الرئيسية » الآداب » تأملات عميقة في روائع القصائد وجم المشاعر للشاعرة المتألقة نارين عمر

تأملات عميقة في روائع القصائد وجم المشاعر للشاعرة المتألقة نارين عمر

 
دمشق

في القصيدة المتأملة والمتدارسة آنفاً للكاتبة والشاعرة- الديركية- نارين عمر المعنونة بـ ( حلم في رحم حلم ..!!) مما قادتني المشاعر والأحاسيس أن أتأمل في أبيات القصيدة و خاصة في كوامنها الروحية والمعرفية والثقافية عميقاً , ثمة اتجاهان رئيسيان في القصيدة اولا: من الأهمية الأدبية والإبداعية والخيالية ان نصادف في هذا الراهن الشعري الإشكالي قصيدة بهذه الجمالية الشعرية وبهذه التركيبية القديرة في التعبير والتصاوير لما أفضتها الشاعرة عن مكابداتها وخلجاتها وتصوراتها الإنسانية عبر مساحتها الروحية والخيالية التي تمتلكها الشاعرة والمتفاعلة في مشهدها الشعري وهي في غاية الجمالية فيما خلجتها الشاعرة نارين عمر عن حالاتها الإنسانية المؤلمة وبآفاقها الشاسعة كما أنها أثبتت بأن مفرداتها ليست بسيطة تعي الإدراك والإحساس والفهم والتفسير هكذا بالسهولة الممكنة, المحمولة بوجدانيات وهذيانات وتأملات غائرة. ثانيا أقول بأنها قصيدة رائعة التصوير والجمال, والأدق في محتوى القصيدة الكمالية البارزة والمكتسبة للعناصر المهمة في الشعر كـ اللغة – الخيال – الصور البيانية , الرمزية – إلى فنية التعبير والدلالة ومن ثم الحالة الروحية الشفافة والسلسة التي تمتلكها الشاعرة .ربما يلاحظ قارئ الشعر في بعض جمل القصيدة صور شعرية مرتئية أعتقد هي تحمل دلالات كثيرة وربما فيها قليل من الغموض أيضا . ما لفت تأملاتي أكثر هي عنونة القصيدة ذاتها وما توجت بها اسم الشاعرة على مسرد الصفحة على ما يبدو أنها مدركة جيدا في بناء قصيدتها بالمتحولات المشهدية و خاصة في ايطاراتها الفرعونية , نستشف من ذلك وكأنها تحمل شهادة تندرج في اختصاصها مساحة ثرية من الأدب العربي , لهذا ان نارين عمر أدركت جيدا كيف تهندس قصيدتها بجمالية وشفافية رائعة وترفض بطريقتها الرمزية منبهة إلى شريحة من الآدميين بأنهم لازالوا يؤمنون بالظواهر والسطحية أو المظهرية مؤمنين بها ليتلمسوا فيها أحلامهم اللزاورية , من الواضح أيضا أنها تنادي بصرخة شاعرة وإنسانة معاً تحث المعنين برؤاها الشعرية إشارات بعدم الاعتماد والاتكال على تلك الأوهام والاعتقاد في تصاوير المعالم المستقبلية للحياة الشخصية التي يقتادونها وخاصة في الجانب الهامشي منها لربما قد تخيب ألآمال والطموحات و بالتالي سيمضون إلى الإرباكية الحياتية بذلك متدرجين في قاع المكان وستتيه بهم الدروب والممرات .فتأمل عزيزي القارئ : مدخل القصيدة وهي تتخيل الحالة المنكسرة عندهم وهي بسبب الوجوه الكئيبة وأنين الأحلام والآمال المبعثرة على ناصية البراري المتعطشة وهي تبوح في الذوات وكيف يسعون بتغير نمط العلاقة في حياتهم إلى درجة أفضل وهم أدرى من تلك المفردات والتعابير, حقيقة ذاتهم المعنية في هذا النص المنكسر تبوح نارين عمر في قصيدتها وهي كاملة الأبيات المعنونة بـ ( حلم في رحم حلم )
