الرئيسية » مقالات » المؤتمر الثاني لجبهة الخلاص الوطني: قراءة كردية هادئة في نتائجه

المؤتمر الثاني لجبهة الخلاص الوطني: قراءة كردية هادئة في نتائجه

خلال يومي السادس عشر والسابع عشر من أيلول الجاري عقدت جبهة الخلاص الوطني السورية المعارضة مؤتمرها الثاني في برلين، بحضور كثير من أطياف المعارضة السورية، الإسلامية والعلمانية والقومية، العربية والكردية والسريانية وغيرها. وقد صدر عن المؤتمر ثلاث وثائق مهمة، لها ما بعدها، وهي: البيان الختامي للمؤتمر، و”رؤية الجبهة لسورية المستقبل”، و “برنامج عمل الجبهة في المرحلة المقبلة”، فضلاً عن مقابلات وتصريحات صحفية لبعض المشاركين في المؤتمر. وما يهمنا من ذلك كله هو ما يخص القضية الكردية السورية في الوثائق الثلاث التي أشرنا إليها.
أولاً: في بيان الجبهة:
ذكر هذا البيان ـ فيما يخص القضية الكردية ” كما أن تبني نهج العزل والإقصاء والتمييز له انعكاسات خطيرة وأضرار كبرى صدعت الوحدة الوطنية، وفي مقدمتها الظلم الفادح الذي أصاب الشعب الكردي شركاءنا في الوطن والمصير”.
المناقشة:
إن العبارة تحمل اعترافاً واضحاً وصريحاً في أن الكرد في سورية مكوّن أصيل، وشريك في الوطن والمصير، لهم ما لغيرهم من حقوق، وعليهم ما على غيرهم من واجبات. وليسوا أجراء يتفضل عليهم السيّد وقتما يشاء بما يشاء. وهذا الاعتراف بكون “الكرد شركاء في الوطن والمصير” هو الهدف الذي طالما ناضل الكرد من أجل استحصاله طوال العقود الماضية دون جدوى.
لكنني في الوقت نفسه أسجّل ملاحظتي على الفقرة ذاتها، إذ إنها عبارة مختصرة، لاتعدو كونها توصيفاً للواقع، تخلو من ذكر ضرورة رفع هذا الظلم الواقع على الكرد، والإشارة إلى كيفية رفعه، وإن كانت الوثيقتان الأخريان قد فصّلتا تلك النقطة.
ثانيا: في “برنامج عمل الجبهة في المرحلة المقبلة”:
جاء ذكر القضية الكردية في الفقرة “سادساً” تحت عنوان ” القضية الكردية “:وفيها نقرأ:
“كان لسياسة الانفراد بالسلطة، واتباع سياسة العزل والإقصاء والتمييز انعكاسات خطيرة على الوحدة الوطنية فبرزت أمراض كان السوريون قد تجاوزوها منذ زمن بعيد كالطائفية.
كما أفرزت سياسة العزل والإقصاء والتمييز أضراراً كبرى صدعت الوحدة الوطنية وفي مقدمة هذه الأضرار الظلم الفادح الذي أصاب الشعب الكردي شركاءنا في الوطن والمصير.
وتأكيداً للفقرة الثانية عشرة من المشروع الوطني للتغيير؛ فإن المؤتمر إذ يدين سياسة العزل والإقصاء التي صدعت الوحدة الوطنية، عبر القمع والاضطهاد والتشريد والمصادرة وحرمان الآلاف من الجنسية السورية بسبب إحصاء 1962؛ يؤكد الحاجة إلى إزالة نتائج وأسباب الظلم والاضطهاد مما يتطلب استمرار النقاش حول أفضل السبل لتحقيق الحل الوطني للمشكلة الكردية على قاعدة التوافق في إطار الوحدة الوطنية.
إن تعزيز الوحدة الوطنية مسألة أساسية في مسيرة البناء والنهوض وهذا يتطلب التركيز على نشر الثقافة الوطنية وتنمية الشعور بالانتماء الوطني واعتماد مبدأ المواطنة في العلاقات بين الدولة والمجتمع “.
المناقشة:
لقد جاء ذكر القضية الكردية في هذه الفقرات بتفصيل أكثر، فقد نصّت الوثيقة أن هناك حاجة إلى إزالة نتائج وأسباب الظلم والاضطهاد،اللذين تعرض لهما الكرد السوريون، بعدما أوضحت جوانب من هذا الظلم والاضطهاد. وإن كنا نرى أن ثمة عبارات أوضح وأقوى من العبارة التي وردت في الوثيقة ” يؤكد الحاجة إلى إزالة…”.
