما الحياة خط زوال وليس فيها دوام لحال. لا الفقر يدوم ولا الغنى. لا الصحة ولا المرض. الحدود تتبدل والأوطان تتبدل بل حتى حُسن الوجوه يحول ويزول. أفلم تقلْ أنتَ في قصيدتك التي مطلعها (( ما لنا كلنا جوٍ يا رسولُ )) :

زوّدينا من حُسن وجهكِ ما دا
مَ فحُسنُ الوجوه حالٌ تحولُ

وصِلينا نَصلْكِ في هذه الدُن
يا فإنَّ المقامَ فيها قليلُ

قال إي والله قد قلت. (( فحُسنُ الوجوهِ حالٌ تحولُ )). أحسنتَ. إنّك دوما تُذكّرني بجيد شعري الذي كان يأتيني من سويداء القلب. والشعر الشعر كما تعلم نادر ندرة الدر والجوهر. إنه ينبع من بئر غامض غائر في أعمق أعماق روح الشاعر. ولا تتسنى القدرة للشاعر أن يجوس هذه الأعماق مُتصيدا اللؤلؤ والعقيق والمرجان والنادر من المعاني إلاّ في النادر من محاولاته. شعر القلب المضطرب الغامض شيء وشعر المديح والهجاء شيء آخر. قلتُ للشاعر وبمناسبة هذا الحديث الشيق، هل قرأتَ كتاب ( ثياب الإمبراطور ) ؟ قال ولمن هذا الكتاب ؟ لم أقرأه بعد. أنتظرُ أن يُعيرني إياه أحد الأصدقاء من أدبائكم. لا تنتظر يا عزيزي وقُرّة عيني، قلتُ له !! لا من أحد اليوم يُعير كتبه الجيدة لأحد. فالكتاب المُعار لا يعود لمن أعاره !! قال بفزع ودهشة أحقا ما تقول ؟ ماذا أصاب الدنيا من خبال ووبال ؟؟ أليس ثمة من ثقة بأحد ؟؟ ماذا جرى للدنيا ؟؟ قلتُ هوِّن عليك يا سيدي. قد جرى للدنيا ما قد جرى لك ولي. هل كنتَ يوما تتوقع لنا مثل هذا المصير؟؟
إذا ً لماذا تستكثر على هذا الزمن الرديء ( كما أسماه يوما أبو عمّار ) أن يكونَ زمانا غاية في الدونية والرداءة ؟ نعم، هناك ثقة ببعض الناس ولكن ليس بجميعهم. ففيهم من لو أعرته كتابا أعاده إليك بعد شهر أو سنة أو ربما بعد عامين. إنه في الأقل قد حفظ الأمانة وأعاد إليك ما قد إستعار منك. عليك أن تتكيف وأن تقبل بالمتيسر وبما يُعرض عليك وبالمتاح فالمتاح اليوم ربما هو الممكن الوحيد. لا مكان ولا من فرصة في هذه البلدان للعناد والمكابرة وركوب الرأس والتشبث بعزّة الإثم. ألمْ أقلْ لك تكيّف. إصبرْ. تحمّلْ … سمعت صاحبي يهمهم هامسا : (( ذلَّ مَن يغبطُ الذليلَ بعيشٍ / رُبَّ عيشٍ أخفُ منه الحِمامُ )). (( وإحتمالُ الأذى ورؤيةُ جاني / هِ غذاءٌ تذوى به الأجسامُ )).
