الرئيسية » مقالات » المتنبي : إنفجارات في المانيا وكوارث في العراق

المتنبي : إنفجارات في المانيا وكوارث في العراق

– 2 –


ما الذي حدث؟
يا حافظ يا ستّار! تركتُ جهاز التلفزيون مفتوحاً وهُرِعتُ إلى الشارع حافي القدمين
إذ هزّتْ المنطقة أصوات إنفجارات مُريعةٍ بالقرب من سَكَني. جاءت الشرطة وسيارات الإسعاف وسيارات إطفاء الحرائق مُسرِعةً مُطلقة الزعيق المزعج وأصوات الإنذار المعروفة. ما الذي حدث؟ جاءني الجواب: إنفجرتْ سيارة مُفخخة قريباً من سياج المُنتزه ومُجمّع حمّامات السباحة الضخم فإشتعلت النار في الكثير من أشجار هذا المٌجمّع وفي بعض السيارات الفارهة دون وقوع خسائر في الأرواح.
لماذا وكيف إنتقل العنف والإنفلات الأمني من العراق إلى أوربا؟ لا بأس، العالم واحد، عملة واحدة والبشر واحد والرب واحد.
هل دبّرَ صديقي المتنبي الحادث ثم عرّج إلى مجراته( مجر الكبش) وأفلاكه دون أن يترك أثراً؟ هل ستسدعيني الشرطة الجنائية المختصة للتحقيق معي في أمر الزائر الغريب الذي لم يمكث معي في هذه المدينة المنكوبة سوى لبضع سويعات؟ ماذا سأقول للشرطة والشرطة ورطة؟ هل أقول لهم إنَّ زائري أتاني من العالم الآخر، من عالم أثيري القوام ليس فيه من طبائع البشر إلا القليل: النوم والمشي في الأسواق ثم تناول البسيط من الطعام والذهاب إلى الحمام مرتين في اليوم؟ هل يصدقون قولي إن الرجل فوتوني الطبع والطبيعة ويحمل الكثير من خصائص الضوء وأشعة الليزر وإنه غير مُسجّلٍ في كومبيوترات دوائر الإقامة وليس له سكنٌ في الدنيا الفانية ولا رقم دار ولا إسم شارع ومحلّة وزُقاق. ثم لا يحمل أي جواز سفر بعد أن جرّده الجلاّدُ منه عام 1980. ماذا سأجيب لو سألوني عن عمره ومكان ولادته ونوع عمله خاصةً وأن الورطة المُختصّة( أقصد الشرطة…زلّة لسان، ينزلق حرف الواو فيحل محل حرف الشين) تعرف أنه عاش في هذه المدينة كلاجيء قرابة عام وتمتع بمخصصات اللجوء وشقة صغيرة بحجم علبة الكبريت؟؟؟ ورطة. الشرطة حقّاً ورطة!! سأكذب. سأقول إنَّ هذا المخلوق ليس ذاك الذي جاءكم قبل عام لاجئاً. أو أقول إنَّ هذا الفوتون الغريب الأطوار ليس إلا ظلاّ لذاك. هذا الشبح الذي ترون هو كل ما تبقّى من ذلك اللاجيء بعد رحيله إلى العالم الآخر.
بقي أمر آخر. ستسألني الشرطة حتماً كيف عرف عنواني في هذه المدينة فأتاني من العالم الآخر زائراً دون موعد سابق ودونما إتفاق؟ هذه ليست بالمشكلة العويصة. الجواب جاهز. إني لسبع سنوات عجافٍ لم أُغيّر عنواني ولا محل سكني ولا رقم تلفوني. ثم إن الرجل عاش هنا قرابة عامٍ كاملٍ دأبَ خلاله على زيارتي كما درجتُ على زيارته في شقته علبة الكبريت. هو الذي تغير ولست أنا من تغيّر وسبحان مُغيّر الأحوال. لم أزلْ بشراً( تقربياً) أتناول كبقية الناس الطعام وأمشي مثل غيري في أسواق الفاكهة والخُضرة والأسماك. وأمارس السباحة وركوب الدراجة والتمشي الطويل في غابات الصنوبر والسرو والحور واليوكالبتوس حين أُصابُ بالبرد أو الأنفلونزا. وأزور طبيبي مرّةً في الشهر لفحص مقدار السكّر في الدم وفي البول وقياس ضغط الدم الذي يتغير- مثل إقتصاد السوق الحرّة المفتوحة أو المنفلتة – صعوداً ونزولاً حسب هواه ولأسباب لا يعرفها الأطباء. لم أزل أنا أنا وكما كنتُ قبل عام سوى إنخفاض الوزن لبضعة كيلوغرامات حسب نصائح الطبيب.
