الرئيسية » مقالات » المتنبي والمعرّي وفايروس الشيطان

المتنبي والمعرّي وفايروس الشيطان

– 4-

أنشدتُ لشيخ معرّة النعمان أبي العلاء:

والذي حارت البريةُ فيهِ
حَيوانٌ مُستحدَثٌ من جمادِ

إنتفض المتنبي محتجّاً قائلا يبدو أنك قد تخليتَ عني وربما قد خُنتني.
يا حافظ ويا ساتر! ماذا جرى يا أبا الطيب؟ هل كان نومك الليلة سيئا؟
قال كلا ولكن كنتَ دوماً تستشهد بأشعاري وأقوالي حتى عدّك البعض واحداً من تلاميذي وأحد الكواكب الدائرة في فلكي وأطلق عليك بعض شعراء المغرب صفة
” ظل المتنبي”. أما اليوم فأراك تستعين بغيري. ما الذي غيرك فجعلك تستشهد بشعر أبي العلاء المعري؟ أبِنْ، فقد إلتبس الأمر علي.
إعتذرتُ. طيّبتُ من خاطر أبي الطيب. قلتُ له إنها نزوة، مجرد نزوة أو سهو أو خطأ غير مُتعمد. ثم، أضفتُ، إن المعري هو الآخر أحد طلاّبك وتابعيك من الكواكب السيارة ومن أشد المعجبين بك. قال فد قبلتُ عذرك. أعدْ قراءة هذا البيت. أعدتُ قراءته ترنيماً. قال قفْ قفْ. لماذا قرأته ترنيماً؟ قلتُ إحتراماً لمقام صاحب البيت الشعري فالحُفّاظ هم خيرة مُرتلّي القرآن الكريم. والشاعر كما تعلم وأعلم رجل بصير، أي أنه منتمٍ إلى عالم الحَفَظة. وكانت لديه حافظة عجيبة غريبة حتى لقد رويت عنها الأساطير. قال أراك تركّزُ هذه الأيام على كلمة “حافظ”. قلتُ أجلْ، ملاحظتك صحيحة!
عنَّ فجأة لي أن أُغير سياق الحوار فسألتُ أبا الطيب هل يعرف إبن خلدون. قال كلا، بل أعرف إبن زيدون. قلت قد إنحرفتَ قليلاً عن حيادك. تتجاهل المفكرين والمؤرخين وتنحاز إلى صف زملائك الشعراء الذين يتّبعهم الغاوون. قال لا والله، ليس فيَّ أي ميل خاص لأيما أحد من البشر. كل ما في الأمر إنك وضعتني بين خيارين أحلاهما مرُّ. إبن خلدون وإبن زيدون… كلاهما كإبن آوى إبنٌ لأبيه خلدون وزيدون. بينما أنا- صديقك- كنتُ كما كنتُ على الدوام أباً بالكنية المعروفة عني: أبو الطيب. وأبو في نظري أفضل من إبن. ثم إنك تعرف من كان ” إبن أبيه”. في” أبو” قوة الأولوية وسطوة الزمن. أما “إبن” ففيها معنى ومذاق التبعية والخنوع والدونية. قد لا تتفق في ذلك معي، لكن هذه هي قناعتي وإجتهادي الحر.
سمعتُ صوت تصفيق حاد لم ينقطع إلا حين صرختُ بأعلى صوتي: قفْ، ما هذا التشويش والتطفل؟ جاءني الصوت صافياً أنا هو، أنا الفايروس أنا إبليس أنا الشيطان الرجيم المطرود والهابط من الجنة مع إيقاف التنفيذ. أنا فاوست غوته والنار الأزلية التي تضيء ظلامكم. أنا منافسُ ومتحدي أبيكم آدم إذ قلتُ لربي في سورة الأعراف ((… أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين )). وحين أمرني ربي بالهبوط من الجنة قلتُ ضارعاً متوسلاً (( أَنظرني إلى يوم يُبعثون. قال إنك من المُنظَرين)). لقد أوقف ربي قرار طردي من جنة الخلد فبقيتُ فيها كما تراني خالداً أُوسوس وأُحرّض وأشاكس وأتحدى لكنه نفّذ قرار طرد أبيكم آدم بعد أن وسوستُ له ولزوجه فذاقا من الشجرة التي نهاهم الرب من الإقتراب منها (( فكُلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )).
