الرئيسية » مقالات » لا . . لا لتقسيم العراق !!

لا . . لا لتقسيم العراق !!

اثار قرار الكونغرس الأميركي الموافق على تقسيم العراق على اسس عرقية و طائفية . . عاصفة من الرفض والشجب والأستنكار، رغم ما يبدو من جهود بذلت لمحاولة توقيته واعلانه بشكل يمكن فيه ان يُقبل ؟ . . في ظروف كثيرة التعقيد، تهدد بتزايد التفجرّ ان استمر الوضع المتشظي الذي تعاني منه البلاد ومكوناتها، اضافة الى تواصل مواقف وصراعات الجوار و تنافر القوى الدولية وصراعها بينها رغم بياناتها المشذّبة.
ورغم ان هذا الطرح ليس جديداً تماماً، بل هو تعبير عن استمرار لمحاولات لم تنقطع قديماً . . وتعبير عمّا وصل اليه طرح متواصل حمل ويحمل محاولات لتنضيجه لصالح دوائر دولية ومنطقية واقليمية من جهة، وحمل ويحمل عواملَ تهديدٍ جادٍ لمكونات البلاد من اجل تحقيق المصالحة الوطنية بتقدير قسم من جهة اخرى.
فان قرار التقسيم (غير الملزم) هذا اذا ما اضيف الى المشاكل الناتجة عن شحة ما يترشح عن حقائق ما يدور في دوائر القرار . . يحمل مخاطر تنبع من اعلانه رسميا اولاً كقرار من الكونغرس الأميركي وليس من الأدارة الأميركية، باعتبار ان الكونغرس اكثر ثباتا في تكوينه وزمن فعله من الأدارات الأميركية، وباعتباره حصيلة تفاعل وصراع واتفاق واختلاف القوى السياسية والأقطاب المتنفذة في الدولة الأميركية الأتحادية وفي المجتمع هناك.
في ظروف قد تؤديّ فعلاً الى مخاطر وقوع التقسيم، سواءاً جاءت من سلوك رفع سقف المطالب الذي يتّبعه عدد من القوى العراقية المتنفذه لضمان تحقيق مطالبها بتقديرها في مسيرة كثيرة التعقيد . . او من اخرى تسير عملياً في طريق تحقيق (استقلالها ؟) بعيداً عن او للأبتعاد عن مخاطر شظايا الوضع العراقي المستمر على التفجر، واخرى تتصارع بـ (استقلالها) دمويا بينها رغم كونها من مكوّن طوائفي واحد، على حصص اعلى من العوائد المالية الهائلة سواء كانت من عائد تهريب النفط او من عائدات السياحة الدينية ومن تراكم ثروات مرجعية الطائفة المعيّنة … في ظروف تتزايد فيها صراعات الشارع ان صحّ التعبير على اساس طائفي، اضافة الى تزايد اعتماد المحاصصة الطائفية نهجاً، مهما تجددت مسميات مشاريع التحسين . .
رغم جهود مخلصة، ورغم النجاحات التي تحققت في الشهور الأخيرة، التي نتجت عن تحقيق ضربات قاسية لمنظمة القاعدة الأرهابية ادّت الى اضطرار اقسام منها الى الهروب من البلاد، في وقت تتكشف فيه درجات متزايدة من دعم دوائر ايرانية للقاعدة واصطفافها معها، رغم تزايد تعاون (اعدائها) من بقايا البعث الصدامي المنحل معها ـ مع القاعدة ـ . . على حد بيانات مسؤولي تلك الأطراف في وسائل الأعلام الأقليمية والدولية وعلى حد وكالات الأنباء العالمية المتنوعة الأتجاهات .
واذا ما اعتقد البعض انه مناورة تهديدية اميركية مشابهة للتي نجحت حينها في الضغط واوقفت حرب اقتتال الأخوة في كوردستان العراق وادّت الى تحقيق مصالحة كوردستانية جاءت ببديل افضل مما كان، وانه يمارس الآن كضغط لتحقيق مصالحة وطنية عراقية . . فان خطورته تنبع من ان عدم وحدة القوى العراقية وتلكؤها المتنوّع في التوصل الى موقف عراقي موحد للتعامل مع جملة مشاريع في مقدمتها مشاريع ” قوانين المشاركة في أنتاج النفط والغاز” التي يُحاول التعتيم على خطورة دورها فيما يجري، قد يؤدي بمكونات منها الى الأسراع على الموافقة على قرار الكونغرس، لحسم تطبيق تلك القوانين عملياً في مناطقها بالموافقة عليها كما هي، سواء كان اعلاناً او واقعاً . . لتحقيق تدفق النفط على مراحل وفقها ، في سعي لـ (تحقيق) وضع عراقي واقليمي مناسب اكثر استقراراً، بتقديرها . .
