الرئيسية » شخصيات كوردية » ( سلمان شكر ) عزفٌ منفرد لسومفونية – الألم العراقي-

( سلمان شكر ) عزفٌ منفرد لسومفونية – الألم العراقي-

في السادس عشر من أيلول / سبتمبر 2007 ، أنهى القدر وضع أخر بصماتهِ على سمفونية ” الألم العراقي ” والتي عزفها بصبرٍ جميل الفنان سلمان شكر .
وعلى غير ما جرت عليه العادة بأن يرافق مثل تلك المعزوفات جوق ُ أو فرقة ٌ موسيقية ، كان العزف ٌ منفرداً ، اذ لم يصاحبه أي من مرافقي فرقته ( خماسي العود البغدادي ) .
سمفونية ” الألم العراقي ” لحنٌ بلا وتر ، ونغم نشاز لم يطرب آذان السامعين ، وعزف بغير آلات موسيقية ، وحتى آلة العود التي طالما التصقت بصدره ولم تفارق أنامله في أي سنة من سني حياته ، حتى بدت وكأنه جزء لا يتجزأ منه ، في هذه المرة نأت بعيداً عنه …
وبدل أن تلامس أناملهُ أوتار عوده وهو ” يدوزن ” أوتاره على نغم مقامات السيكاه و البنجكاه والمخالف والبيات والعجم والكرد و النهاوند ، راحت تتلمس موضع الألم من جسده المثقل بالآلام ، وهي تشد قبضتها على راحته لعلها تستطيع حبس الألم أو تُسَّكِنْ الوجع لعلها تستطيع ان تخفف بعض آهاته .
سمفونية ” الألم العراقي ” لم تُعزف على قاعة الرباط او المسرح الوطني او غيرها من القاعات والمسارح والتي طالما استأنست بسلمان شكر وطربت وهي تستمتع بضربات عوده وهو يدندن مقطوعة من تراثنا البغدادي الجميل او من سماعيَّاته (ماهور او رست او نهاوند ) او مقطوعته الموسيقية ( وادي الموت ) ، بل عُزفت تلك السمفونية بين جدران حجرته وهو مسجى فوق فراش الموت وقضى سلمان نحبه وهو يعزف آخر إلحان حياته وعيناه ترقب من حوله باحثاً عن جمهوره فلم يجد سوى نفرٌ من أهله وذويه لازموه في محنته ، حتى أسدل الستار على مسرح حياته .
كانت حروف ” نوتته ” تختلف هذه المرة في كل شئ فليس فيها أي حرفٍ من الحروف السبع التي عرفها سلمان شكر جيداً والتي كان يعرف كيف يشكل منها جملاً تُفهم في كل بقاع الكون فوقفت له الجماهير تصفق لفنه من شرق الأرض وغربها .
حروف ” نوتته ” كانت هذه المرة أنين ، وآلم ، وصرخات آه ، لم يكن فيها سلم ٌموسيقي بل سكرات الموت تنتزع الروح انتزاعاً لتصعد وتتصاعد بروحه إلى بارئها حيث مثواه الأخير .
انتهى سلمان شكر من عزف آخر معزوفاته ، سمفونية ” الألم العراقي ” ، لكن الجمهور لم يصفق له بل بكاه بحرارة وحزن وألم شديد .
مات سلمان شكر وسكنت آلامه ، وانتهى صراعه ُ مع المرض ، ودفنت معه جراحاته ، وسكتت معه استغاثات وأستصراخات الأستاذ عزيز الحاج .
مات سلمان شكر شهيداً يصارع الموت في بيته ضحية من ضحايا التدهور الأمني .
لقد أبى سلمان شكر إلا أن يكون فناناً حتى بموته فلقد رسم لنا بإحساسه المرهف لوحة تعبيرية عن ( الألم العراقي ) ، أظهر فيها الوطن وكأنه منفى ، والبيت كأنه سجن ، وموهبة الله سبحانه جرمٌ يستحق عليها العقاب .
وداعا يا أبا شريف فلقد عشت ” عواداً ” ومت ” رساماً ” ،وسنظل نذكرك مع كل ضربة وتر ومع كل لحن جميل ،
فإلى رحمة الله ورضوانه ونسأل ألله أن يسكن فقيدنا الغالي فسيح جناته وان يلهم أهله وطلابه وجمهوره الصبر والسلوان .