وحين خالفا وإقتربا من الممنوع المحظور وذاقا المُحرّم (( قال إهبطوا بعضُكم لبعض عدوٌ ولكم في الأرض مُستقرٌ ومتاعٌ إلى حين )).
أنا المعارض الأول ومحامي الدفاع الأزلي. لم تتعلموا شيئا من آدم لكني علمتكم المحاججة والمنطق والحوار والسؤال والجواب. علمتكم المناورة في الكلام والكر والفر. وليكن معلوماً أنَّ من يخالف ويجادل ربه لا يخشى صدام حسين وأضرابه ويقف شامخاً أبياً في وجه الطُغاة والمستبدين والمنحرفين من الحكّام. أنا من يحسن التحكم في معادلة الرضوخ- الشموخ. أنا من يُميّل كفة الميزان في ساعة الحرج حين يُنتظَر الفَرَج. قلت له قد أَبنتَ وتوسعت وأحسنتَ القول لكن دعني أسألك: هل أنت زرادشتي مجوسي؟ قال بإمتعاض كلا. زرادشت وبروميثيوس كلاهما سرق النيران مني ثم تعلما كيف يوقدانها في رؤوس الجبال وفي بيوت النار.
على حين غرّة سمعت المتنبي يُغمم بصوت منخفض مرددا : النقاش، الجدال، المعارضة، المنطق. جميل، يبدو أن موجة الحرية قد ضربت أبا الطيب وهو في الأعالي بين الكواكب والنجوم. سألته ما الخبر؟ قال أخيراً وصلت الحريةُ بلاد الرافدين مع قوات التحالف. تم إستيرادها في صناديق مكتوب على بعضها
Made in USA وعلى البعض الآخر Made in UK . وبين هذه وتلك رسم هندسي بستة قرون!
إنتهزتها فُرصةً ذهبية لأحاور الفايروس اللعين الذي لا ينفك يوسوس في صدور ورؤوس الناس بحضور المتنبي. قلتُ له كن صادقاً وحددْ لي موقفك: هل أنت مع صدام حسين أم مع مجلس الحكم الإنتقالي وما أفرزَ من وزراء طلعوا علينا من تحت آباط وصلعات ورؤوس وعمائم أعضاء هذا المجلس؟ قال هل لديك الوقت والصبر الكافيان لتستمعَ إلى ما سأقول بأمانةٍ وشرف؟ قلتُ أجلْ ، وسيكون المتنبي شاهداً على ما ستقول لكي لا تبدّلَ فيما بعدُ إفادتك. قال:
كنتُ كغالبية العراقيين مبغِضاً لصدام حسين ومعارضاً له ولنظام حكمه. تحمّلتُ كما تحمل غيري سجونه وتبعات تقارير أجهزته الأمنية والمخابراتية. قاسيتُ من حروبه وغزواته وأسلحته الكيمياوية وغير الكيمياوية. ثم تحملنا جميعاً الذل والجوع والحصار والهوان. صحيح، لم أرفعْ ضده السلاح ولم أسبّه في الصحف ولم أُحرّض الجماهير ضد نظامه. لكني مع كل هذا البلاء العظيم لم أغادر هذا العراق( أو العراك ) ولم أحاول الهرب إلى بلدان اللجوء،لأني بسليقتي أعرف أنَّ منْ لا وطن له في حياته لا قبرَ له في مماته. آثرتُ البقاء مع بقية العراقيين في العراق… مقبرتي في