فكرة جيدة. بدأ ت حجيرات دماغي بالعمل. لمَ لا أتصلُ بصاحبي وأخبره بما جرى بعد فراقه مباشرة وأسأله هل من علاقة بين زيارته تلك وحادث إنفجار السيارة المُفخخة التي إنفجرت فأشتعلت النيران فيها ولم تتركْ أي أثر يدلُّ على نوعها أو لونها أو الرقم الذي تحمل. هل سيُجيب الرجل الغائب على أسئلتي هذه بصراحته التي أعرف؟ على أية حال، سأُحاول الإتصال به عن طريق البريد الإلكتروني:
Mars.WWW.dot.com. عزيزي أبا الطيّب المتنبي:
شُكراً إذ زرتني فخففتَ عني عبء بعض هموم العراق. أشعر مع ذلك بنوع من الأسى أنك لم تُطلْ مكثك معي ولم تزودني بما يكفي من معلومات حول عالمك الآخر. لشدما صرتُ أتمنى أن ألتحقَ بك فوتوناً أو نصف فوتون وأن أُجرّبَ حالة
السوبر- ميتافيزيك التي ترفلُ بها وفي نعيمها الأثيري حيث لا بردٌ ولا حر، لا ثلوج شتاء ولا مروحيات منضدية وأخرى تتدلى من السقوف صيفاً. ولا مُكيّفات هواء وماء ولا (مهافيف خوص). أحسدك كثيراً من جهة، وأشكرك كثيراً لو دعوتني أو يسّرتَ لي سبيل اللحوق بك صديقاً عزيزاً أثيراً وأثيرياً مباركاً سابحاً عارجاً بين المجرات ومدارات الكواكب السيارة حراً طليقاً لا شرطة ولا محاكم ولا رجال دين ولا عصابات تسرق ولا مافيات تزوير للعملة. لا دكتاتور دموي ولا حزب قائد أوحد. وفوق هذه وذاك الحياة السرمدية الخالدة حيث لا بكتريا ولا فايروسات ولا كحة ولا نشلة في الشتاء ولا إسهال وقيء في أشهر الصيف القائضة.
عزيزي أبا الطيب: هل تسمع ندائي، بل صراخي؟ إذا ً أجبْ: هل من علاقة بينك وبين حادث إنفجار السيارة المفخخة؟ بعد أقل من دقيقة أتاني الجواب عبر البريد الألكتروني:
عزيزي عدنان: سُررِتُ ببريدك وأعتذر أني لا أستطيع أن أمدَّ إليك يد العون لسبب بسيط هو أنك من طينة أخرى ومن طبيعة أخرى لا تصلحان لدنياي ولا تنسجمان مع خصائص أثير فلك الأزرار. بإختصار، إنك ما زلت- للأسف الشديد- بشراً سويا من لحم وعظم ودم كباقي البشر. آسف جداً. أرجو نسيان الموضوع جملةً وتفصيلاً. أما حادث السيارة الملغومة فلا علاقة لي به لا من قريب ولا من بعيد. ما كنتُ يوماً عنصر مخابرات في تنظيمات صدام حسين ولم أُمارس التخريب في حياتي كما تعلم. على العكس من ذلك… كنتُ دوماً الضحية. وما أكثر محاولات إغتيالي أو الإعتداء عليَّ بريئاً مظلوما. لقد تركني نظام صدام حتى بدون جواز سفر كما تعلم. مع ذلك سأزودك ببعض المعلومات أو بعض الصور التي تلتقطها مركبات الفضاء التي تدور حول الكرة الأرضية ليلاً ونهاراً. هي تراكم وتراقبكم وأنتم لا ترونها. نحن من جهتنا نراقب ونرى الإثنين: أنتم وهذه المركبات التي تلتبس أحياناً وتشتبه مع مركبات التجسس التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية C.I.A. .