أما العبارة التي استفزّت قطاعاً واسعاً من أرباب السياسة في الشأن الكردي السوري، وسبّبت لغطاً وتجاذبات وقيل وقال وكثرة سؤال وتعليقات وردود أفعال، كان بعضها غير مدروس أو عقلاني، فهي التي تقول: ” يؤكد الحاجة إلى إزالة نتائج وأسباب الظلم والاضطهاد مما يتطلب استمرار النقاش حول أفضل السبل لتحقيق الحل الوطني للمشكلة الكردية على قاعدة التوافق في إطار الوحدة الوطنية “. إذ تركت القضية معلّقة دون علاج حتى الآن.
لكن نظرة واقعية ومنطقية هادئة ـ أيها الأحباب الكرد ـ تجعل من أمر هذا التأجيل في البتّ أمراً لا مفرّ منه. ذلك لأن الأطراف المؤتلفة في جبهة الخلاص ليست كلها على درجة واحدة من الوعي وصورة المعاناة الواقعة على الكرد السوريين، الأمر الذي يجعل من الحوار معها ضرورة لها الأولوية، الحوار الذي يبدد مخاوفها، ويؤكد أن الكرد لن يكونوا عامل تقسيم لسورية. ثم إن هناك فئة من هؤلاء لا ترى من الألوان إلا الأبيض والأسود، كما توجد بين الكرد كذلك مثل هذه الفئة، التي لاترى الحق إلا معها، وما سواها على باطل. إننا يجب أن نقرّ بأن أصحاب النظرة الضيقة هؤلاء من الطرفين يحتاجون إلى مزيد من الحوار والرأي والرأي الآخر، في أجواء من الهدوء والتفهّم والتفاهم وإزالة اللبس والمخاوف، وصولاً إلى الالتقاء في منتصف الطريق. فالسياسة ـ كما يعلم الجميع ـ فنّ الممكن، وليست الاستحواذ على الغنيمة كلها، وحرمان الآخر من كل شيء فيها.
وإذا كان الجوّ العامّ في المؤتمر قد اقتضى تثبيت هذه العبارة ضمن هذه الوثيقة “استمرار النقاش حول أفضل السبل لتحقيق الحل الوطني للمشكلة الكردية على قاعدة التوافق في إطار الوحدة الوطنية “، مخافة فرط عقد الجبهة، بسبب قضية أقل أهمية من قضية إسقاط الدكتاتورية، التي اكتوى الجميع بنارها، وإحلال نظام ديمقراطي محلها، ولا شك أن الجميع سيجد في ظله المتنفّس والحرية، فما المشكلة؟ هل وصلنا إلى طريق مسدود؟ لمَ التشنّج وتوزيع الاتهامات يمنة ويسرة؟ هل تمتلك جبهة الخلاص الوطني، أو أي جهة سورية أخرى، كردية أو عربية، عصا سحرية في هذه الظروف، تحل بها المشكلة الكردية؟ وفوق ذلك: هل تمثل جبهة الخلاص كل سورية، بكل أطيافها، في الداخل والخارج، في هذه المرحلة، لنطلب منها وضع حل جذري وسريع للمشكلة الكردية في هذا الوقت؟ أرأيتم لو أنها قدّمت كل ما يريده الكرد من وعود، ثم جاء ممثلو الشعب الحقيقيون المنتخبون في أجواء من الحرية والديمقراطية تحت قبة البرلمان السوري بعد زوال حكم الأسرة الأسدية، ورأى هؤلاء الممثلون غير ما رأته جبهة الخلاص فما الموقف حينئذ؟ ما قيمة وعود الجبهة حينذاك؟
إنّ جبهة الخلاص الوطني في هذه المرحلة تداعت إلى إسقاط النظام الحاكم الفاسد في سورية، وهي تدعو كل الخيّرين من أبناء سورية للعمل على تحقيق هذا الهدف، وإنّ في إسقاط هذا النظام خيراً للجميع، وإنّ هذا الهدف له الأولوية في هذه المرحلة، طبعاً مع الإبقاء على الحوار بين كل الأطراف فيما يخص الحياة السياسية في سورية المستقبل، وفي مقدمتها القضية الكردية.
ثالثاً: في ” برنامج عمل الجبهة في المرحلة المقبلة “:
وفي هذه الوثيقة نقرأ الفقرات الآتية،تحت بند “ثانياً – في مرحلة بدء سقوط النظام”:
د – نظراً لما أفرزته سياسة العزل والإقصاء منذ مطلع عقد الستينيات من قرارات وإجراءات ناجمة عن التعصب الأعمى تقوم الحكومة المؤقتة بما يلي:
1 – إلغاء جميع التدابير والقرارات الاستثنائية التي صدرت لأسباب عرقية وسياسية بصورة غير دستورية أو قانونية كالمصادرة والتهجير والحرمان من الجنسية.
