الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /17

بدايــات الغربــــة /17

بعد أستبدال المدير العام (بلعلمي) وتعين مدير فني جديد سارت الأوضاع في الشركة نحو الأسوء، فالمدير الفني لم يكن مهندسا ولم يحصل حتى على التعليم الثانوي بل كان من خرجي دورة تكنيكية لاغير ولايتمتع بالحرص على المصلحة العامة، والأيام أثبتت ذلك. حيث أخبرني الفني وزميلي في العمل أبو عكاشة عند زيارته لي بعد سنتين في بولونية أن المدير الفني توفى بحادث سيارة أثناء العمل وكان مخمورا، وأن الشركة خسرت كثيرا وأحيلت أعمالها لشركة أخرى بعد فشلها في أنجاز المشروع السكني بالرغم من تمديد فترة التنفيذ أكثر من سنة!.
بعد التغييرات الأدارية أصبحت الأجواء في الشركة مكهربة وراجت الأشاعات، وتمادى بعض العمال في أهمالهم، وتصرف ممثلي النقابة بطريقة غير حريصة على سير الأعمال، فكانوا يمنحون الرخص والأستراحات لبعض العمال في الموقع متحدين في ذلك الأدارة والمهندسين وغير آبهين بتعطيل العمل في الموقع. وعندما شكى المهندسين ذلك لمدير الأدارة، أجابنا بأن كل مايحدث بعلم المدير العام والمدير الفني وبموافقتهما!. كان المدير الفني أثناء زيارته لموقع المشروع يحاول تجنب اللقاء بالمهندسين، ويصدر تعليماته، بطريقة أستفزازية، مباشرة للعمال دون الرجوع والتحاور مع المهندسين. وقد أدى تصرف المدير الفني الى عرقلة توجيهاتنا وعدم ألتزام بعض العمال ورؤساء الفرق بها، وسبب كل هذا إرباكا في موقع العمل.
هذا الوضع دفعني وزملائي المهندسين في الموقع بتقديم مذكرة طالبنا فيها بعقد أجتماع وبحضور جميع الفنين ورؤساء الفرق لدراسة المشاكل ومعالجتها، وتنظيم العلاقة وتحديد المسؤوليات. وأستقبل كل من المدير العام والمدير الفني مذكرتنا بلا أبالية، وعندما حاولنا الأستفسار من المدير الفني عن الموقف من مذكرتنا، تهرب من الأجابة وأخبرنا أنه سيتم عقد مثل هذا اللقاء بعد عودة المدير العام من أجازته.
وبعد أسبوع من عودة المدير، استدعى المدير الفني جميع المهندسين على أنفراد وكنت أحدهم. سألني عن ملاحظاتي ومقترحاتي لتطوير العمل والأسراع في التنفيذ، وأخبرني أنه يحب الأستفادة من معلوماتي وخبرتي بعد أن أطلع على مقترحاتي التي قدمتها للمدير السابق. لاحظت أن من ضمن الموجودين في مكتب المدير الفني، أحد السائقين وعامل الأستنساخ (ممثل النقابة) وعامل نجارة، وجميعهم دون التعليم المتوسط وغير فنيين، وحتى المدير الفني أشك في قدراته الفنية. أثار أستغرابي حديث المدير الفني بحضور عمال بسطاء غير عارفين لما يجري في الموقع، وكان وجودهم كمستمعين فقط ولم يتدخلوا في النقاش مطلقا. ومع هذا تجاوبت مع أستفسارات المدير وذكّرته بمقترحاتنا الواردة في المذكرة، وأن الأجتماع الموسع لجميع المهندسين والفنيين ورؤساء الفرق سيكون أكثر فائدة. أصر على الأستماع لملاحظاتي بأنفراد محاولا الأيقاع بيني وبين زملائي، كما أنه حاول دفعي بأتجاه تحميل المدير العام السابق (بلعلمي) كل المسؤولية والأخطاء، وعلمت بعد ذلك أنه أستعمل نفس الأسلوب في الحديث وطرح الأسئلة مع جميع المهندسين.
