الرئيسية » شخصيات كوردية » الموت يقيد انامل الفضة ويخطف موسيقار الحنين والنخيل

الموت يقيد انامل الفضة ويخطف موسيقار الحنين والنخيل

بغداد- الف ياء: نعت الاوساط الفنية الرائد الموسيقي الكبير سلمان شكر اول امس ببغداد اثر مرض ألم به مؤخرا. والراحل هو سلمان شكر داود حيدر محمد علي ولد في بغداد عام 1921، ويعد احد اهم الموسيقيين في الوطن العربي .

ودخل شكر معهد الموسيقى عام 1936 وكان قبلها عازفا على آلة الكلارتين في الجوق الموسيقي الذي اسسه الرائد حنا بطرس.

ودرس آلة العود والموسيقى الشرقية على يد الموسيقار الشريف محي الدين حيدر وتخرج عام 1944. وعين استاذا في المعهد الموسيقي عام 1947 وكانت دائرة الفنون الموسقية قد ناشدت الجهات المعنية انقاذه من المرض قبل رحيله في داره ببغداد.


دجلة يلتوي على ذاته…

وتنطفىء انوار المساء اذ لاضياء غير قمر الليل ..

وثمة روح صوفيّة تهوم حول بقايانا وذكرياتنا نحن اصدقاء الفنان سلمان شكر ..

وتلامذته .. وجيرانه .. واحباؤه..

فقد ..كنت امشي الطريق الى منزله .. خلال السنوات التي تلت الأحتلال .. لنمضي العصاري معا ونحكي عن الفن والذكريات .. تحت اشجار اليوكالبتوس في حديقته العطشى ..

سلمان شكر رجل صعب .. كموسيقي معتد بأختصاصه .. لكنه حميم الى درجة البكاء كأبن بلاد الرافدين وسليل حضارات مركّبة .. ككردي فيلي وكعراقي له انتماء رافديني عميق .. وكانت ثمة ليال خاصة رغم كل خراب .. وبخاصة تلك الأمسية الغامرة في منزل الفنان عباس جميل اواخر عام 2003 قبل ان يغادرنا ابو طارق .. كانت ليلة ثريّة وكأنها ليلة وداع لكل شيء ولكل ذكرى..

كانت بغداد مخّربة كخرافة .. والطرق لاتؤدي الى منافذها .. والعربة بالكاد تمضي بنا بسبب وقودها المخلوط بالماء .. والزيت .. وسلمان شكر يضحك بكل روح الصبي الصوفي .. وحين نصل ونجلس قليلا .. يغمز الأوتار الستة بريشته بعبث فطري .. فيخرج بضعة دروايش ومعتزلة .. وصوفيون يستعرضون شاراتهم الروحية امامنا .. معلنين انهم قد يقودو موكبنا الباكي في ايابه تلك الليلة من عام 2003 الى مصير محتوم ..

لكن الليل البغدادي ، وان كانت بغداد مدينة خطرة .. فهو ليل العشاق والمغامرين .. والمهدّدين .. لأنهم مغايرون في النظر الى فكرة الحياة والبقاء وجدل التاريخ .. على طول الخط التاريخي للأبداع ..

وكان سلمان شكر ذلك المغاير الدائم .. المختلف حد النشوة حول الموسيقى الشرقية .. وحول العزف السولو .. والفردانية في الأرتجال .. ولايخفي لحظة واحدة .. ولعه بألأرتجال بأعتباره لحظة التجلي والأنخطاف الصوفيين ..

.. وكنا نمضي معتقدين ان الحياة ستمضي لنقيم .. مجد محبتنا .. حتى لو بقي ابا محي الدين لايتقن اللغة العربية الثرّة التعبير – كما كل فنان احيانا – .. بما يكفي ليحكي عن فنه العظيم ..

لكن كل شيء كان يمضي الى مآل مرسوم في تلك الحياة المخربة عن قصد ودراية .. وكان الجحود والعقوق هوية اناس واصدقاء وطلاب موسيقى تربو على يديه .. وعازفين مهرة اكتسبوا رائحة الشريف محي الدين شريف وتنطعوا بها عبر جميل بشير.. ومنير بشير.. وسلمان شكر.. وغانم حداد .. اساتذة الموسيقى .. والأرتجال الصولو .. والسماعيات .. واسطوات الذاكرة .. فلماذا كل هذا العقوق ..