تركتُ صاحبي في فترة تأمل عميقة قصيرة ثم فاجأته بالقول على أية حال، أُجيبك عن سؤالك حول مؤلف كتاب ( ثياب الإمبراطور ). إنه الكاتب والشاعر فوزي كريم. هل سمعتَ قبلا بهذا الإسم ؟ قال كلاّ، ولكنْ لماذا هذا العنوان الغريب ( ثياب الإمبراطور ) ؟ قلتُ إقرأه أولا وستعرف سبب تسمية الكتاب بهذا العنوان. قال هلاّ إختصرتَ لي بعض ما فيه. قلتُ ذلكم أمر صعب، فالكتاب ضخم وقد صرف كاتبه فيه وعليه الكثير من الجهد والوقت والصبر على العويص من الأمور وما أكثرها. لكني سأوجز لك مجمل رأي الكاتب فيك. قال مندهشا وهل لكاتب هذا الكتاب رأي خاص فيَّ أنا ؟ قلتُ ما قال شيئا جديدا عنك وفي أشعارك، إنما قال رأيا مُتداوَلا مسبوقا ما أكثر ما تناوله النقّاد القدماء ممن تعرف جيدا وأعرف. فضلا عن بعض كُتّاب ونُقّاد اليوم. قال صاحبي يا حافظ ويا ساتر ويا مُجير !! لم أنج ُ بعد من تقوّلات الناس فيَّ حيّا ومن نبش عظامي ميتا ؟ ألهذا قالوا عني (( ماليء الدنيا وشاغل الناس )) ؟؟ سحب نُفَسا عميقا ثم قال هات، ماذا قال فوزي كريم عني علما أني لم ألتقه يوما في حياتي ؟؟ قلتُ أفلمْ أقلْ إنك شاغل الناس حيا وميتا ؟ ثم والله إني قد آليتُ على نفسي أن لا أقول لك اليوم شيئا يؤذيك أو يثير فيك كوامن الشجن. قال منزعجا عسى أن يكون المانع خيرا. لِمَ هذا العناد وركوب الرأس الحار؟ قبل هنيهة ألقيتَ عليَّ محاضرة أكاديمية ( قالها بتهكم ساخر ) طويلة عريضة في أنْ لا من فرصة ولا من مجال للعناد وركوب الرأس في هذا العالم المتحضّر ( قالها كذلك ساخرا ً ). قلتُ لا إعتراض لديَّ على ما قد قلتَ توّا. لا فُضَّ فوك. لكني طلبتُ منك مع كل ما قلتُ أن تصبر وأن تتحمل وجع الدنيا وأن تضبط نفسك ولسانك وأعصابك. تعلّم سيدي فضيلة الصبر وضبط النفس. قال ممتعضا ً ماذا تقصد ؟ أخرجتُ متمهلا من حقيبتي اليدوية الجلدية السوداء نسخة مطبوعة جيدا على الكومبيوتر من مقالتي المُعنوّنة ( الملك العاري ) . قلتُ خذ، إقرأ ما في هذه المقالة جيدا في ساعات الهدوء والخلوة في بيتك. قال فاقدا بقية صبره وما فيها ؟؟ فيها ردّي على السيد فوزي كريم ودفاعي عنك. لكأنما هو قَدَري أن أُدافع عنك ظالما أو مظلوما. إنفرجتْ أسارير الرجل فعدّل من جلسته دافعا كرسيه قليلا إلى الخلف. إسترخى فطلب المزيد من القهوة مع أي مشروب بارد. ثم توجه إليَّ بكل ما فيه من حرارة وود وفرح رجولي مكبوت قائلا : لا أستغرب هذا الأمر منك ولا أستكثره على أمثالك. أحسنتَ صديقي الوفي في زمن عزّ فيه الصدق وندر فيه الوفاء. بارك الله فيك. نعم، أُنصرْ أخاك ظالما أو مظلوما. قلتُ كلا يا أبا الطيب. لا تتعجّلْ الأمور. فالأمر ليس كما بدا لك. لا يجرؤ أحدٌ أن يدافع عنك وبشكل مطلق سواء أكنتَ ظالما أو مظلوما. قال وما هي جليّة الأمر إذا ً، أربكتني يا رجل. قلتُ إنما أدافع عنك ظالما أو مظلوما كشاعر فقط وليس كرجل. أقومُ بتفسير وتوضيح ما يستعصي ويستغلق من شعرك على فهم وإدراك بعض نقادك من الكتاب والأدباء. أقرأُ المحاضرات عن إبداعك الشعري وأعتبرك واضع أسس الشعر السوريالي والممهد الأول لبعض ملامح وخصائص قصيدة النثر. كان يتابع حديثي بفضول خاص. أسند ظهره مستقيما ثم قال سأحتفظ لنفسي بحق الإستفسار لاحقا منك عن معنى ( الشعر السوريالي ). إستأنف الكلام قائلا ولكنْ بحق غربتنا وصداقتنا القديمة والحديثة وتربة منبتنا وبحق ماء دجلة والفرات علينا ألا أطلَعتَني على مؤاخذات الأخ فوزي عليَّ ؟ ماذا قال فوزي في كتابه عني ؟ أجبته أن دفاعي عنك مُفصّل في مقالتي إياها ( الملك العاري ). ومع ذلك، وتنازلا أمام إصرارك وقلّة صبرك فإني سأوجز لك خلاصة ما أخذ فوزي عليك : أولا – لقد وضعك في قائمة شعراء مدرسة بلاد الشام سوية مع أبي تمّام والبحتري. وقال عن شعراء هذه المدرسة إنهم شعراء الشكل واللفظ والزخرف. وإنهم شعراء الأغراض الموضوعة التي لا تمتُّ لأرواحهم بصلة. وإنكم لم تتكلموا عن حَيرة الإنسان الكونية وما يربك هذا الإنسان ولا عن هواجسه الداخلية وتوقه أو حنينه إلى الموت حسب تعبير فوزي.