بالرغم من كون قرار الكونغرس الأميركي هذا، لاينسجم مع مشروع الدولة الفدرالية الموحدة الوارد في الدستور الذي اتفق على تعديله . . ورغم كونه لايمثّل الاّ تثبيتاً وتعميقاً خطيراً للصراع والمحاصصة الطائفية والعرقية، التي لن تنجب الاّ اقسام او ولايات متصارعة دموياً وليس اتحاداً طوعياً اختيارياً كما في دولة اتحاد الأمارات العربية مثلاً، بل ولاحتى ولايات متعايشة كما كانت عليه البلاد ايام الخلافة حين كان لها مركزاً فاعلاً . . كما يتصوّر ويطرح قسم . وبالتالي لن يكون في نتائجه ومرارات التاريخ والواقع الجاري خير شاهدين، الاّ تدميراً لطموحات وآمال المكونات العراقية ذاتها في سعيها لنيل حقوقها العادلة على اساس حق المواطنة المتساوي للجميع في دولة برلمانية فدرالية موحدة .
ان الظروف الداخلية والأقليمية والدولية . . والعلاقات الأميركية ـ الأيرانية ـ السعودية منها بالذات، صارت تحتّم على العراقيين بكل مكوناتهم واطيافهم القومية، الدينية، الطوائفية والفكرية وغيرها . . تحتم عليهم العودة الى بعضهم البعض وتقبّل بعضهم البعض على اساس تنازلات متقابلة مهما كانت مؤلمة، لتحقيق حكم الوحدة الوطنية بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، كحكم قادر على تمثيل وانتزاع المصالح الحقيقية للبلاد باطيافها ولكادحيها، وفق حقائق وفعل توازن القوى الدولي والأقليمي والحاجات الملحة للبلاد (1) . . والاّ فان البلاد ستدخل مرحلة صراعات اعنف واكثر حدّة وتعصباً لمكوناتها ذاتها مدعومة من القوى الأقليمية والدولية، وستجر المنطقة اليها كنتيجة لجناياتها عليها .
صراعات قد تشبه الى حد كبير ما حصل في افغانستان بعد الأنسحاب الروسي (السوفيتي آنذاك) منها (2)، حين ازدادت واندلعت الصراعات الداخلية بين الأطراف الأفغانية ذاتها على اسس : عرقية، قومية، طائفية وعشائرية اكثر حدة، انجبت ضمن ما انجبت طاليبان والقاعدة وغيرها من منظمات الأرهاب الطائفي الدموي الذي انتشر وتضاعف في جوارها بداية، سواءاً في باكستان، اوزبكستان، طاجكستان او في كشمير والشيشان وغيرها، ليجتاح الشرق الأوسط وشمال افريقيا .
انه صراع المكونات والأنتماءات والهويات الذي يرى فيه ابرز محللي السياسة والأقتصاد والنفط بكونه يجري عاصفاً في العُقد الستراتيجية الأساسية من البلدان النامية لتغيير البنى والمكونات وللحصول على اعلى الأرباح من مواقع الزعامة والنفوذ في زمان فوضى العولمة الأقتصادية الرأسمالية الجامح . . ولأكمال واصطفاء و توظيف وتواصل نشوء بارونات الثروات والنفط والمال والحماية والسلاح وانواع الخدمات البيضاء والسوداء، ومحاولة تثبيت ادوار قوى المشهد الجديد رغم ارادة المكونات الوطنية ورغم المصالح الحقيقية لشعوب المنطقة في السلم والرفاه، لضمان تحقيق مصالح الأحتكارات المتنوعة المعولمة في واقع التمزّق القائم ومساعي قوى المال والسلاح والسمسرة المستعدة على ادامته، حتى بالتوصل الى تفاهم مع التيارات و العقائد المناوئة لها مهما بدت متنافرة او متعارضة، بالأتفاق على تقسيم مناطق النفوذ وعلى تقاسم وتبادل الأرباح الناتجة عن انواع العمليات والنشاطات بما فيها تحديد (مقبول) متحرّك للمناطق الساخنة المستمرة في غليان لايتوقف لأسباب تناحرية متنوعة . . لفترات زمنية ما.

29 / 9 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مقال الكاتب ” العراق وجيشه وورثة الدكتاتورية ” في 18 / 19 . 9 . 2007 في صفحته الألكترونية في مواقع ” الحوار المتمدن “، ” الناس ” ، ” البيت العراقي ” وغيرها .
(2) مع فارق ان الجانب الأميركي في الحالة العراقية اعلن مؤخراً عن بقاء قواته في البلاد الى زمن لم يحدد . . اضافة الى عدم تحديد مهامها بالكامل .