الرئيسية » مقالات » كيف يفترض التعامل مع موقف حكومة إقليم كُردستان إزاء قرار الكونغرس الأمريكي بشأن العراق؟

كيف يفترض التعامل مع موقف حكومة إقليم كُردستان إزاء قرار الكونغرس الأمريكي بشأن العراق؟

أود ابتداءً أن أثبت بوضوح بان القرار غير الملزم الصادر عن الكونغرس الأمريكي قرارُ خاطئ ومضر بالموقف من القضايا الداخلية للعراق والتي يفترض أن تحسم داخلياً , إذ أن القبول بتدخل أمريكي في هذا الصدد يفسح في المجال لقبول تدخلات أخرى خاطئة أيضاً. ولا يزال في ذاكرتي موقف حكومة إقليم كُردستان الرافض , وهي على حق , لأي تدخل خارجي , بما فيها الولايات المتحدة وتركيا , من قضية كركوك وطالبتهما بعدم تدخلهما بالشأن الداخلي العراقي. واشعر بأن المثل الكردي هنا في محله حين يكون ” لا يمكن أن يكون هناك مناخين على سطح واحد”. لا شك في أن من حق أي جهة أن تعبر عن وجهة نظرها بشأن هذا التدخل الفظ من جانب الكونغرس الأمريكي بالشأن العراقي. ولكني لا أؤيد الموقف الذي أعلنه السيد فلاح مصطفى باعتباره ناطقاً رسمياً باسم حكومة إقليم كُردستان بهذا الصدد , إذ أجد أن ذلك يلحق ضرراً كبيراً بالمجتمع العراقي عموماً ويكرس طائفية مقيتة يمكن أن تتكرس , في حين يمكن أن نتخلص منها عبر النضال النير وعملية التنوير الديني التي يفترض خوضها في هذه الفترة والفترة القادمة. ولكن علينا أن نتساءل : لماذا اتخذ الأخوة في كُردستان هذا الموقف؟ وكيف نتعامل معه؟ وما علاقته بالتحالف مع الائتلاف العراقي الموحد , وبشكل خاص مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية التي تؤيد قرار الكونغرس الأمريكي أيضاً؟
حين ندرس مثل هذه الموضوعات المهمة والأساسية , علينا أن نستعيد التجربة التاريخية للعراق , وان نستخلص منها الدروس الضرورية لمستقبل العراق ومكوناته القومية.
لقد عاش العراق في ظل النظام الملكي وفي ظل نظم جمهورية متنوعة , ولكنها كلها كانت مركزية من جهة , وفرضت على الشعب الكردي والقوميات الأخرى , باسم العرب , سياسة قومية شوفينية بدأت مع الحكم الملكي وتفاقمت سنة بعد أخرى , حتى أصبحت عنصرية بغيضة في ظل حكم البعث الدكتاتوري والدموي. وقد عانى الشعب الكردي من هذه السياسة الشوفينية والعنصرية , إضافة إلى معاناة الجميع من الحكم غير الديمقراطي والاستبدادي. أي أن الشعب الكردي بشكل خاص , وبسبب مطالبته العادلة والمشروعة بحقوقه القومية والديمقراطية , قد تعرض لاضطهاد مضاعف على امتداد تاريخ الكُرد مع الدولة العراقية الحديثة تسبب في استشهاد ما يقرب من ربع مليون إنسان , دع عنك الاعتقال والسجن والتعذيب والحملات العسكرية وحرق المزارع والغابات وتهديم الدور والقرى وتخريب الجسور وعيون الماء , إضافة إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي وإهمال جدي لعملية التنمية في المنطقة وضخامة عدد العاطلين عن العمل في إقليم كُردستان , بالرغم من كون الإقليم غنياً بموارده الطبيعية , وخاصة النفط الخام والغاز , بتربته ومياهه. وعلى امتداد الفترة المنصرمة كان الحكم عربياً , وبدا وكأن هناك موقفاً عربياً ضد الكُرد , وليس بسبب طبيعة النظم السياسية التي وجدت في العراق والقوى الطبقية التي كانت تمثلها والعواقب التي تسببت عنها. لقد كان الحكم المركزي , غير الديمقراطي أولاً والاستبدادي ثانياً , الذي ساد العراق , قد تسبب في أكبر إلحاق الأذى والحيف لا بكُردستان وحدها , بل وكذلك بالمناطق الأخرى من العراق , ومنها الجنوب والوسط وغرب بغداد أيضاً , رغم ما بدا من اهتمام صدام حسين ببعض مناطق غرب بغداد أو محافظة الأنبار , ولكن كانت بوجهة ضيقة ومنطقة محدودة منها لا غير.
إن الشعب الكردي وقيادته السياسية وحكومته تخشى النظام المركزي لا لأنه لم يقدم لها غير الدموع والدماء والخراب والفقر والفاقة والبؤس والتخلف والحرب حسب , بل لأنه لا ينسجم مع بنية المجتمع العراقي القومية ومع ضرورة التمتع بالحقوق القومية أيضاً. إن هذا الموقف المبدئي صحيح جداً. حتى قائد ثورة تموز 1958 عبد الكريم قاسم لم يستطع أن يستوعب حق الشعب الكردي في تقرير المصير , وما يمكن أن تقدمه تلك المرحلة من حقوق مناسبة كالحكم الذاتي مثلاً , مما تسبب في حصول سلسلة من المشكلات المتلاحقة التي لا يزال الجميع يعاني منها في العراق.
