الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة العاشرة

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة العاشرة

كان ممثلو لواء السليمانية في المجلس التأسيسي ينتمون ايضا إلى صفوة المنطقة على الرغم من ظروف اللواء الخاصة بسبب حركات الشيخ محمود التي تركت ايضا تأثيرا غير قليل على واقع تطور الاحداث في العراق يومذاك، بما في ذلك ما يخص المجلس التأسيسي كما اسلفنا. ولا يخلو من مغزى بالنسبة لما نحن بصدد توضيحه هنا ان نشير إلى ان احد اعضاء المجلس التأسيسي من السليمانية كان تحديدا الشيخ قادر الحفيد، شقيق الشيخ محمود الذي قيل انه كان على خلاف معه يومذاك.
اما مرزا فرج الحاج شريف فانه كان من ابرز تجار المنطقة، امتدت مصالحه التجارية إلى بغداد، وإلى داخل الحدود الايرانية ايضا، ومن ثم فيما بعد إلى الاسواق الاوربية، وكان لديه خان تجاري في شارع الامين في قلب بغداد تحول إلى اشبه ما يكون بقسم داخلي للعديد من الطلبة الكورد الدارسين في بغداد، واصبح فيما بعد على اتصال وثيق بالعائلة المالكة، وقبل ان يختار عضوا للمجلس التأسيسي تبرع بداره لتكون مقرا للحكومة التي اعلن الشيخ محمود عن قيامها في منطقة السليمانية وتوابعها. وعن طريق المصاهرة كان على قرابة مع جميل صائب احد المجددين الكورد المعروفين في ذلك العهد، وكذلك مع اسرة سعيد قزاز وزير الداخلية المعروف في اواخر العهد الملكي، كما ان اخويه فتاح وكريم اختيرا اكثر من مرة ضمن المنتخبين الثانويين في لواء السليمانية. وكان احمد بيك توفيق بيك ينتمي بدوره إلى اسرة كوردية معروفة، وكان من الاداريين الناجحين، وهو أول متصرف (محافظ) كوردي عين للواء السليمانية في السابع من آذار 1925، وبعد ان نقل إلى اربيل لاشغال المنصب نفسه اعيد إلى السليمانية مرة اخرى بتاريخ الثامن عشر من ايلول 1930، وبقي يحتفظ بمنصبه هذه المرة على مدى حوالي خمس سنوات. ومما يسجل له بصورة خاصة دوره المتميز في تأسيس (كومه لي زانستي) (جمعية زانستي- المعروفة) في السليمانية في مطلع نيسان 1926، وقد اختير هو رئيسا لهيئتها الادارية، ولقد ادت الجمعية دورا ثقافيا كبيرا، خصوصا بعد ان افتتحت أول مدرسة مسائية لكبار السن في المدينة. ومما يذكر فأن عضو المجلس التأسيسي الآخر عن السليمانية عزت بيك عثمان باشا، الذي كان ينتمي إلى اسرة ذائعة الصيت، قد اختير بدوره عضوا في الهيئة الادارية لجمعية زانستي.
لم يكن اعضاء المجلس التأسيسي الآخرين من الكورد اقل شأنا من الذين ذكرناهم، سواء من حيث انتمائهم الاسري، ام من حيث موقعهم الاجتماعي. وهم على العموم كانوا من المحافظين من حيث قناعاتهم الفكرية، يتقاطع معظمهم مع القناعات الثورية للقوى القومية الكوردية، لكنهم جميعا كانوا يؤمنون بضرورة تحقيق الحقوق القومية المشروعة لشعبهم داخل العراق، ويرون في التعليم السبيل الأول لتقدم ابناء جلدتهم، وكانوا ايضا مبهورين بالتقدم الحضاري للانكليز، فيما شعروا بحساسية مفرطة تجاه الحركة الكمالية في تركيا.والاهم من ذلك كله ان جميع نواب الكورد الذين دخلوا المجلس التأسيسي العراقي لم يمثلوا قطعا الجماهير الكوردية العريضة، ولم يعبروا، بالضرورة عن طموحات تلك الجماهير، لذا لم يتمتع جلهم باي سمعة جماهيرية بمفهومها الاوسع. وقد وردت في وثيقة بريطانية سرية عن داود الحيدري، الذي كان احد ابرز نواب الكورد في المجلس، عبارة من شأنها القاء الضوء على ابعاد ما نحن بصدد معالجته هنا. تقول الوثيقة المذكورةعن داود الحيدري ما نصه:
)انه غير محبوب ، ولا يوثق به في اربيل).