2 – إصدار تشريع يسمح للمواطنين الأكراد بممارسة ثقافتهم بما في ذلك حقهم في استخدام لغتهم في التعليم والإعلام والثقافة وكذلك الاحتفال بأعيادهم الخاصة، وممارسة حقوقهم السياسية كسائر مكونات الشعب السوري في إطار الوحدة الوطنية.
3 – منح الجنسية للذين حرموا منها بسبب إحصاء عام 1962.
المناقشة:
لعل هذه الفقرات هي أوضح ما جاء من قرارات في وثائق المؤتمر الثاني لجبهة الخلاص الوطني، فيما يتعلق بالقضية الكردية، بل هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى شرح أو تعليق، فهي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الكرد على موعد مع أجواء من الحرية السياسية والثقافية والعلمية في سورية لم يعهدوها طوال أربعة عقود من النظام الشمولي، الذي استكثر على الكرد حتى الجنسية السورية التي هي حق لكل إنسان في كل الشرائع، في كل دنيا الناس، ناهيك عن الحقوق الأخرى.
أما القضية الأخرى التي أثارت حفيظة قسم من الكرد فهي التي تتحدث عن ” ارتباط سورية بمحيطها العربي والإسلامي “، الأمر الذي ولّد ردود أفعال غير عقلانية وجعلهم يطرحون في مقابلها ارتباط الكرد بمحيطهم الكردي، وكأن الكرد والسوريين شيئان مختلفان لا علاقة لهم ببعضهم بعضاً، أو لا علاقة للكرد بالعرب أو الإسلام!!
مهلاً يا قوم: إن سورية القوية في محيطها العربي قوة للكرد في كل مكان، وإن أي كردي شريف يؤيد الوحدة العربية التي تكون في المآل قوة للشعب الكردي في كل مكان، لأن العرب لن يتحدوا تحت أي راية سوى راية الإسلام، وما دام الأمر كذلك، فإن الوحدة العربية تعني في النتيجة الوحدة الإسلامية التي تعني بالضرورة الوحدة الكردية أيضاً. وإذا كنا نؤيد الوحدة العربية، فمن باب أولى نؤيد الوحدة الإسلامية، لأننا حينئذ نؤيد وحدة الشعب الكردي تحت راية الإسلام، وهذه الوحدة(سواء العربية أو الإسلامية) لا تعني مطلقاً إلغاء الخصوصيات لكل شعب مسلم، أو لكل فئة غير مسلمة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر: مَن قال إن انتماء سورية لمحيطها العربي يعني ذوبان الكرد في البوتقة العربية؟ مَن ينكر أن شعب سورية في غالبيته العظمى عرب؟ كيف لنا أن نمنع نحو ثمانين بالمئة من السكان في سورية من التعاون والتنسيق مع المحيط العربي؟ ألم يوحّد صلاحُ الدين الكرديُّ العربَ قبل غيرهم؟وهل صار له شأن بين العرب والكرد إلا بعد أن وحّدهم جميعاً تحت راية الإسلام؟ ومَن قال إن هذا الانتماء يعني القطيعة بين كرد سورية وبقية الأكراد في الأجزاء الأخرى من كردستان؟ مَن ينكر على الكرد انتماءهم الكردي والتواصل الاجتماعي والثقافي والعشائري فيما بينهم؟ وبأي منطق؟ وتحت أي مستند؟
إنه لا حياة للكرد السوريين في معزل عن بقية الكرد في المناطق الأخرى، للاستفادة من تجربتهم والخبرات التي يمتلكونها، على الصعيد الثقافي والإعلامي والاقتصادي وغيره، كما لا حياة للعرب السوريين إلا في محيطهم العربي والإسلامي.
إن العلاقة بين الشعوب والأمم متشابكة متداخلة، ومن العبث أن يحاول تفصيلها إنسان بسكّين أو مسطرة.
لكن هذا شيء والتهديد بتقسيم المقسم شيء آخر. إننا مع الأول وضد الثاني.
إن نظرة موضوعية لما ورد في وثائق المؤتمر الثاني لجبهة الخلاص الوطني تجعلنا ـ نحن الكرد ـ ننظر إلى المستقبل بعين التفاؤل والأمل. ولكن هذا لايعني أن نخلد إلى النوم ونمنّي أنفسنا بالأحلام الوردية، وإنما يوجب رصّ الصفوف، وتوحيد الكلمة، ووضع أيدينا في أيدي العاملين بإخلاص من السوريين للوصول إلى ترسيخ نظام حكم ديمقراطي تعددي في سورية، يتنفس في ظله الجميع الصعداء، ثم العمل في أجواء من الحرية على الوصول إلى أهدافنا المشروعة بالطرق التي نرضاها للآخرين.