واليوم وحيث بدأت مرحلة جديدة في العراق , نجد أن جمهرة كبيرة من القوى السياسية العربية العلمانية واللبرالية لا تستطيع , أو لا تريد , أن تعترف بما يفترض أن تعترف به لهذا للشعب الكردي. وإشكالية كركوك تشكل واحدة من تلك القضايا التي تتسبب في تفاقم الخلاف بين التحالف الكردستاني والقوى العلمانية , في حين أقرت بعض قوى الإسلام السياسي , وليس كلها , حتى لو كان موقفاً تكتيكياً , سبل معالجة قضية كركوك وفق منطوق المادة 140 من الدستور الجديد.
إن الشعب الكردي وحكومة إقليم كُردستان يخشيان معاً من وجود قوة عربية موحدة في العراق تتلقى الدعم والمساعدة والتأييد من قوى قومية عربية ودول عربية كلها ترفض بعناد غبي وذهنية شوفينية أن يتمتع الشعب الكردي بحقوقه المشروعة. ولا يمكن رفض هذه الخشية , إذ أن التجربة التي مر بها هذا الشعب تؤكد احتمال بروز هذه الحالة مرة أخرى , خاصة وأن قوى عربية قومية وقوى إسلامية سياسية عربية سنية وشيعية أيضاً , لا تزال ترفض وجود فيدرالية كُردستان , وهي مستعدة أن تمارس كل الأعمال الشريرة لعرقلة ذلك , ولم تتعظ من تجربة الدكتاتورية الصدامية.
لهذا لا نستغرب حين تحدث رئيس مكتب العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كُردستان لـ”راديو سوا” بما يلي:
“حكومة إقليم كردستان ترحب بهذا القرار ، وأعتقد أن القرار يتحدث عن تطبيق مبدأ الفيدرالية في العراق وليس تقسيم العراق. مع الأسف هنالك الكثير ممن يركز على كلمة التقسيم بدلا من تطبيق نظام فيدرالي في العراق. ومع هذا، فالدستور العراقي يؤكد على مبدأ الفيدرالية في العراق، وكذلك ينصّ على أن المحافظات يمكن أن تشكل أقاليم بينها، ما عدا بغداد. هذا القرار هو دعم للعملية السياسية في العراق، وكذلك مخرج لعملية المصالحة الوطنية. كما تعلم ، نحن وصلنا إلى طريق مسدود في عملية المصالحة. لم يكن هناك أي تقدم والكل تحدث عن تحقيق بعض التقدم في المجال الأمني ، ولكن المشكلة سياسية ، وبذلك يجب وجود حل سياسي”. راجع الموقع الإلكتروني لراديو سوا في 30/9/2007).
ولا بد هنا من الإشارة السريعة إلى التناقض الذي يقع فيه السيد فلاح مصطفى والخطأ الذي يرتكبه حين يؤكد دخول عملية المصالحة الوطنية في طريق مسدود , في حين يؤكد التحالف الكردستاني , الذي يشكل ركناً أساسياً في الحكومة العراقية الراهنة , أهمية وضرورة السير بعملية المصالحة وأنها لم تفشل رغم المصاعب التي تقف في طريقها , كما يؤكد ذلك كل من السيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس إقليم كُردستان , وهما لا يبذلان الجهود من أجل الوصول إلى مصالحة وطنية حسب , بل ويراهنان عليها , وهو موقف صائب بخلاف موقف السيد فلاح مصطفى. كما أنه يتعارض مع تصريح السيد وزير خارجية العراق هوشيار زيباري.
لنعود إلى الموضوع الأساسي. يبدو لي ضرورياً أن نشير من جديد إلى أهمية وإمكانية اعتماد الدستور العراقي بشأن الفيدرالية من خلال تشكيل فيدراليتين عربية وكردستانية تتساويان في الحقوق والواجبات وتوزع الثروة بينهما في ضوء عدد السكان , وفي ظل دولة اتحادية ذات نظام جمهوري مدني ديمقراطي دستوري يضمن تكريس هذه الحالة ويضمن عدم التعرض لمبدأ فيدرالية كُردستان. إن بعض القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية العربية في العراق هي الجهة التي يفترض فيها أن تعيد النظر بموقفها من الشعب الكردي ومن حقوقه القومية ومن القضايا الأخرى المعلقة , وعلى هذه القوى أن تدرك بأن ما من شعب يطالب بالانفصال من دولة تسود فيها الحياة الديمقراطية والحرية والمساواة والتضامن الفعلي بين سكانه بمعزل عن القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر السياسي أو الرؤية السياسية.
إن النظام الديمقراطي الفيدرالي هو الشكل الأسلم للحكم في العراق , ولكن لا يفترض أن يقوم على أساس مذهبي أو ديني , إذ أن عواقب ذلك مخلة ومدمرة لمستقبل العراق.
إن بإمكان التحالف الكُردستاني أن يلعب دوراً مهماً في الحوار مع الاتجاهات الفكرية والسياسية التي ما تزال تواجه صعوبة بالاعتراف بما يطالب به شعب كُردستان العراق , وليس الموافقة على حل غير عقلاني كإقامة فيدراليات طائفية. وأن عدم الموافقة على إقامة فيدراليات طائفية لن يغير من حقيقة وجود الفيدرالية الكردستانية ولن يستطيع الائتلاف العراقي الموحد أن ينقلب عليه. فأن هذه الفيدرالية قد تكرست في واقع العراق وفي أذهان الناس.
30/9/2007 كاظم حبيب