ثانيا – وضع نفسه طائعا واعيا ولشديد الأسف تحت رحمة وتأثير كاتب يُدعى ( عبد الله القُصيمي ) فإتهمك بكرهِ نظافة البدن والإستحمام والتعصّب لقيم البداوة.
ثالثا – قال فوزي عنك إنك قد أسأتَ للعرب بمدحك لكافور الأخشيدي حيث فضّلته على العرب العدنانيين.
رابعا – وإنك هاجمت ثورة قبيلة كلاب العربية التي كانت تتوق إلى الإستقلال عن مركز الخلافة العربية الإسلامية في بغداد وسخرتَ من نمط حياتها البدوية كرعي الغنم والماشية والإبل.
خامسا – وأنك مدحت شخصا غير عربي.
سادسا – كما أسئتَ إلى قومك العرب وأنتَ تقرأٌ شعرك في أرِجّان من بلاد فارس أمام الوزير الأديب إبن العميد.
كان المتنبي مُصغيا لما كنتُ أقول بكل جوارحه. وحين توقفتُ عن تعداد مؤآخذات فوزي كريم عليه كان ما زال مُطرقا مُنصتا غائبا عني وعن الوجود. كأنه لم يسمع نقدا كهذا من قبلُ. وإذ طال توقفي عن الكلام إنتبه الرجل فجأة كمن فزَّ من كابوس حلم مزعج جاثم على صدر نائم. ثبّتَ بصرامة مدراء المدارس الإبتدائية ناظريه في وجهي مُتسائلا هل أنهيتُ ما عندي وهل من مَزيد، سابعا…ثامنا… تاسعا… مثلا ؟؟ قلتُ كلاّ. ليس هناك زيادة لمستزيد. إعتدل في جلسته وتنفسَّ الصعداء ثم أشعلَ سيجارة أخرى من نار التي قبلها وإرتشفَ جرعة صغيرة من فنجان قهوته التي بردت. كان يريد أن يقول شيئا خطيرا لكنه أظهر ترددا واضحا وعزوفا عن الكلام. تراجع ولم يشأ أن يُعلّق على هذه التهم الكبيرة. أدرتُ سياق تعاقب الحديث متعمدا فسألته مُشجّعا عن رأيه في أقوال فوزي كريم. قال سأقرأ ردودك في مقالتك عليه أولا. ومن ثم قد أنشرُ ردي عليه في إحدى الصحف
الصادرة في لندن. سألته ولماذا تنشر الرد في لندن. قال لأنَّ صحف لندن يجدها القاريء منشورة على الإنترنت. ثم إنها أوسع إنتشارا من سواها.
شعر كلانا بالتعب والضجر والسأم من جو المقهى ومن القهوة التي فقدتْ لكثرة ما تناولنا منها مذاقها ومفعولها خاصة عندما كنا ننسى الفناجين قائمة على الطاولة لإنشغالنا عنها بالحديث الجاد والمتوتر فتبرد.
قررنا مُغادرة المقهى على أنْ نلتقي غدا معا في شقّتي لنناقش الأمور برويّةٍ وعصب بارد ولربما نكتب سوية ردا مناسبا على آراء فوزي كريم، على أن أتولى أنا طباعة هذا الرد على جهاز الكومبيوتر. وقد نرسل الرد للنشر مُثبّتا على قرص ( دسك Disc ) حسب رغبة أغلب صحف اليوم.