خلاصة القضية إنَّ السيارة يابانية الصنع من نوع نيسان Nissan خضراء اللون تحمل علامة “إدخال كمركي مؤقت”. دخلت العراق من بلد مجاور مُحمّلة بمائة وخمسين كيلوغراماً من مادة T.N.T. شديدة الإنفجار. وبدل أن تنفجر في المكان المحدد لها في بغداد غيّرت فجأةً خط سيرها وإتجهتْ صوب ألمانيا لتنفجر بواسطة جهاز التحكم عن بُعد قريباً من مسبحك المُفضّل. لا أدري لماذا إختار المخططون الإرهابيون هذا المكان بالذات، وإني لأخشى أن أقول إنَّ هؤلاء الإرهابيين كانوا يستهدفون حياتي (نعم أنا، حياتي) فلطالما كنتُ معارضاً وفاضحاً لنظام صدام حسين الفاشي الدموي. لم أكن يوماً موظفاً لدى منظمات حكومية أو غير حكومية ولم أتمتع – شأن بعض وزراء اليوم – بمباركة هذا النظام ولا بصداقة وحماية أجهزة مخابراته التي تجوب العالم حاملة الحبوب ألمُخدّرة والمنوِّمة والمسدسات المخنوقة الصوت. كنتُ معارضاً فاضحاً وجهوري الصوت وبليغ اللغة في أشعاري وأُمسياتي الأدبية ومقابلاتي التلفزيونية وفي مجالات أُخرَ لا حصر لها.
أجلْ، كانت وما زالت عصابات النظام السابق تبحث عني لإغتيالي. هل فهمت الآن لماذا كنتُ مُصرّاً أن أُغادرَ مدينتك على عجل وأن ألتحقَ بعالمي الآمن حيث لا أجهزة مخابرات ولا سموم ولا كاتمات الصوت ولا سيارات مفخخة ولا هم يحزنون. ثم لا تنسَ إني المتنبي وكنتُ أتنبأُ بما حدث. أجهزتي الألكترونية لا تُخطيء أبداً ولا تخون. كان الضوء الأحمر يؤشر أمام عينيَّ جيئةً وذَهاباً. لذلك إعتذرتُ منك وغادرتُ سكنك على عجل. ينبغي أن يكونَ الإنسانُ حذِراً في هذه الأيام. لا تعرف من أين يأتيك الموتُ ولا بأية وسيلة يأتيك. بالمناسبة، سمعتُ اليوم أن الرئيس عرفات قد خُيّر بين القتل غيلةً أو الإبعاد عن وطنه وأرض قومه وأجداده، فما رأيك؟ إني أنتظر.

13/09/2003
Mars.WWW.dot.com.

عزيزي أبا الطيب: سألتني رأيي في موضوع أبي عمّار. سأكون معك صريحاً لدرجة الوقاحة. رأيي أن تنزلَ من عليائك الكواكبي وتعرّج على رام الله لبعض الوقت لتقابل الرئيس عرفات في مقره نصف المُهدّم وأن تعرض عليه الصعود معك إلى السماء العاشرة ضيفاً دائماً لديك. أرى في ذلك أفضلَ حلٍّ، فلا هو بالنفي والإبعاد ولا فيه عملية قتل وإغتيال. سيكون الرجلُ هناك حرّاً طليقاً يراقب البشرَ ويراهم من فوق ولا أحد يراه أو يتجسس عليه، لا تصله يدٌ أو بشرٌ. ثم، يمكنك إصطحابه متى شاء معك في رحلاتك الألكترونية المكوكية بين السماء والأرض حيث لا يطلبُ منه أحدٌ تأشيرة ( فيزا) لدخول عالمنا أو جواز سفرٍ كامل الصلاحية
وغير مزوّر. ولا يُفتشُ شرطيٌّ حقائب سفره ودفتر يومياته وعناوين وأرقام تلفونات أصدقائه. فكّرْ عزيزي الشاعر الفوتوني في الأمر جديّاً. جدْ حلاّ للرجل يُرضيه ويرضي الثنائي هاروتَ وماروتَ ( شا- بُوشْ ) ويحفظُ له ولنا حياته.
سأظلُ أنتظر ردك سريعاً. صديقك المُخلص أبداً.