أبـكي
تتجمّعُ كلّ حبّاتِ النّدى
في مآقي الشــــــــــجرْ
تعلنُ تضامنها
تسكبُ قطراتٍ تفيضُ نهراً أو نبعاً
ترسمُ الأفئدةُ حلقاتها في شغافِ الألباب
كلها تحسّ بي حتى المنحوتة من حجرْ
المآقي…تعلنُ حدادها
النّفوسُ تصارعُ شغب الضّجر
تهضمُ الطيورُ سيمفونيّة الأسى
الحجلُ يقضمُ أناملَ القفص
والسّنونو ينقضُ هدنة الهجرْ
وهذه هي القصيدة التي ذكرتني بقصيدتي المنسية التي تركتها في الدرج منذ وقت طويل وشجعتني في البحث عنها وفي الأخير عثرت عليها بصعوبة وهي شبه متقاربة للقصيدة المتدارسة وأنا أفكر فيها حالة طير صغير وهو معتقل في قفصِ معلق على مدخل حديقة منزلية أزاهيرها حبقية وماءها في صندوق زجاجي وأشجارها الورافة يداعبها نسيم الصباح ولكنها لا تهتز وريقاتها كلياً لأنها مصنوعة من الجص يحدق الطير فيّ وكأنه يريد ان يقول لي ( لا أعرف ذنبي ولكنني الآن موجود ها هنا , سيدي يقدم لي طعاما وشرابا .اصرخ وبأعلى صوتي ضجراً لأ نشد بصوتي شراباً أو انتف ريشي جوعاً كلا .. كلا .. كلا .. أغرد للقادمين للطائرين في سمائي, أيدرككم نوح بوقي أن سيدي سلس لا يدرك ذوقي)..؟ تؤكد الشاعرة من خلال قصيدتها التالية وهي تصرخ بأعلى القوة التي تملكها لتدوي المساحة الإنسانية في الشعر: إن الجمالية الحقيقية هي مع الذات وفي الروح , ومن ثم إشراك الآخرين في التفاعلات والتواصلات أن كانت ثقافية أو إنسانية أو اجتماعية .
وقد اكتشفت لنا الشاعرة نارين عمر ومن خلال القصيدة المتدارسة تعيهم جيداً كيف أضاعوا الصدق والشفافية في قلوبهم الحيارة , وحتى في دوائرهم الاجتماعية والإنسانية , ويظهر هذا بضوح, من خلال مناداة الشاعرة وصرخاتها المستغيثة على تلك الطائفة الضائعة عن شخصيتها و عن ذاتها الحقيقة والمعتمدة أصلا ًعلى أشياء جامدة غير المتحركة راغبين بتغير الواقع الملموس بطريقة مزاجية, وحتى الرغبة في تغير الوجوه وجغرافيتها النيرة في الحقول الذين يقتاتون فيها و دائرة علاقاتهم .لهذا هي تتلمس هذا الانكسار الموجع والكثيف في القلوب الجامدة , في ذات الوقت نقرأ بكل سهولة الحالة المستعصية والصدئة والتي تقشعر لها الأبدان عبر قصيدة نارين عمر والتي تكشف فيها القلق المتدرج لدى البعض من خلال فلاشات سريعة تقوم هي بالتعّرية بمعرفتها الثقافية خلال الموجود في كوامنهم – وفي إحدى المقاطع – وهي تتصور الهذيان الروحي لديها أنها كالجداول يفيض منه التأوه والنجيع على الجوامد والسواكن , لربما تريد لا بل أخذت على عاتقها الإنساني للمضي بهم بان يتركوا تلك الأوهام والخيالات السوداوية , ولكن هيهات أن يشاطروا روح الشاعرة الجميلة وطموحاتها بأخذهم إلى سوية أجمل ومشاهد أرقى ورغبة قوية بتطهير أرواحهم من الأشباح والكوابيس الليلية خلال الأحلام المرضية التي يحلمون في مناماهم .