الدنيا والآخرة . وتحملّتُ كما تحمّلَ غيري من ويلات حروبه وجنونه ورعونته وأُصبتُ إصابة بالغة في جبهات الحرب مع إيران فأصبحتُ مُعوّقاً من الدرجة الأولى. بإختصار شديد، ما كنتُ يوماً مع صدام حسين وحزبه ونظامه وأجهزته السرية والعلنية الرهيبة لكن، وأقولها صريحة جهاراً نهاراً سافرةً أمام وجه الله، لا أجد نفسي إلاّ مُعارضاً لمجلس الحكم الإنتقالي( وتشكيلته الوزارية/ تمخض الجبل..) الذي أتتنا به قوات الغازي والمحتل على سطوح الدبابات وفوّهات المدافع. أيةُ حرية تأتينا بها طائرات الفانتوم والشبح وصواريخ كروز وآرو. أنا مثلك معارض وسأرأس مثلك تحرير جريدة أسبوعية تستقطب أقلام المدافعين عن الديمقراطية والحرية في عراق ما بعد صدام حسين. سأرفع في العدد الأول منها شعاراً يقول: إنما يحكم العراقَ من أبنائه العلماءُ والمناضلون والثابتون على عقائدهم. لا مكان فيه لوزير مستورد متقلب الرأي والعقيدة أو نصف أمي أو يحمل شهادة مشبوهة غير مستوفية للشروط العلمية والأعراف الأكاديمية. الولاء للعراق شعباً وماء ً وأرضاً وليس لقوات الغزو وإسرائيل. نعم، أنا معارض معارض معارض حتى آخر النفس. وسأبقى في صف المدافعين عن حقوق الإنسان العراقي المظلوم منذ سومر وأكد وبابل وآشور. سأُقاتل بعكّازي وساقيَّ الصناعيتين مرداويج الديلمي وبجكم التركي وهولاكو وتيمور لنك. سأُقاتل سلاطين آل عثمان ومن ثم الجنرال مود وكوكس وكورنوآليس والمس بل (الآنسة جَرَس… هذا هو إسمها Miss Bell ). هذه الجرس كانت سكرتيرة( المغفور له) الملك فيصل الأول( مؤسس الدولة العراقية)!.
بعد أن فرغ من بيانه المطوّل سألته بكل هدوء: ما دمتَ معارضاً للوضع الجديد – القديم القائم اليوم في العراق، فهل ستصطفُ مع صدام حسين إذا ما قام كعيسى حياً من جحره المختفي فيه؟ قال دون تفكير أو أدنى تردد: كلاّ، كلاّ. ما كنتُ يوماً في أوج عنفوانه معه. لن ولن أصطفَّ معه. ماذا تبقّى لي منه وماذا خلّف لي صدام حسين غير الفقر والعاهة المستديمة؟ ماذا أرجو منه بعد خراب البصرة؟ صدام كعهده أبداً يبحث عن مقاتلين ومغامرين ومرتزقة وجواسيس وعن أشباه رجال يصفقون له ويمجدونه بالتماثيل والشعروالصور، ويسجدون له صنماً دون رب العالمين. وأنا كما ترى لا أصلح لأيٍّ شيء ولا أشبه أياً منهم.لا أستطيع القتال ولا أقول كعبد الرزاق عبد الواحد شعر المديح والنفاق والإستجداء ولا أصنع التماثيل كإسماعيل فتاح الترك ولا أغتال معارضيه كطه ياسين الجزراوي والكيمياوي علي حسن المجيد وأضرابهم ممن تعرف ويعرف الجميع. إذا ما قام الأعور الدجال من قبره فسأعلن الإضراب العام عن الحياة. سأعتزل الحياة وأسجن نفسي كأبي العلاء المعري في عقر بيتي. سأضع نفسي في أكثر من سجن وليس مجرد سجنين كما كان الأمر مع أبي العلاء.