لآيمكنني تبرئة المدير السابق من الأخطاء وليست هذه من مسؤوليتي، فالمدير السابق حاول الأصلاح لكن واجهته صعوبات وعرقلة بسبب موقف ممثلي النقابة في الشركة بالضد من قراراته. فمثلا عندما قررنا التشدد في محاسبة العمال لتركهم العمل بعد فترة الغداء وعدم عودتهم، وقف ممثلي النقابة ضد محاسبتهم. وبذلك كانوا يشجعون التمادي في التسيب والأهمال وعدم أحترام المسؤولين من مهندسين وأداريين.
كان جوابي للمدير الفني أني أحد أربعة مهندسين وأشرف على جزء من مجموعة من بنايات المشروع السكني التي تزيد عن عشرين عمارة سكنية، ومنذ بداية عملي أكتشفت كثير من الأخطاء الجسيمة في التنفيذ أرتكبها المنفذون ولا أعرف من كان حينها مشرفا على الموقع. وأفدح هذه الأخطاء الأسس القائمة حاليا لثلاثة بنايات وقد سمعت ان المدير أمر العمال بالتوقف بالعمل فيها، وفي مقترحاتي المكتوبة والتي أطلعت عليها قدمت حلولا لمعالجة الأخطاء في أسس هذه البنايات ولم يبت فيها. وخلال عملي هنا والذي قارب السنة شخصت الكثير من النواقص في قدرات الفنيين والعمال، ولاحظت التسيب في عمل العمال وعدم الألتزام بساعات العمل. وأيضا وضحت ذلك للمدير السابق في نفس المذكرة، ويمكنك دراسة مقترحاتي ومقترحات الآخرين للتوصل الى أفضل الحلول، وتحديد مسؤولية الأخطاء وفي أي زمن وقعت ومن كان مشرفا على المشروع حينذاك وماهي الأجراءات التي أتخذت، وهذا يحتاج الى تشكيل لجنة فنية للتحقيق في ذلك ومراجعة التقارير اليومية وتقارير المراقبين من المكتب البلدي (CTC) لتحديد المسؤوليات. أما أنا لآيمكنني أن أتهم أحدا وأحمله المسؤولية وأنا لآ أعرف بالضبط كيف حدث ذلك ولماذا ومن كان مشرفا، وهل أتخذت أية أجراءات لمعالجة الأخطاء ومحاسبة المسؤولين عنها. وتحدث المدير مع جميع المهندسين بنفس الطريقة وكان يلف ويدور علّ أحدهم يكتب تقريراً يحمل المدير السابق بلعلمي كل الأخطاء، والجميع رفض فعل ذلك.
عند أستلامي للعمل وأكتشافي للأخطاء الجسيمة في تلك البنايات دفعني فضولي لمعرفة من كان مشرفا على تنفيذها، وماهي الأجراءات الي أتخذت. أخبرني المهندس ستانيسواف، وهو بولوني ورافق العمل في الموقع منذ بدايته. ويقول أنه منذ الأيام الأولى طلبت من العمال عدم تنفيذ أي عمل أذا لم يطلب منهم ذلك. وكان يوميا يسجل في سجل اليوميات الأعمال التي يجب القيام بها. وأثناء تمتعه بالأجازة السنوية في بولونية، وضع برنامج عمل يغطي فترة غيابه متجنبا الأعمال الصعبة والمهمة. لكنه بعد عودته وجد أن أحد رؤساء (الأسطة) الفرق العمالية قام بتسليح الأسس وصبها وكذلك الجدران الخراسانية المستندة على الأسس خلافا لخطة العمل التي وضعها لهم. وبعد عودته للعمل أكتشف هذا الأخطاء الجسيمة وأجرى تحقيقا مع رئيس العمال المسؤول عن التنفيذ، ورفع تقريرا للمدير وثبت ملاحظاته في السجل اليومي الأنجازي. وعندما قرر المدير أحالة رئيس الفرقة المنفذ للعمل للجنة فنية للتحقيق وقفت النقابة بالضد من قرار المدير وأخذت تشهر بالمهندس، وقام بعض العمال بسرقة السجل اليومي، وفيه دونت جميع الأعمال المنفذة ومن نفذها وماهي الملاحظات والمشاكل والمعالجات. ويقول زميلي البولوني أن سرقة السجل كان الهدف منها عدم ترك دليل واضح عن مسؤولية التنفيذ. وعلى أثر هذه المشكلة طلب من المدير نقله الى عمل آخر، وأقترح على المدير أيقاف العمل في هذه البنايات الى حين تشكيل لجنة لتقدم أقتراحاتها بالحل.