بقيتُ أنتظر ولم يأتِ الردُ. هل سافر المتنبي دون أن يترك رسالة صوتية في جهاز
Answer Phone ؟ هل لديه أُمسية يقرأُ فيها الشعرَ على سَكَنة الكواكب والأجرام السماوية الأخرى كعادته مجاناً؟ هل يعرف الكونُ الآخر قيمة أشعاره وأهمية صوت الشاعر؟
عدتُ بعد أن يئستُ من وصول رد المتنبي إلى جهازي الراديو والتلفزيون لأتابع أخبار العالم والعراق:
((… فيضانات في الصين تؤدي إلى مقتل مائة شخص وتشَرُّدِ قرابة مليون. جفاف ومجاعة في رواندي. إعصارٌ عاتٍ يضرب ولاية فلوريدا الأمريكية بسرعة 150 كيلومتراً في الساعة ويتسببُ في دمار الكثير من البيوت. إسلاميون متشددون يقتلون أحدَ عشرَ قروياً في مدينتي عِنّابة وبجْاية الجزائريتين. وفاة التوأمتين الإيرانيتين إثر فشل عملية الفصل بينهما. مقتل جندي أمريكي وإصابة إثنين آخرين في مدينة بعقوبة العراقية نتيجة إصابة سيارتهم بقذيفة RBG . مقتل جنديين آخرين في حادث مُنفصل وقع في مدينة الفلوجة بعد أن إصطدمتْ السيارة التي كانت تُقلّهما بلَغَمٍ أرضي مما أدى إلى إنفجارها ومصرع الجنديين. طوّقت القوات الأمريكية المنطقة وشرعت بحملة تفتيش ومداهمة للبيوت واسعة النطاق. قُتِل في ضواحي مدينة البصرة جنديٌّ بريطاني ومترجمٌ عراقي كان برفقته. تم العثور على كميات كبيرة من الأسلحة في مخابيء تحت الأرض ما بين مدينة بيجي وتكريت. سيارة نقل مُفخخة تنفجر في فندق القنال وتتسبب في مقتل ممثل الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة ( كوفي عنان) في بغداد ومصرع عشرين آخرين. التحريات جارية على قدم وساق)).
أُصِبتُ بالغثيان حدَّ التقيؤ. وماذا يتقيأ من لم يأكل شيئاً منذ الصباح الباكر؟
أغلقتُ الجهازين وسارعتُ إلى جهازي قياس السكّر وضغط الدم. السكر في الدم 186 ملغم/ في السنتيمتر المكعب وضغط الدم 80 / 186. الحمد لله! ما زال الخطر بعيداً. لا أزمة قلبية بعد ولا نزيف في الدماغ ولا ألم في الذراع اليسرى. شُكراً دكتور كريم، زوّدني بالمزيد من الحبوب. تذكّرتُ أغنية صاحب شرّاد التي راجت أيام حكم المرحوم عبد الكريم قاسم (( دكتور جرح الأولّي عوفه/ جرح الجديد عيونك تشوفه)). عزيزي صاحب شرّاد: أحسدك أنَّ لك جُرحاً واحداً قديماً وآخرَ تالياً جديداً. أُحسدك والله كثيراً لأنَّ جروحنا متصلة لا آخر لها ولا أول Nonstop . من أين آتيك بقاسم جديد لكيما تظلُ تغني جروح العراق والعراقيين الجديد منها والقديم، من أين؟؟؟؟
توت توت توت توت … يا ألله! إشارة من العالم الآخر، من أبي الطيب المتنبي يقولُ فيها إنه كان مدعوّاً لدى كوكب الزهرة( فينوس) على الغداء وإنه جاهز الآن للرد على بريدي الأخير.

السبت الموافق 27/9/2003
عزيزي أبا فُلان: هل سمعتَ أول أخبار هذا اليوم عبر راديو BBC ؟ هجوم كبير بالصواريخ على مطار الموصل من ثلاث جهات صاحبه إنفجار سيارة مفخخة تماماً عند مدخل المطار- القاعدة الأمريكية. الخسائر كبيرة. هكذا قال رئيس تحرير إحدى صحف الموصل في مقابلة مع مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في الموصل. وأمس تعرّض فندق الرشيد في وسط بغداد لقذيفة صاروخية.
كنتُ أُصغي لصاحبي كأنه يُكلّمني وجهاً لوجه. كان يتكلمُ فعلاً. كنتُ أُحسَّ أنَّ لديه شيئاً آخرَ يريد قوله. كان الإنفعال يخنق أنفاسه. شجعته. قلتُ له واصلْ أبا الطيب الكتابة فبريدك الألكتروني واضح أمامي. واصلْ الكتابة وأقطعْ لهاث صدرك المتعب. كنتُ أسمع هذا اللهاث واضحاً. واصلَ الكتابة: مظاهرة في قلب بغداد أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قام بها مئاتٌ من أساتذة وطلبة الجامعات في بغداد إحتجاجاً على قرار( السيد ) الوزير الجديد بإرجاع الأساتذة البعثيين( النظيفين) إلى مراكزهم السابقة. قال أحد المتظاهرين لمراسل هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ليس في البعثيين رجل نظيف. كلهم قتلة وسفلة ومجرمون وشرطة أمن وإستخبارات. لا فُضَّ فوك عزيزي المتظاهر. ليتني كنتُ في المظاهرة معكم. هل ترك صدام حسين بعثياً نظيفاً أو حتى نصف نظيف؟ قتل النظيفَ منهم فتشرد شرفاؤهم شَذرَ مَذر أو إعتزلوا السياسة والمناصب والبعث ولزموا بيوتهم في إقامة شبه إجبارية صُمّاً بُكمْاً خُرساً عُمياً.