بعد أن نال التعب منه قلتُ له يا سيد فايروس، لكنْ إذا ما بُعِث صدام حسين حياً فسيكافئك ويُجزيك الجزاء الأوفى لأنك كنتَ معارضاً لمن حكم العراق بعده. قال لا حاجة بي إلى مكافآته. مكافآته كانت أبداً من أموال العراق وليس من بيت مال أبيه. سأواصل عندئذٍ معارضتي له ولكن بالسكوت والعزلة. لا أستطيع المجالدة والنطاح والتخاصم وأنا مُقعد. إذا رُفع الحَرَجُ عن الأعرج فيما يخص الحج والجهاد في سبيل الله فما بالك بكسيح مثلي. أضفْ إلى ذلك إنني رجل لا طموح لديَّ ولا أمل في منصب رفيع أو إمتياز وظيفي مما يُغدقه المحتلون على ما ومَن يصنعون من دُمى وقراقيز. ثم لا أحد يستوزر في هذه الأيام مُقعداً كسيحاً. وبمناسبة الإستيزار والوزارات والوزرات و ( الوُزَرَة ) أرى أنَّ وزراءنا المستوردين والمحصّنين بسور سليمان وشارون وبوش ليسوا بأفضل كثيراً من وزراء صدام حسين. الرهطان يُدينان بالولاء، ويبقى الولاء هو الولاء وتبقى الصلاة هي الصلاة وإن إختلفت طريقة التوجه إلى القبلة. قِبلتان مختلفتان لصنمين مختلفين ولا شيء غير ذلك. ويبقى العبدُ عبداً في سوق النخاسة. تستطيعُ أن تضيفَ فرقاً آخر هو أن وزراء صدام حسين كانوا عمياناً وحميراً مخصيّة، أما هؤلاء- أجلّكم الله – فعُورٌ ومُعوّقون مثلي.
أسرني هذا الإبليس الفايروسي بسحر منطقه فأغراني أن أسأله لماذا يُصرُّ أبداً
و دوماً على إتخاذ موقف المعارض وقد آن الأوان للإخلاد إلى الراحة مع العلّة البدنية وتقدم العمر. قال إنَّ قوة الحياة فيه ووضوح أشعة الشمس ونورها أمام بصره وبصيرته يجعلانه شامخ الرأس معافى قوياً رغم العلة البدنية، بل وجبّاراً. ثم، أضاف، إن لديه شعوراً وُلِد معه فطرياً يوحي إليه أن الحاكم – مهما إدّعى وأفرط في الكلام عن الدمقراطية وحرية الرأي والتعبير – يميل هو الآخر بقوة غريزته للسطوة والجاه والتفرد بالأمر والسلطان.
سألني هذا الإبليس سؤالا لم أكن أتوقعه. قال هل قرأتَ قصة الفلاّح المكسيكي الثائر ( زاباتا ) الذي تحول إلى مُتعسِف متسلط ودكتاتور بعد نجاح ثورته وإستلامه للسلطة رئيساً للجمهورية؟ قلتُ نعم، رأيتُ القصة فيلماً سينمائياً حيث مثّل الممثل المعروف مارلون براندو دور زاباتا. واصلتُ كلامي فقلتُ هل نسيتَ عزيزي وأنتَ الثائر الفايروسي المثل العراقي الذي يقول ” كل من يُمسك الدُف يغني “؟ السلطة دُف مرنان يفرض الطرب على من يُمسكه بيديه. وإذا طرِبت النفوس طابتْ وغنّتْ. قال، والدموع أراها تكاد تسيل من بين أشفارأجفانه الحمُر، ذكّرتني بالمرحوم المطرب سعدي الحلي حين قال في إحدى أغانيه فأبدع (( كِلمنْ أخذْ حصته/ ولا حصة لي ولا سهم ))…
خرج المتنبي في هذه اللحظة من صمته العميق وهو يردد بصوت منخفض عميق:

خفِف الوطءَ ما أظنُّ أديمَ أل
أرضِ إلاّ من هذه الأجسادِ

سِرْ إنْ اسطعتَ في الهواء رويداً
لا إختيالاً على رُفاتِ العبادِ

رُبَّ لَحْدٍ قد صارَ لَحداً مِراراً
ضاحكٍ من تزاحمِ الأضدادِ

ودفينٍ على بقايا دفينٍ
في طويلِ الأزمانِ والآمادِ

ضجعةُ الموتِ رَقدةٌ يستريح ال
جسمُ فيها، والعيشُ مثلُ الرُقادِ

والذي حارت البريةُ فيهِ
حَيَوانٌ مُستحدَثٌ من جمادِ

إختفى الفايروس المعارض والمُشاكس فخلوتُ بصديقي المتنبي لأسأله متعجباً لماذا تذكّرَ شعر أبي العلاء المعرّي في هذا الظرف وفي مناسبة الحوار مع زعيم فايروسات المعارضة الشيطاني؟ أجابني قائلاً ألم تقرأ رسالة الغفران للمعري؟ قلتُ قد قرأتها ألف مرة. قال إذا ً لِمَ إستكثرتَ عليَّ قراءة بضعة أبياتٍ من إحدى أكثر قصائد الرجل شهرةً في رثاء الأموات؟ هل أُعيدُ عليك شرح هذه الأبيات؟ طيب، إسمع: الهواء،السماء،الأجساد، رفات البشر، اللحد، الدفن، الموت، التراب ثم الأرض. قلتُ له وما هي دلالات هذه المفردات؟ قال إنها الجسر الذي يربطك بي ويربط عالمكم أنتم أهل الأرض بعالمي، عالم السماوات. هنا جمع هذا الشاعر والفيلسوف الأعمى أبو العلاء ما بين عناصر الأرض وعناصر السماء. أراد أن يضعكم أمام عالمنا متقابلين. مثلاً: تدفنون رفات أجساد موتاكم تحت تراب أمكم الأرض. بينا نحن خالدون لا نأكل طعاما ولا نموت وليس لدينا أرض نُدفن تحتها. ببساطة، لسنا مضروبين بقوالب أجسادكم الفانية وكلّ من عليها فان. تتناولون الطعام لتبقى أجسادكم حيّةً لكنكم تأكلون بهذا أجسادكم وتقرّبونها يوماً بعد يومٍ من حافة الهاوية – القبر. ألم تسمع قول إبن شبل البغدادي:

صِحةُ المرء للفناءِ طريقُ
وطريقُ الفناءِ هذا البقاءُ

بالذي نغتذي نموتُ ونحيا
أقتلُ الداءِ للنفوسِ الدواءُ

بقاؤكم هو الطريق الذي يأتيكم منه فناؤكم. بعد إبن شبل بقرون عدّة قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في كتابه ” الوجود والعدم ” (( عن طريق الوجود يتسرب العدمُ إلى الأشياء )). نفس فكرة وصياغة البغدادي ( وطريقُ الفناء هذا البقاءُ ). أرفضوا هذا البقاء وإلتحقوا بي على الفور وقبل فوات الآوان. أجسادكم وبقاؤكم هما جسر العدم وطريقه. أنتم أجساد مؤجلة الدفن وقبورها جاهزة منذ لحظة الولادة. أنتم قبور تتنفس طافيةً على حركة تيار بحر الزمن الجارف. حياتكم دَينٌ في أعناقكم عليكم تسديده كاملاً إذ تحين ساعة الدفع وتسديد الحساب. أنتم ضحية جدلية الصراع الضاري بين ثنائية الحياة – الموت، وهي معادلة مُختلّة ينتصر فيها الموت في نهاية الأمر على الحياة وأنتم لا غيركم كبش الفداء وناتج المساومة.
أفزعني حديث الموت وشعرتُ بالغبن والأسى أني أسعى بجسدي وعللي إلى موت أكيد. هل ألتحقُ بإبن عمّي جلجامش السومري في مغامرته المجهولة للحصول على عشبة الخلود الذي أضاعه أبونا آدم؟ الموت حفّز جلجامش أن يسعى لإيجاد وسيلة مضادة له، توقفُه وتنتصرُ أخيراً عليه. كان موت صديقه وحبيبه وندّه أنكيدو الدافع والمحفّز الذي جعله يفكر بالخلود ومن ثم البحث في الحياة عن سرهذا الخلود.
أرى أمامي ثنائية الفناء – الخلود جداريةً من الإسمنت المسلّح ساخرةً من وساوسي ومن فزعي غير المبرر من الموت:

يا موتُ زرْ إنَّ الحياةَ ذميمةٌ
ويا نفسُ جدّي إنَّ دهرَكِ هازلُ

تنحنحَ المتنبي وهمَّ أنْ يقولَ شيئاً فرجوته أن يتريثَ قليلاً وأن لا يقطعَ مسلسل أفكاري. قلتُ له أعرف ما تريد أن تقول، أعرف إنه بعض شعرك. إسمعْ: جلجامش يبحث عن عشبة الخلود وأبونا آدم يُمنعُ من الإقتراب – مجرد إقتراب – من شجرة الخُلْد. صرخ المتنبي قائلاً ولماذا يقترب آدم من شجرة الخُلْد وهو في قلب جنّة عدن التي تجري من تحتها الأنهار وحيث حور العين والولدان المُخلّدون والوجود السرمدي؟ كان آدم خالداً فلماذا طمع وتمادى وطلب المزيد من البقاء الأبدي؟ قلت له مُهدئاً إنه حب الإستطلاع في البشر والبشر من تراب. أما الشجرة فهي شجرة معرفة الخير والشر وأداة لإختبار طاعة آدم وإستعداده لقبول الأوامر والنواهي. والدليل هو(( فوسوس لهما الشيطانُ ليُبدي لهما ما وُريَ عنهما من سَوأتهما…، فدلاهما بغرور فلمّا ذاقا الشجرة بدتْ لهما سَوأتُهما وطفِقا يخصفان عليهما من ورق الجنة…/ سورة الأعراف/ 20 – 22 )). كان الخير والشر يصطرعان في آدم فتدخل الشيطان في اللحظة الحاسمة ليُغيّرَ ميزان القوى فينتصرعنصرالعصيان في نفس الإنسان على عنصر الإذعان.
سمعتُ صاحبي يقول في شيء من الخشية والتردد: من قال إنَّ الخيرَ في الإذعان والشرَ في العصيان؟ هل كان الساكتون والخانعون والمنبطحون على البطون والظهور زمان صدام حسين… هل كانوا أخياراً؟ وهل كان معارضوه أشراراً؟ قلت له من الطبيعي أن يرى الشريرُ الأكبرُ معارضيه أشراراً. وأن يرى خاصته ومريديه وأنصاره الأشرار أخياراً. مرةً أخرى، إنها نسبية المعايير منذ بدء خلق أبينا آدم الذي تمرّد على الإذعان وجرّب أن يتذوق ويتعرف على ما وراء الإذعان من عوالم وأشياء لا يعرف لماذا حرّمه ربه منها ومن الدنو من حدودها.
ثنائية الإذعان – العصيان طبيعة أزلية في النفس البشرية… أطلَّ علينا الفايروس – إبليس الشيطان متضاحكاً يريد أن يقولَ شيئا فشجعته أن يقول فقال ( كان ربنا دكتاتوراً يأمر وينهي ولا يقبل نقاشاً أو معارضة أو رأياَ آخر. لم يكن دمقراطياً وتعلم منه صدام حسين وأمثاله الكثير. تورّط فخلقنا من طين أومن تراب جامد وحسِبَ أن التراب يبقى تراباً جامداً أبداً. لم يكن يعرف أن الجماد سيتحرك وبالحركة تدب فيه الحياة فينمو ويتطور إلى نبات ثم إلى حيوان (( حيوانٌ مُستحدثٌ من جمادِ / المعرّي )) وتنشط أعضاؤه ولا سيما دماغه وبقية عناصر جهازه العصبي. ثم سيفكّر وفي التفكير الخطر، إذ فيه حب الإستطلاع، أي النزوع إلى معرفة المجهول وغير المعروف. فالمعرفة في حب الإستطلاع. كان عصيان آدم إذن خيراً وليس شراً. ليس في الشجرة المحرمة إلاّ الخير، فلماذا مُنع من أن ينهل من المعرفة؟ لماذا؟ هل المعرفة سَوءةٌ يجب على المرء أن يواريها؟ أجبْ أبا الطيب، أجبْ ). أجاب أبو الطيب ضاحكاً إنها شجرة التفاح اللبناني الذهبي Golden Apple . كانت نادرة في أسواق ذاك الزمان فمُنع الرجل من قطفها والتلذذ بمذاقها الفريد. قطفها فأخذتْ إسمه وسُميت تفاحة آدم التي يحملها أبناؤه الرجال في رقابهم. هل قضمها كلها أم أكل نصفاً وأعطى حواء النصف الآخر؟ لا أحدَ يدري. كانت أصلاً مخصصة لرهط آخر من نخبة الملائكة وليس لسلف البشر. فروقات وتمايز وإمتيازات منذ البداية فأين المفر؟ قلت له ولعك بتفاح لبنان قديم أبا الطيب! قال تقصد البيت الشعري الذي ذكرتُ فيه وأنا بشيراز لبنان وتفاح لبنان؟ قلت أجلْ، أسمعنا إياه. شمّرَ عن ساعديه كأنما يتأهب لجولة عراك مع خصم لا يعرفه ثم أنشدَ:

أحِبُ حِمصاً إلى خُناصرةٍ
وكلُّ نفسٍ تُحبُّ مَحياها

حيثُ التقى خدُها وتُفاحُ لُب
نانَ وثغري على حُميّاها

قلت له أحسنتَ والله لكنْ لك في جبال لبنان وصفاً بديعاً فهلاّ أنشدتنا؟ قال على الفور:

بيني وبين أبي عليٍّ مِثلهُ
شمُّ الجبالِ ومِثلَهنَّ رجاءُ

وعِقابُ لُبنانٍ وكيف بقطعها
وهو الشتاءُ وصيفهنَّ شتاءُ

لبسَ الثلوجُ بها عليَّ مسالكي
فكأنها ببياضها سوداءُ

بين الدهشة والعبرة قلت له قد ذكرتني أشعارك هذه أبا الطيب ببيروت ولبنان إذ جئتها من موسكو صيف عامي 1965 و 1966 للقاء والدتي وشقيقتي نجاة وبعض أقاربي. وتعرّفتُ في بيروت حينذاك على رائد المقام العراقي محمد الكبنجي والتقيتُ بالقاص نزار عباس والشاعر بلند الحيدري وبالكثير من أساتذة جامعة بغداد الذين تشرّدوا بعد إنقلاب شباط 1963 للعمل في ليبيا السنوسية والمملكة العربية السعودية.
أردتُ تغيير الجو بعيداً عن تفاح لبنان وتفاحة آدم وتفاحة عالم الفيزياء إسحق نيوتن وتفاحة المطرب السوري فهد بلاّن ( تحت التفاحة…) فقلبتُ الموضوع والمناسبة رأساً على عقب وغيرتُ سياق النقاش طالباً من تاجر ورجل أعمال ومستورد الوساوس والفتن والمعارضة والتحريض الذي يرى الشر خيراً والخيرَ شراً… طلبتُ منه أن يزوّدنا بالمزيد من المعلومات حول موقفه المعارض لسادة الوضع الجديد في العراق. أردتُ أن أُغيضه وأستفزه فقلتُ له لماذا لا تُلقي بنفسك في التيار وتلتحق بقارب أحد أعضاء مجلس الحكم الإنتقالي لتنال منصب نائب أو وكيل وزير أو ربما منصب سفير في أحدى عواصم دوائر الدبلوماسية الأولى؟ أجاب مُحنَقاُ لا شأنَ لي بالوظائف. حريتي في التنقل على الكرسي النقّال والتعبير عن آرائي وقناعاتي أكبر وأجلُّ من أي منصب مهما كان. حين أُعبّر عن أفكاري وآرائي شفاهاً أو مكتوبة أو منشورةً يقرأها الناس أزداد معرفة بنفسي وأزداد منها قُرباً. أي أكشف ما في نفسي وأكتشف في عين الوقت ما حولي. لستُ طيناً ولا تراباً. ثُمَّ، قبولي المنصب الحكومي يعني أن أتوقفَ عن محاولاتي لمعرفة وسبر أغوار نفسي والعالم المحيط. . سأكون عندئذٍ وفي أحسن أحوالي دُميةً في أيدي قوات التحالف التي تحتل العراق. أي مجردلاعب دورمرسوم في سيرك، أي قَرَقوزمُهرّج وبهلوان ذليل (( ذلَّ من يغبط الذليلَ بعيشٍ / المتنبي )). واضح؟ هل تريدني أن افعلَ ما فعل بعض الأفندية المستوردين الذين أطلقَ عليهم بعض الأميين المحسوبين على أزلام طوفان الإعلام المنافق صفة التكنو(ضراط)!!