كانت المشكلة في أسس البنايات الثلاثة متشابهة، فالأساسات العرضية غير متوازية وفيها أنحرافات متباينة بحيث يصل أنحراف بعض نهايات محاورها الى 20 سم. أما الجدران الخراسانية المنتصبة مباشرة فوق الأسس، وهي جدران حاملة لثقل عمارات من خمس طوابق، أخذت نفس منحى الأنحرافات في الأسس وأحيانا زادت على ذلك، أضافة الى الصب الخاطيء والرديء للخراسانة بحيث أن حديد التسليح كان ظاهراً للعيان وأن هناك أماكن لم تكن فيها خراسانة مطلقا (جوفاء)!
بعد أسبوع من لقائنا بالمدير الفني صدر قرار من الشركة بفصل ثمانية مهندسين، مصري وأنا وستة بولون! وفي اليوم الثاني من القرار أستلمت كتابا من الشرطة بألزامي بمغادرة الجزائر خلال 48 ساعة!. وهكذا حكم المدير على الشركة بالفشل من خلال فصله جميع المهندسين، ولم يعد في الشركة أي مهندس!.
في يوم إلغاء عقد عملي، كانت زوجتي في وضع صحي ونفسي سيء جداً بسبب ولادة طفلها ميتاً بعد معاناة قاسية. لم يكن حملها هينا ، وقد عانت كثيراً في أشهرها الأخيرة. كان الوضع النفسي الذي عانته بسبب الغربة، وهي الأنسانة البسيطة وليست لها أهتمامات سياسية، وأنقطاعها عن عائلتها أضافة لمشاكل أخرى طارئة عانتها بسبب قرار صاحبة البيت للقيام ببعض الترميمات الضرورية، مما أضطرتنا الى عدم أستعمال الحمام والمرافق الصحية والمطبخ وأنقطاع دورة المياه لأسابيع! كل هذه المشاكل زادت من متاعبها وتضاعفت مخاوفها وأنعكس ذلك سلبيا على حملها. وللأسف أن مراجعاتها للأطباء في سعيدة كانت غير موفقة بالرغم من مراجعاتها الدورية، وكانت تتألم كثيرا من حملها، وكلما راجعت طبيبها ( دكتور حنيفي) وشكت من آلامها وكبر حجم بطنها كان الطبيب يجيبها بلكنته الجزائرية: وش تشكي أنتي مريضة بالكرش (تعبير جزائري للحمل) وتحملي بز (يقصد طفل)!. وعندما قررت السفر الى وهران لمراجعة أحد الأطباء العراقيين (دكتور عبد الأمير) لاحقها سوء الطالع وتعرضنا لحادث مريع كاد يؤدي بنا للتهلكة لولا قوة أعصابي وسيطرتي في قيادة السيارة. فقبل وصولنا لوهران ببضعة كيلومترات، وكان الوقت ظهراً، كنت أسير بسرعة لآتقل عن 90 كلم/سا وأذا بصوت هائل مدوي كالأنفجار وشاهدت وكأن شعلة من نار أقتحمت سيارتي عبر زجاجها الأمامي، ولم أعد أرى الطريق، ولحسن الحظ ان الطريق كان مستقيما وواسعا، توقفت وأنا مرتبكا غير عارف لما حدث في الثواني الأولى، قبل أن أكتشفت أن الزجاج الأمامي قد تهشم الى فتات متماسك حال دون رؤيتي للطريق. توقفت على جانب الطريق وتنفست الصعداء لسلامتنا، فالحادث مرّ دون أن نصاب بمكروه ربما كان قد يؤدي بكارثة وأنا أسير في طريق خارجي سريع.