ونقول له .. اننا سوف نحمل حقائبنا ونخرج يأأبا محيي الدين .. فلم تعد بغداد لاشرقها ولاغربها يسمعان غير الدوي .. اين ستعزف موسيقاك ياأبا محي الدين ..

( لا.. لا روحوا عوفوني .. آني أعرف شغلي ) ..

وكان سلمان شكر يقصدها .. فقد عاد للتو من تونس وهو على كبر .. ياابا محي الدين – عدّل بدّل .. من قال ان تغيير الأوضاع في البلاد لصالح الموسيقى , من سيستمع اليك وسط النكوص الفكري والثقافي ووسط الدوي والتفجير والقتل بأصرار مسبق ..

.. لا ٌ.. لا .. عوفوني .. روحوا عاد .. قالها بأصرار .. واردف :

– هل تتذكر الصيف الفائت هل رأيت الناس كيف ملأت القاعة لتسمعني ؟؟؟؟

وكان يقصد صيف 2002..عندما عاد من تونس في عطلة الصيف البغدادي الساخن .. واقمنا له امسية للموسيقلى الروحية على قاعة الرباط .. القاعة الوحيدة التي كانت خارج جداول قصف طيران قوات التحالف المحتمل ..

سألني وانا اناقشة ..

– ماذا اقدم سماعيات .. تقاسيم .. عراقيات عامة ..

قلت له ان ضيوفك في الأمسية هم شخصيات عراقية وأخرى زائرة .. وجمعيات متعاطفة وبشر محبّة .. وسفراء اسبانيا وفرنسا .. وسفير ايطاليا ( وهو عازف بيانو ) .. ووجوه مغامرة قادمة الى بغداد فيما دقائق الحرب تقترب .. قدم ماتريد ياأبا محي الدين ..فأنت اسطه في كل ارتجال..

ضحك بأستمتاع لأن كلمة ( أسطة ) اعجبته ..

كيف لا وهو ابن بغداد القديمة بكل اسمائها .. وكناها .. وألقابها الجليلة ..

وزعنا مطوية مسحوبة على اجهزة التصوير تضم صورته وبعض كلام عن حياته وفنه ..

فوجئنا بعدد كبير من رجال الأعلام .. والصحفيين الأجانب بشكل خاص .. وعلى راسهم شيخ الأعلام الألمان فون لاشاتور .. وهانز فون سبونك ( الرئيس المستقيل لبرنامج الأمم المحتدة للغذاء والدواء ) لصالح الحقيقة .. ولارس سيغور مدير اذاعة النرويج الشرقية ..ولارس سونانا مدير الأخبار في الأذاعة النرويجية – الشرق الأوسط .. وهيلغا ليبرد من زد دي اف الألمانية وجيوفاني بدلينا من التلفزيون السويسري وفريقه وكان ينتج فيلما عن العراق .. وسفراء .. ومعماريون اجانب ومهندسون لأقامة مشروعات صغيرة للماء الصافي قبل الحرب .. وضجت القاعة بايحاء بسيط لموسيقي عميقة .. وحين يتعب سلمان شكر في تلك الليلة او يعجز.. عن التواصل يضرب مشط الأوتار الستة .. بريشته فتعطي نسقا خاصا من الموسيقى .. يسميه هو .

… موسيقى الصوفيين الفطرية التي لاتعتمد على ( دوسات الأصابع ) .. وكانت ليلة من الليالي البغدادية التي تسجل الحياة رغم الموت .. وتفضي الى حقيقة البقاء برغم الرياح العاتية ..

وبقي ابو محي الدين هناك ..

وقد افترقنا .. فرقنا الخوف والغتيال المقصود .. وبددتنا الليالي .. وقد غادر معظمنا .. من الأصدقاء والجيران .. وكنا بين من منحته الهجرة المستحيلة فرصة النجاة .. او منحه الموت او األأغتيال ..الكرامة الصعبة في زمن مر.. بلا هوية ..