هؤلاء كما تعلم أُمِروا فاستداروا مائة وثمانين درجة : يميناً دُرْ. أي أنهم وضعوا رؤوسهم الخاوية على عروشها في مكان مؤخراتهم حسب منطق أبي نؤاس الذي قال يوماً (( فتدحرجتُ من تحتٍ إلى فوق )). إنقلب عاليهم سافلهم بلغة الهندسة المستوية فارتفعت المؤخراتُ إلى أعلى وحلّتْ محل الرؤوس. نعم، إنتكستْ الرؤوس وقد كانت أصلاً نصف منتكسة أو نصف مُنكّسة كأعلام الحِداد. ساهموا في قتل العراق ثم أعلنوا عليه الحِداد بتنكيس الرؤوس. يقتلون القتيلَ ويمشون في موكب جنازته باكين تماماً كما فعل صدام حسين حين دبّر حادث مصرع أحمدَ إبن البكر ثم مشى في جنازته في شوارع بغداد على رأس المُشيعين وفي يده منديل يُجفف به سيل دموع التماسيح. كانت دموعه طوع إرادته. كيف تعلّمَ هذا الفن الخبيث؟.
ما أنْ أتمَّ فايروس إبليس الشيطاني مرافعته الطويلة كأي محامٍ بارع وإختفى فجأةً حتى بادرني المتنبي بسؤال غريب. قال هل قرأتَ كلمة السيد المستشار القانوني خالد عيسى طه في جريدة الزمان العراقية(العدد 603 في السابع من أيلول 2003)؟
قلتُ كلاّ، بل أُتابع بإهتمام عمودي عبد المنعم الأعسم وفاتح عبد السلام. سألته عن سبب إهتمامه بما كتب المستشار المُقيم في لندن فقال أعجبه منطق الرجل وموقفه من غزو العراق. وأعجبه أكثر ما كتبه عن المستشارين العراقيين الذين تدربوا في أمريكا ضيوفاً على البنتاغون Pentagon لفترة ستة أشهر وقبض الواحد منهم 400 دولاراً في اليوم الواحد، أي ما يساوي 12000 دولاراً ( إثني عشر ألفاً ) في الشهر. قلت له إنَّ هذا الرقم كبير وغير معقول. قال أحيلك على العدد المذكور من جريدة الزمان التي تصدر معاً في لندن وبغداد.
غبتُ فترة طويلة عن رفيقي أسائل نفسي في ذهول وعجب: أية إستشارات قدّمَ ويقدّم هؤلاء المستشارون (( المست ( شارون ) )) لوزارة الدفاع الأمريكية وكم، تُرى، مبلغ ما يتقاضاه في الشهر الواحد معالي الوزير وفخامة عضو مجلس الحكم الإنتقالي مضافاً إليه إمتيازات الطعام والسكن المجاني في فنادق الدرجة الأولى ومخصصات السفر سائحين في شتى عواصم العالم من لندن ونيويورك حتى دُبي والكويت وستوكهولم وعمان ودمشق وسواها من المدن والبلدان. ثم ما هذا الهوس والغرام بعقد المؤتمرات الصحافية هنا وهناك وسرد الكلام المنمق عن الدمقراطية وحرية التعبير وإعمار العراق وإستتباب الوضع الأمني؟؟؟ غير أنَّ تحصيل الحاصل لا شيء سوى (( جعجعة ولا في الرحى من طحين )).
أفقتُ من غيبتي فرجعتُ بذاكرتي القهقرى لأجدَ في التأريخ الجواب على تساؤلاتي الملحاحة التي أوحى لي بها الفايروس الإبليسي صديق سلمان رشدي. وجدتُ الجواب في سلوك إبن خلدون المُشين وتعاونه في دمشق مع الغازي المغولي تيمورلنك!!!!!
صرخ الفايروس متطفلاً دون أن يطلب الإذن بالكلام : ما أشبهَ اليومَ بالبارحة !!!!! .