بعد توقف لدقائق والتفكير بما علي القيام به، قررت التوجه الى بيت الطيب الذكر الرفيق (أبوليث). قدت سيارتي بحذر شديد حتى وصلنا بسلام. ما حدث لنا ونحن في الطريق، وما أصاب السيارة من تهشم لزجاجها حال دون أمكانية أستعمالها، أضافة لقلة الخبرة وربما حتى لقلة الوعي الصحي لمشاكل الحمل، كان سبباً لعدم مراجعة الطبيب وأتحمل أنا الجزء الأكبر من هذا التقصير والأهمال!. ربما إهمالي كان بسبب غباء الطبيب (حنيفي) الذي كانت تراجعه زوجتي في سعيدة، لأنه لم تبدر منه أية ملاحظة تحذيرية عن مشاكل حملها وكان طول الوقت يهون عليها ويبسط ويستخف من شكواها. عدنا الى سعيدة، بعد أن تركت سيارتي في أحدى الورش لتبديل زجاجها، ولم نراجع أي طبيب. كان ذلك خطأ كبيرا أقترفته بحق زوجتي وحملها، سببه قلة الوعي الصحي وعدم الخبرة وجهل طبيبها (حنيفي)، أضافة لبدء المشاكل في العمل بتغير المدير بلعلمي والتي سببت لي أرباكا في حياتي.
وكان قرار صاحبة البيت في هدم المطبخ والحمام والتواليت وأعادة البناء بسبب الخوف من الأنهيار، قد سبب لزوجتي وهي الحامل في الأسابيع الأخيرة من حملها متاعب جسدية ونفسية كبيرة. كل هذه الأسباب أشغلتني عن مراجعة الأطباء متهاونا مع صحة زوجتي وحملها. وجاء قرار ألغاء العقد بعد يومين من الولادة، حيث كنت في إجازة للأهتمام بولادة زوجتي، ليتوج معاناتنا ومعناة زوجتي.
وسط كل هذه المشاكل كانت ولادة زوجتي في مستشفى سعيدة، وأعتقد أن بعض الحظ أنقذها من موت محقق، كما علق على ذلك الدكتور العراقي عبد الأمير. بالرغم من وفاة الجنين في الدقائق الأخيرة قبل ولادته بسبب كثرة ماء الرحم، نجحن المشرفات في المستشفى على أخراج الجنين بطريقة بدائية قاسية مازالت زوجتي تتذكرها بألم لليوم رغم مرور أكثر من عقدين على الحدث!. بالتأكيد أن مثل هذه الولادة والمعناة خلال أشهر الحمل، أضافة لمعاناة الغربة والوحدة، ومشكلة فصلي من العمل والقلق الذي عانيناه بعد فصلي من العمل، تركت تأثيراتها النفسية على حالة زوجتي وأنعكس ذلك على حياتنا خلال الأسابيع الأخيرة من وجودنا في الجزائر.