وكان يعاني صديقنا الموسيقار سلمان شكر منذ وقت مبكر من تقرحات في المعدة والاثني عشري وقرحة في المرئ .. وكان وضعه النفسي سيء بحكم العمر والظرف العام الذي كان يصعب عليه حتى استلام راتبه التقاعدي من بنك الرافدين فرع الخضراء في شارع الجامعة على بعد امتار من منزله القديم .. حيث انهار النظام المصرفي اداريا و امنيا بعد سرقة فروع بنك الرافدين في العامرية والكرادة والمنصور والكاظمية والخضراء وغيرها .. وكان ذلك يتمثل في عوز مالي بالغ وصل حد شظف العيش في ظل شيخوخة لا معيل لها.بعد ان افنى سلمان شكر زهرة شبابه وذروة عطائه في الاصرار على المكوث داخل العراق.. على حد تعبير احد الصحفيين العراقيين

ان زاهدا بالمغريات السانحة امامه عالميا وعربيا منذ البعيد . فهو ابن الرافدين .. وابن القدامة والخصوصية , حيث ولد ببغداد 1921 في بيت يرعى والده فيه حب الموسيقى في المنزل البسيط بعناية فائقة جعلته يجلب له ستة اعواد ليتعلم وليس عودا واحدا .. ودرس فيما بعد وتخرج في الدورة الاولى في معهد الفنون الجميلة عام، 1936 دارسا على يد الشريف محيي الدين حيدر – لينقل روح العود العراقي عزفا وتدريسا في جامعات شتى ، فضلا عن عمله مستشارا فنيا لفترة محددة قبل تقاعده في وزارة الثقافة والفنون خلال السبعينيات ورئيسا للجنة الوطنية للموسيقى لسنوات عدة ممثلا العراق في عشرات المؤتمرات والمهرجانات العالمية، اذ أحيا حفلات ما زالت خالدة في سجلات ذاكرة الابداع الموسيقي على مدى تاريخ الانسانية في باريس ومدريد ولندن وموسكو .. وبكين .. ، وتميز اسلوبه بالحفاظ على روحية الشريف محي الدين حيدر مؤلفا للعديد من المقطوعات الموسيقية. لكن اثره الاهم يتمثل في تاريخ الفن عبر تأسيسه خماسي العود البغدادي مع مجموعة من العازفين .. حيث تحذو حذوه الآن مجموعة كبيرة من اكثر من اربعين عازفا شابا في فرقة منير بشير للعود لتؤسس ذات الأثر في زمن صعب ومستحيل انسانيا وموسيقيا ..

تربى في بيئة ساعدته على الأتقان .. ودرس على يد الشريف محي الدين ونشأ في اجواء بغداد القديمة .. وظل متمسكا بهذه المدينة لايبارحها حتى وان سنحت له الفرصة لتمثيل البلاد في مؤتمر او مناسبه فأنه لاينسى ان يختار اقرب وسيطة نقل للعودة الى بغداد ..

ووسط كل جحود معلن يعاني الفنان الكبير سلمان شكر وولده شريف .. وزوجته وأحفاده من ظروف صحية ومعاشية سيئة .. اذ يعاني من امراض المعدة والقولون والنزف الدائم فضلا عن العوز المطبق الذي يهدد كل مبدع .. فهل جاوزت الذات انانيتها عند البعض وتذكروا سلمان شكر .. صورة الموسيقي العراقي المتعلم والفطري .. الحامل للمعرفة الكامنة .. وتلميذ الشريف محي الدين الحق .. سلمان شكر صورة لبغداد .. والعراق .. ارض الرافدين .. وكما يقول الفنان العراقي وتلميذ الفنان سلمان شكر الموسيقي علاء مجيد بهذه المناسبة – ان سلمان شكر صاحب مدرسة من الصعب تكرار روحيتها لمايتمتع به الفنان سلمان شكر من قدرة عالية في التعبير الموسيقي .. وهو من ملامح البلاد والمدينة لاتستطيع تجاهلها .. فمثلما لاتستطيع اغفال الشوارع والأماكن والذكريات فأنك من الصعب ان تنسى جميل بشير .. ومنير بشير .. او ان تغفل اسم سلمان شكر – ..

ويقول عنه الباحث والموسيقي الفرنسي كلود شاريير انه عازف من طراز خاص يتمتع بفطريّة مذهلة للتعبير عن امكانية هذه الآلة الشرقية الأصيلة .. العود .. بأمكاناتها الفنية .. وطاقاتها الطبيعية دون اللجوء الى اي تكنيك مفتعل .. وهكذا يكون سلمان شكر الفنان المتناغم مع نفسه ومع آلته .. وهو قوي يرقى مسارح العالم في اسبانيا وموسكو .. وقاعة اليونسكو بباريس .. كما شاهدته كثيرا .. او وهو.. على فراش المرض في بغداد .. كما هو بألأمس رغم المرضا والعجز .. يتأمّل اوراقه وآلاته القديمة ..

منتظرا ان تفي بلاده وأهلها بوعدهم له ..

برعايته ومحبته يوما .. ولات ساعة وفاء !!