ولم يؤد تعصب بعض الاوساط المسؤولة قصيرة النظر دورا قليلا في تشويه صورة امثال هؤلاء من الكورد في نظر الجماهير، وذلك لانها كانت تتعامل بنفس عقلية الاتحاديين في تعاملهم مع العرب في اواخر العهد العثماني. فان تلك الاوساط، على سبيل المثال، لم ترض بشخصية معتدلة مثل احمد بيك توفيق الآنف الذكر الذي كان متصرفا في السليمانية، فحاولت مرارا تغييره بشخصية معادية صراحة للطموحات الكوردية كما ورد ذلك ايضا في وثيقة بريطانية سرية من المجموعة نفسها. ومن المفيد ايضا في هذا المجال ان نشير ايضا إلى ان احدا من النواب الكورد لم ينتم إلى المعارضة داخل المجلس سوى الحاج بير داود اغا الذي انتمى شكليا في الواقع، مع العلم ان المعارضين كانوا يؤلفون 34% من مجموع اعضاء المجلس، وكان وزنهم النوعي اكبر حتى من ذلك، اذ تحولوا عمليا إلى اللولب المحرك لكل اعمال المجلس تقريبا. واكتفى العديد من النواب الكورد بحضور جلسات المجلس، والتصويت فقط دون ان ترد لهم اي مداخلة في اي اجتماع من اجتماعات المجلس، كما ان مداخلات بعضهم كانت شكلية. وهنا ينبغي ان نقر ان عدم معرفة معظم النواب الكورد للغة العربية بالمستوى المطلوب حدد كثيرا من مداخلاتهم، ولقد وردت اشارة واضحة إلى هذا الموضوع من احد نواب اربيل الذي قال بهذا الخصوص ما نصه: “… اننا كورد لا نفهم اللغة العربية، وكل منا تدور بخلده امور جوهرية لا يمكنه بيانها لعدم معرفته اللغة “.
وبعد مدة اشار نائب كوردي آخر في احدى جلسات المجلس إلى الموضوع نفسه، ويبدو من مداخلته بوضوح ان النواب الكورد فاتحوا رئيس المجلس عبدالمحسن السعدون حول الموضوع بصورة خاصة.