كنت في حال لايحسد عليه، فتفكيري مشتت بين الأهتمام بوضع زوجتي الصحي ومعاناتها، ومواجهة قرار الشركة بإلغاء العقد، وضغوطات دائرة الأقامة وطلبهم مغادرتي الجزائر. وفي ظل هذه الأجواء والضغوطات قدمت شكوى الى مكتب القوى العاملة على قرار أنهاء خدمتي ومحاسبتي على أعمال وأخطاء في التنفيذ حدثت قبل عملي في الشركة وليست في الموقع المسؤول عنه، أضافة الى أن أنهاء الخدمة جاء مخالفاً لبنود العقد، وقدمت نسخة من الشكوى الى الشركة. وقف مكتب القوى العاملة الى جانبي، وطلب من الشركة إرسال ممثلا عنها للأستيضاح، لكن الشركة تهربت ولم ترسل أحدا. وتمكنت من الحصول على كتاب من مكتب العمل يؤكد حقي القانوني وعدم قانونية قرار الفصل ومن حقي متابعة عملي والأحتفاظ بسكني وأقامتي. وكان رد فعل إدارة الشركة أرسلها عمالا وسيارة نقل الى بيتي، وطالبوا زوجتي بالأثاث الخاص بالشركة، ورفضت زوجتي تسليمهم الأثاث بغيابي. وفي اليوم التالي راجعت الشركة وتحدثت مع مدير الأدارة عن حقوقي المثبتة في العقد وطلبت منه أحترام العقد الموقع من قبل الشركة. أخبرني مدير الأدارة، للأسف لم أعد أتذكر أسمه، بأن قرار إنهاء خدمتنا كان مبيتا وبتخطيط من المدير الجديد وبتشجيع من الوالي لتسهل عليهم محاربة المدير السابق.
أبلغت الشركة بموقف مكتب العمل، وأن قرار الفصل مخالف لعقد العمل حيث يقضي عقد العمل أن يتم أشعاري بالفصل أو أنهاء العمل لأي سبب كان قبل ثلاثة أشهر وهذا ما لم تفعله الشركة، وأنه من حقي الأحتفاظ بالسكن وأستلام رواتبي لحين أن تبت محكمة العمل بذلك. كنت واثقاً من ربحي للقضية لو قررت الأستمرار فيها. ففي شركتي السابقة كانت هناك مشكلة مشابهة بين مهندس بلجيكي والمدير الحاج بالمحي، وقدم البلجيكي شكوى بحق الشركة وأستمرت دراسة المشكلة ثلاث سنوات، بعدها حكمت المحكمة لصالح البلجيكي ودفعت الشركة رواتب البلجيكي كاملة ولثلاث سنوات، ليس هذا وحسب وأنما سمح له القانون أن يحول كل رواتبه 100% الى العملة الصعبة وليس 55% كما هو الحال في الحالات الأعتيادية.
كانت دائرة الشرطة قسم الأقامة واقعة تحت تأثير مدير الشركة والوالي. أستدعتني دائرة الأقامة، بعد يومين من أنهاء خدمتي، لممارسة الضغط من أجل المغادرة. ورغم أبرازي لكتاب مكتب العمل الذي يمنحني حق متابعة المشكلة إلآ أن شرطة الأقامة واصلوا ضغوطهم، وأستمرت أدارة الشركة تماطل ولم ترسل ممثلا عنها لمكتب العمل. كنت أمام ثلاثة حلول أما الأستمرار بالشكوى وقد تستغرق أشهر وربما سنوات، أو أن أجازف للبحث عن عمل والتنازل عن الشكوى، وقد الآقي متاعب بسبب عدم ألتزامي بقرار دائرة الأقامة وعدم مغادرتي الجزائر. أما الحل الثالث وهو المغادرة الى سورية أو أي بلد آخر والبحث عن عمل هناك. وبعد دراسة هذه الأحتمالات الثلاثة، والأتصال ببعض الأصدقاء في سورية صوروا لي الأوضاع فيها جيدة وأمكانيات العمل متوفرة بأختصاصي كمهندس، كل هذه الأسباب أضافة للحالة النفسية التي عاشتها زوجتي بعد ولادتها الفاشلة والتي تزامنت مع قرار فصلي جعلتني أحسم أمري لمغادرة الجزائر بأتجاه سورية.