إن الشاعرة نارين عمر كردية في جذورها ومولدها , ونشأتها لا بل حتى في مشاعرها الجياشة, بدون شك هي في مساحتها الانسانية والثقافية والاجتماعية والقومية كردية، معلنة عن أفكارها الجادة , والموضوعية ورغباتها بإصلاح المجتمع التي ترى أنه قد وصل في بعض حالاته إلى مستوى دوني من الحالة الطبيعية للناس وهذا حينما ترغب أن تتحدث عنهم تصورهم وكأنهم فقدوا العاطفة بل وهم يظهرونها و يبينونها للمطالعين لحالتحم بطريقة مكشوفة حتى ليدركوا أنهم ليسوا أحرارا حتى فيما يشتهون و يرغبون , تسامرهم الأحلام اليومية خارج براري الحقيقة المتاحة لربما تأخذهم الخيال بان يظهر لهم ماردا عملاقا ويحقق لهم غاياتهم والطموحات هذه من الناحية أما ما تريدها نارين عمر مختلف تماما فهي تسعى لإصلاح المجتمع عبر الكتابات والدراسات والقصائد والأحاسيس ومشاعرها المرهفة التي تمطر حلاوة في أرضية الزمن المر وعلى الصدور الخشنة المصابة بالربوة فروح القصيدة عندها تنفخ في سعال الجاف أوكسجينا عذبا ترتوي بها هؤلاء المصابين حتى إشعار آخر , تعود بهم نارين عمر بالإرادة الجبارة إلى المحورية الأساسية الا وهي الرغبة الجادة بالعودة إلى الذات وتقييمها وتغسيلها من الأوهام على ماتقوم بها لانعكاسات رؤيتها للأمكنة وللشخوص الموجودة في أغوار دائرة علاقاتها الثقافية والمعرفية , تقول عن ذواتهم المنكسرة لتؤكد للقارئ أنهم لم يلمسوا الحقيقة بعد ..!! المفارقة الجميلة والرائعة – هي أن نارين عمر أدركت كيف تقوم بترجمة حالة مجتمعها المؤلم خلال قصيدة وحيدة إجادت التعبيرعما تريدها بلغتها الرائعة ، بعيدا عن المواربة الفكرية والثقافية و التكسب الشخصي والأنانية اللازمة، خصوصاً الظاهر في قصيدتها ، وبين ذلك الكم الكبير من أهل الأدب والفكر .تمكنت بقوة مفرداتها وتعابيرها السلسة وخيالاتها الخصبة أن تنشر قصيدتها في المشهد الثقافي والشعري على حد سواء بقوة من خلال ثقافتها الأدبية والشعرية العميقة , وبلغتها الشفافة والسلسة بعيدة عن لغة القواميس التي تقتل الفكر والابداع أن تعّرف الآخرين ممن التقت بهم خلال كتاباتها وأشعارها ودراساتها الاجتماعية المتعلقة بالجانب الإنساني بشكل عام، وهي تنادي الآخرين بدفن المفاهيم العنصرية والانانية وقتلها تماما وعدم الاستعانة بها وتعكيسها وتصديقها و تكذيبها إلا أنها مازالت تؤمن بان ثمة طائفة ضالة تؤمن بالتنجيم الثقافي والأدبي والشعري وحتى السياسي ايضاً ولهذا ترغب بمعاكسة الواقع الملموس من وجهة النظر الذي يعيشون فيه خاصة في أوضاع تشبه الكوابيس مترجمين وجودهم إلى واقع تتخيل الحياة المعيشية بالأشباح والمقابر والجثث المتفسخة إلى حد الهلاك وهم أحياء وهي تفضح هذه البانورامية المجتمعية المدارة حولها بما فيها من الوجوه الكئيبة وتقدم هذا الواقع من خلال أسلوبها النثري الجميل على الملأ ,و أنها تحث هؤلاء الرجال وعصرهم ( قد أودعن دارك يا صاخب الصوت أوتارك) , لذلك إن الشاعرة نارين عمرمازالت بإرادتها القوية وروحها الخلابة تأكد بأنها غير مقتنعة بغيبات القدر والأحلام , وقراءة تقاسيم الكفوف. فهي إنسانة مدركة ومثقفة وواعية لهذا لا ترى الخلاص بهذه الحالة ولا منافذ ستفتح ليعبروا إلى دنيا الواقعية والحقيقة ,والملموس ماضين في سراب و خيال , وترغب أن يتلمسوا فيما ما يدار من الأفكار وكيف سيتفاعلون مع ما حولها من البشر والكائنات المتفاعلة لأنهم فقدوا الرؤية الدقيقة للعاطفة والمحبة ويرفضون مطلقاً ًالتحاور مع الحالة الراهنة الموجودة تعلنها بطريقة رمزية ولهذا تبين لنا الشاعرة انكسارا ت في إدراك الآخرين أو الذوات الأخرى- أي تبحث عن قوة وإرادة جبارة تقوم بوظيفة التغير واخذ المشهدية