ومن المفيد في هذا المجال ان نشير ايضا إلى ان نائب السليمانية الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود لم يحضر اصلا اي اجتماع من اجتماعات المجلس، وان جميل بك بابان، نائب كركوك قلما كان يحضر اجتماعات المجلس، وانه استقال اخيرا من عضوية المجلس قبيل انتهاء اعماله، ولم ينتخب احد مكانه، اما محمد اغا آل شمدين اغا، نائب الموصل، فقد توفي على اثر احتراق الطائرة التي كانت تقله من الموصل إلى بغداد، ولم ينتخب احد مكانه ايضا لان الحادث وقع في اواخر مدة اجتماع المجلس. للاسباب المذكورة آنفا لم يحظ نشاط النواب الكورد داخل المجلس التأسيسي باهتمام ملموس من لدن الرأي العام في المنطقة الكوردية نفسها، على العكس مما حظي به نشاط النواب الآخرين، خصوصافي مدينة بغداد، ومدينة الموصل المجاورة للمنطقة الكوردية. فان صحيفة “زيانه وه” (البعث او الانبعاث) التي كانت تصدر في السليمانية باللغة الكوردية، واولت كل ما يتعلق بالكورد ومستقبلهم اهتماما استثنائيا، نشرت خبرا يتيما واحدا، وغير دقيق، عن المجلس التأسيسي، يقول نصه “كما ورد في صحف بغداد فان دورة هذه السنة من اعمال المجلس التأسيسي العراقي قد انتهت، ورجع الاعضاء كل إلى مكانه”، مع العلم ان ما تحدثت عنه الصحيفة كان يخص انتهاء اعمال المجلس وحله بموجب ارادة ملكية خاصة، وكانت المناسبة جديرة بان تحظى باهتمام خاص من “زيانه وه” التي اولت قضايا اقل اهمية إلى حد واضح اهتماما اكبر، من ذلك، على سبيل المثال، مانشرته في العدد نفسه حول مكتبة برلين، او بصدد اختراع مدفع مضاد للطائرات في انكلترا. لكن موقف “زيانه وه” قد تغير رأسا على عقب بعد ظهور مجلس النواب العراقي، فاولت ممثلي الكورد في المجلس المذكور، ولا سيما محمد امين زكي منهم، اهتماما كبيرا كما نبين ذلك في الفصل القادم، مع العلم ان نشاط البرلمانيين الكورد اللاحق يمثل، في كل الاحوال، تواصلا لنشاط النواب الكورد، ولدورهم في اعمال المجلس التأسيسي.

دور النواب الكورد في اعمال المجلس التأسيسي:
افتتح المجلس التأسيسي أول جلسة له في السابع والعشرين من آذار 1924 بالقاء الملك فيصل الأول أول خطاب للعرش امام النواب المنتخبين لهذه المؤسسة التشريعية المهمة التي كان عليها ان تنظر في:
1.البت في المعاهدة العراقية- البريطانية لعام1922.
2.سن الدستور الذي عرف بـ “القانون الاساسي” العراقي.
3.سن قانون الانتخاب للمجلس النيابي.
تطرق الملك فيصل في خطابه إلى اهمية المعاهدة، اذ عدها حصيلة الجهاد السياسي للعراق في احوال متباينة وتحت مؤثرات شتى مدة سنتين، ودعا، بسبب ذلك، إلى مصادقة النواب عليها لان العديد من المسائل الحيوية للبلاد يتوقف عليها، واشار إلى خطورة “القانون الاساسي” بوصفه الركن الأول للسياسة الداخلية، والذي تتوقف عليه سمعة العراق عند الامم المتمدنة، ولم يوضح الملك في خطابه اهمية قانون انتخاب النواب عندما تطرق اليه.
كانت مسألة انتخاب رئيس للمجلس التأسيسي واحدة من المسائل المهمة التي اقتضتها ضرورات تسيير اعماله. وكانت بريطانية ترغب في ان يتولى هذه المسؤولية عبدالمحسن السعدون رئيس الوزراء السابق، واتضح ذلك جليا في قول المس بيل (G.Bell) السكرتيرة الشرقية لدائرة المندوب السامي للملك فيصل ولرئيس وزرائه جعفر العسكري، اذ اكدت لهما ان النواب “اذا لم ينتخبوا عبدالمحسن السعدون فلن يكون ذلك جيدا (لبريطانيا)… وقد اخبرت الجميع ان عليهم انتخابه”.
حصل عبدالمحسن السعدون على خمسين صوتا من مجموع اربعة وثمانين عضوا حضروا جلسة الافتتاح، مقابل ثلاثة وعشرين صوتا لنائب بغداد ياسين الهاشمي، في حين حصل النائب الكوردي، وممثل مدينة اربيل ابراهيم الحيدري على ثمانية اصوات، فكان ترتيبه الثالث من بين المرشحين لرئاسة المجلس بدرجة افضل من بعض الاعضاء الذين لم يحرزوا سوى صوتهم الذي اعطوه لانفسهم.