في هذه الأثناء وقبل مغادرتي الجزائر بأيام عرض عليّ أحد رفاقي في اللجنة، الراحل لفتة بنيان طيب الله ثراه أن يطرح مشكلتي على اللجنة الحزبية للموافقة على منحي زمالة دراسية لأن تدهور حالة زوجتي النفسية والصحية بعد خسارتها للطفل قبل ولادتها بدقائق لآيحتمل أن تقاسي المزيد من المشاكل والتنقل المجهول في الغربة، كما أن الدراسة ستضمن أستقرارا نفسيا لزوجتي بعيدا عن أجواء القلق والبحث عن عمل غير مؤكد. رفضت أقتراحه وبررت ذلك بأمكانية حصولي على عمل في سورية وهذا أكثر فائدة للحزب، لكنه أصر على عرض هذا المقترح على أجتماع اللجنة. لم أتمكن حينها من حضور أجتماع اللجنة بسبب أنشغالي بترتيب أمور سفري، وأخبرني الراحل لفتة بأنه عرض الموضوع ولم توافق اللجنة على ذلك، ولم أهتم أو أغتاض لقرار اللجنة لأني أصلا لم أكن متحمسا لمقترحه، وكنت أعتقد بأمكانية العمل في سورية.
بعد خمسة سنوات من الهجمة الشرسة أستقر الكثير من الرفاق والأصدقاء في بعض البلدان العربية ونجح الحزب في تشكيل تنظيمات مستقرة لحد ما في بعض هذه الدول، خاصة الجزائر، ليبيا، اليمن وبعض دول الخليج. ومقابل هذا النجاح في لملمة الرفاق ونجاحهم في الحصول على أعمال ساعدتهم وساعدت الحزب ماليا، نرى أن قيادة الحزب فشلت أو تهاونت في وضع الخطط بالتنسيق مع تنظيماتها في هذه الدول العربية لأستيعاب الرفاق والأصدقاء بعد أن يفقدوا أعمالهم أو أنهم يجبرون من قبل السلطات وعلى عجالة لمغادرة بلدان العمل والتجمع في سورية. وكان لهذه التجمعات في سورية آثارها السلبية في وضع الحزب. لو وضع الحزب خطة في معالجة المشاكل الطارئة من أنهاء عقود ومغادرة فورية لرفاقه المستقرين لجنب رفاقه وأصدقائه البطالة والتشرد والتشرذم والحفاظ الى حد ما على المصادر المالية التي يوفرها رفاقه وأصدقائهم. وبسبب عدم التخطيط تشتت الكثير من الرفاق والأصدقاء في دول متعددة ومتباعدة وأصبحت مسألة ربطهم والعلاقة بهم ليست سهلة، وقد زاد الطين بلة سقوط أنظمة المعسكر الأشتراكي وأزداد التشتت في صقاع العالم.
بعد أن حسمت قراري بالسفر الى سورية، بدأت زوجتي بحزم أمتعتنا كالملابس الضرورية والأستغناء عن الفائض، وتصفية وبيع مالانحتاجه لتخفيف حمل حقائبنا كي لاتكون عبئا ثقيلاً وماليا، فأضطررنا بيع الكثير من الملابس، الأفرشة، والأدوات الكهربائية وغيرها من أثاث بيتي. أما سيارتي اللآدا الروسية تركتها لدى المالك الجديد الصديق الطيب حسين سميسم، دون أن أستلم قيمتها بعد أن رافقني بها للمطار مشكوراً. وعندما أستلمت المبلغ، بعد شهرين في سورية، كان ناقصاً 2500 فرنك فرنسي وهذا ليس سببه حسين سميسم وأنما الرفيق الذي كان وسيطاً، ولما أستفسرت من رفاقي في الجزائر عن سبب هذا النقص، أوضح لهم الرفيق الوسيط، الذي دفع المبلغ لحسابي بأن بذمتي له 2500 فرنك!! ولأن هذا الرفيق تهرب من الحديث معي وتوضيح ذلك طوال الفترة المنصرمة أجد ضرورة لتوضيح هذه الحقيقة. فالوسيط كان قد تعرض لحادث بسيارته المستعارة من صديقه