إلى درجة راقية من الفهم والتحاور واحترام الذات . من هنا أن الإنسان هو الذي يعمل جاهدا لتطوير الحالة الاجتماعية والاسروية عنده , لهذا نارين عمر لا تبصر في الحياة غير الشفافية الوحيدة , وهي الصدق والمحبة الجدية والعدالة الاجتماعية بجميع تعبيراتها أما البعض فالأحوال عندهم معرقلة ومختلفة للطبيعة العامة للبشرية ككل أو الرغبة الثاملة في الذهاب إلى عالم آخر خاصة باتجاه الانانية أي تعذيب ذات الآخر و مغادرة هذه الحياة الغير جميلة طبعاً هذا من وجهة نظر القلة. فيبدو بأنهم غير مدركين في المساهمة الفاعلة في هذا المجتمع الذي لا يرضون بها ولا يرغبون في التفاعل مع تركيبتها وإذا تأملنا في مفردات تلك الأبيات نجد وبضوح ان الشاعرة تتملك الإرادة القوية في مواجهة التراكمات السلبية للبشرية , والأمكنة , وشخوصها لهذا ترغب بالارتباط مع مجتمعها, وعدم الانفكاك عنه وبالتالي عدم الهروب إلى مجتمع آخر ومضاد فهي تسعى وتجاهد ان تضرم النيران بالموجود السلبي و السعي بتغيير نمط التفاعل معهم بقدرتها على ما تصب عليه . في الأبيات آنفة الذكر تتخيل الشاعرة اللقطات الموجعة والمؤلمة المشهد تلو الأخر ثم الإياب إلى محور البداية , ترغب بتغير كوامنهم الداخلية , وهي تكشف الفشل الجالي والصريح عندهم , لأنهم يشاركون تقديرات الآخرين في انكسارا تهم للنظر معا ًكيف بدأوا بتدمير ما أسسه على الأوهام والرؤى الكاذبة إنه الانقلاب الحقيقي على الذات عبر الرؤية الحقيقية ومكاشفتها في ذاتهم , من ثم ينتقلون إلى اعتقاد آخر فعلا كما عنونة قصيدتها ( حلم في رحم حلم ..!!) المتشابه للحالة التي تريدها هي في الحقيقة الخلاص من الأوهام المفزعة المريضة و الأنانية( المتنرجسة) والتي هي بالأساس متعمقة في سلولكيتهم الغير صحيحة و تندرج في الحالة لامرئية عندهم , وتظهرها بكل وضوح . تلعن العقول الثباتية وهي كالتماثيل المنحوتة من حجر تذبح في أرضيتها القرابين الهزيلة والمريضة .
أن قصيدة نارين عمر ( حلم في رحم حلم..!! ) هي عبارة عن نجاعيات روحية عبر مكابدات شاعرة كردية , تعيش إرباكات البراري الكردستانية تحن للكلمة الجياشة والجادة والهادفة بعواطفها الصادقة والى انتمائها إلى قبيلة الشعر والأدب عن فهم وإدراك ووعي ,روحها مرتبطة بأوصال الحب والكلام والوطن والقصيدة بكل جوارحها , لا إطراء أو مجاملة أحيانا وأنا أتابع كتاباتها وقصائدها , أجد إنسانيتي أمام أنغام قصيدة عذبة وقد عزفت بأنامل شاعرة قوية وموهوبة انه الشعر من خلال نفحات العشق الصافي لديها وأقول جازما بأنه سيزداد نقاء وشفافية في المستقبل الأتي لأنها جريئة. فأدركت الجرأة من المرأة الكردية نارين عمر وهي شاعرة بالفطرة الإلهية حيث جمال الطبيعة الخلابة في ربوع ( ديركا حمكو) وجداول الأنهار في (جم شرف )المتدفقة من الشرايين الجبال التي تنزف دما وتصرخ أرض الآباء والأجداد قائلا : (توالت السنونو على مقبرتي ..مئات الربيعات اخضرت , بجوارها مشتهي الحياة ضاحكا نساني وغداً بجواري مدفنة تراها , أمي ناحت وفاضت دموعها , لفني بثوبا لا سواه , ادري أيها المشتهي كنت جسد وروحا , جاورت التجاوز وإذا بي عاجزاً , فقدت راحة الكفين ليس بمعجزة ) .( اعلم أخي … ابن عمي عميتني في الدهاليز لسرحاني قد رميتني , عن الجوع والعطش ما ناديتني , بالبخل سقيتني.. بالجفاء عاديتني) .
إذا وهكذا نرى بان الشاعرة تنسج القصيدة من الخيزران لتكتسب بها الفقراء والأثرياء وان لفي عبق القصيدة عندها فواحة كرائحة خبز تنورها المعطاء ونقريها الممتلئ بحبوب وطنها المجروح لتقتات بها الملايين من جياع شعبها الصامد بعبارات إنسانية تهز عباءة الزمن الرديء وتقذفها في هاوية الزمن .