حسين سميسم وقد دمرت السيارة بكاملها وكان عليه شراء بدلها . فطلب في أحد الأجتماعات الحزبية أن يدفع له الحزب ثمن السيارة! وقد أستغربنا جميعنا من هذا الطرح ورفض طلبه. بعد الأجتماع أنتقدته لهذا الطرح، وبرر طرحه لوجود مصاعب مالية لديه، فقلت له: (أني وبالرغم من ألغاء عقدي ولآ أعرف ماينتظرني في سورية فأنا مستعد أن أتبرع لك كمساعدة بمبلغ 1000 فرنك فرنسي) رفض مقترحي وقال لي:(لآ يا أبا نورس المفروض نحن نقدم لك المساعدة، أنت في وضع حرج بفقدانك العمل). لم أعلق وأكتفيت بما قاله لأني فعلا لآ أعرف ماينتظرني، فأنا في هذا الوضع بحاجة الى الأقتصاد وعدم التبذير وخاصة اني مسؤول عن عائلة. كما أن عائلتي في العراق أحرى بالمساعدة فهم يعانون من أزمة أقتصادية مزمنة، ولم أقدم لهم إلا القليل. وضحت لرفاقي في الجزائر مادار بيني وبين الرفيق الوسيط وكيف رفض تبرعي له ولكن للأسف عوضها بقطع المبلغ مضاعفا بمرتين ونصف أي 2500 فرنك من ثمن السيارة الذي أتفقنا عليه. كنت آمل أن يتصل الرفيق ويوضح أي دين له بذمتي، أو أن يعتذر وكنت على أستعداد لمسامحته بالرغم من ظروفي الصعبة ، لكن للأسف لم أسمع منه أي توضيح ولم يتصل بي نهائيا، لا شاكراً ولا معتذراً وأنا الذي حاولت أن أقف الى جانبه رغم مصيبتي!.
عندما عرضت مقترحي على الرفيق بالتبرع، كنت أعاني من وضع مادي لآ أحسد عليه، ولهذا السبب تقبلت رفضه لتبرعي بسرعة ودون تردد. فمنذ أن تغير مدير الشركة بالعلمي توقفت تحويلاتي بالعملة الصعبة لآخر أربعة أشهر بسبب البيروقراطية وربما كان ذلك مقصودا من الأدارة الجديدة لأكراهي على ترك العمل. وهذه مبالغ تزيد عن 4000$ وهي ليست قليلة لمقبل على البطالة والعيش مع عائلته في بلد مثل سورية وماتتطلبه الحياة من توفير سكن ومعيشة. وهناك مبلغ (15000 فرنك فرنسي) بذمة رفيق دفعت بدلا عنه ثمن سيارة أشتراها من رفيق آخر أنهيت خدماته وأجبر على المغادرة خلال 48 ساعة، وكنت الوسيط (فاعل خير). الرفيق (أبو عمار) الذي أشترى السيارة غير قادر على التحويل المباشر والفوري، فتطوعت بالدفع بدلا عنه على أن يحول المبلغ لي بأقرب فرصة. ومن سوء حظ الرفيق (أبو عمار) أضطراره السفر الى العاصمة لأحضار سيارته، خوفا على سرقتها ، التي أركنها البائع (مالكها السابق) قرب المطار في العاصمة الجزائرية ، وبسبب ضعف في سياقته ونظره تعرض لحادث مروع ومأساوي أدى الى وفاة جميع أبنائه الثلاثة وأصابة زوجته أصابات خطيرة أضافة لما أصابه ودمار السيارة. وبقيت أنا فاعل الخير أحس بالحرج بالمطالبة بأستعادت مادفعته من ثمن السيارة وأنا مهدد بمغادرة الجزائر ولا أعرف ماينتظرني مع عائلتي. هذا أضافة لبعض القروض الأخرى تزيد على (7000$) لأصدقاء ورفاق كنت مضطرا لمطالبتهم بها وأعادتها قبل مغادرتي. ولا أخفي سراً، بأن أي مبلغ كنت أقدمه كمساعدة طوعية كانت عائلتي في العراق بحاجة ماسة اليه، فليس من المعقول أن أقدم مساعدة لرفيق يواصل عمله في الجزائر بينما أترك عائلتي تعاني في العراق.
في دمشق أقمنا في مساكن برزة، في شقة أرضية وحديقة صغيرة خلفية. ورغم أن إيجارها الشهري أكثر من 120$ كان أثاثها وما حوته من فراش عتيقا وغير مريح. وكان أصحاب الملك يقطنون في شقة بالطابق العلوي وذات مدخل منفصل من الساحة الأمامية المشتركة. وكانت معاملة صاحب الشقة (أبو يحيى) لنا كمستأجرين معاملة شامية تجارية بأمتياز. فالأسرّة فراشها رديء ومزعج وهي تأن كلما تقلبنا فوقها أثناء النوم، أما المخاديد فكانت سببا لصداع وآلآم الرأس بعد كل مرة نضطر للأستعانة بها، حتى فضلنا النوم بدونها. والثلاجة (البراد) كانت عاطلة ووجودها كان فقط للديكور وخداع المستأجر. وأشترط علينا أن لا نقطف الآجاص من الشجرة، في حديقة الشقة الخلفية، بعد نضوجه، فهذا من حصة عائلته!.
أضطررت أن أدفع إيجار لأبي يحيى مقدما لشهرين حتى يشتري ثلاجة للبيت، أما فراش الأسرة والمخاديد أستبدله بالتقسيط وعلى دفعات حسب تطور علاقتنا مع عائلته. في أول الأيام من سكننا تضايقنا من أسلوب المعاملة التي يتميز بها أصحاب الأملاك الشاميون لأستغلالهم المستأجر بأبشع مايمكن، ولولا تفهمي للعقلية التجارية التي يتمتع بها السوريون لما صمدنا في البيت، وبمرور الزمن نجحنا في تكوين علاقة طيبة مع أبي يحيى وعائلته، حتى أن أبني نورس ذو الثلاث سنوات كان يقضي أوقاتا في بيتهم وهو يتمتع بحب جميع أفراد العائلة.
خلال العطلة الصيفية وصل من الجزائر بعض الرفاق لدمشق ، وكان بعضهم تربطني صلة حزبية به في الجزائر. كان هؤلاء الرفاق وقبل إلغاء عقدي في الجزائر وبناء على عرض المنظمة عن توفر أمكانية للحزب بتزويد الرفاق بجوازات عراقية مقابل 700$ تدفع مقدماً. ودفع هؤلاء الرفاق الألتزام المالي كثمن لهذه الجوازات، وأوعدتهم المنظمة بأن أستلامها سيكون في دمشق وخلال العطلة الصيفية. ووصل بعض هؤلاء الرفاق الى دمشق وأتصل بعضهم بي بتكليف من منظمة الحزب في الغرب الجزائري يسألونني عن جوازاتهم، ولما أستفسرت من الرفيق لبيد عباوي عضو اللجنة المركزية قال أنه لم يسمع بوجود هذه الأمكانية عند الحزب! وبعد أستفساره من مرجعه الحزبي أجابني بأنه لا توجد مثل هذه المعلومة أو مثل هذا التعهد بالحصول على جوازات! وأبلغت هؤلاء الرفاق بما سمعت من الرفيق لبيد. هذه المشكلة أعتقد أنها ناتجة من عدم التنسيق الجيد والدقيق بين منظمات الحزب والمركز مما يسبب أرباكا وسوء فهم في التعامل مع رفاق وأصدقاء الحزب، وتتركهم يعانون من القلق لعدم حصولهم على الجوازات التي تسهل تنقلهم كما أنها تضعف ثقتهم بالحزب وتثير الأقاويل المسيئة للحزب. وهذه الحالة تشبه ماحدث للرفيق الشهيد سعد مزهر رمضان، حين أوعدته منظمة الجزائر بالدراسة في أحدى المدارس الحزبية بينما في سورية أخبرته المنظمة بعدم صحة ذلك وعليه التوجه لكردستان كمقاتل! الفرق بين الحالتين أن الرفيق سعد أستشهد وراح ضحية النظام الدكتاتوري وسوء التنسيق وعدم الوضوح في التواصل بين منظمات الحزب وحتى عدم الحرص أحياناً على حياة الآخرين.

يـتـبـع 

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية
2007-09-30