رأيتُ المتنبي على شاشة الكومبيوتر شاحب الوجه يتصبب عَرقاً فأصابني الهلع. هل يعاني الرجل من أزمة أخرى في القلب؟ أشار لي برأسه نافياً ذلك. قال طلب وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية من مجلس الحكم الإنتقالي إنجاز وضع الدستور الجديد في فترة لا تتجاوز الستة أشهر. ذلكم أمر مستحيل. ثم إنَّ إجراء إنتخابات يتطلب إجراء تعداد جديد لسكّان العراق.
صمتَ الرجلُ وتوقف عن الكتابة. غاب لبرهة قصيرة من الزمن ثم عاود الكتابة قائلاً: متى سيتم وضع الدستور الجديد ومتى سيتم إعمار العراق ومتى ستنسحبُ قوات الإحتلال- التحرير؟ ما هي شروط إنسحاب المُحتل- المحرر من أرض العراق بعد أن بذل المال والرجال؟ هل قام بذلك لوجه الله وسواد عيون الجلبي والباجه جي ووزير التخريط أو التخ(طيط)؟ ضحكتُ. إي والله ضحكتُ طويلاً وشر البلية ما يُضحك. لقد غيّر المتنبي أخيراً مزاجه وشرع مرةً أخرى بالتنكيت الساخر والصريح الذي أعرفه عنه. أجلْ، شرع صاحبي يسخر ويُفلسف الأمور بشكل يخدش الحياء حيناً ويتسبب في بعض الحرج أحياناً أُخرى. لا بأس. فلأُشجعه على مواصلة ممارسة أسلوبه الخاص به ما دام رائق المزاج ولديه بعض الوقت يقضيه معي عَبرالبريد الألكتروني.
قلتُ فلأنتهز الفُرصة وأُداعبه لعلَّ لديه شيئا ً جديدا ً أو خبرا ً طريفا ً أو كشفا ً مذهلاً في عالم الكواكب والمجّرات. سألته كيف تجدك أبا الطيب بعد تحريرالعراق؟ قهقه ساخراً وحملق في وجهي مُغضباً مُتسائلاً: أي تحرير تقصد؟ ثم أردف قائلاً ما زالت ساحة التحرير في قلب بغداد بخير وما زال المرحوم جواد سليم بألف خير وما زال كريم قاسم يسبح تحت مياه نهر ديالى بملابس العوم وجهاز غاز الأوكسجين خلف ظهره. رفعتُ يدي محتجّاً ثم قلت: وما علاقة تحرير العراق اليوم بجواد سليم وكريم قاسم؟ أراح صاحبي ظهره على مقعده وقال بعد أن أخذ نفساً عميقاً: كان ذلك هو التحرير الحقيقي للعراق ويكاد يكون التحرير الوحيد! كريم وسليم وجدارية التحرير.
شعرتُ بالحزن والإنكسار والأسى، ففي بعض الذكريات ما يؤلم ويؤسي. ذكريات قرابة خمسة وأربعين عاما(14/7/1958 – 9/4/2003 ) دار الزمن فيها كي يشهد العراق والعراقيون مؤامرة مشبوهة تُسمى ” تحرير”. لقد طرد قاسم عام 1958 الإنجليز وفكك حلف بغداد لكنهم عادوا كرّةً أخرى ومعهم الأمريكان عام 2003. طردهم من باب بغداد فأتوا العراق بعد كل هذه السنين من الخلف، من مؤخرة العراق، من البصرة. هل سيكتشف الفراهيدي أو يضع لنا بحراً عَروضياً جديداً نُضيفه إلى مجمل بحوره المعروفة. بحراً نغرق فيه ولا نعوم. بحراً لا نعرف عدد تفعيلاته ونجهلُ موسيقاه الداخلية والخارجية؟ هل سيحتجُّ بشار بن بُرد على هذا البحر الجديد الذي لم تألفه آذان الشعراء منذ إمريء القيس وعنترة والنابغة الذُبياني حتى عبد الأمير الحُصيري؟ هل سيداعبه الجاحظ فيضعه بين البخلاء جاراً للفيلسوف يعقوب بن إسحق الكندي؟
بين الحُلُم واليقظة خُيّلَ لي أني أرى الشاعر الأعمى بشاراً بن بُرد على شاشة الكومبيوتر موجهاً سبابته اليمنى نحوي قائلاً بشيء من التوتر والعصبية: إنما تحرر الشعوب أنفسها مرّةً، مرة واحدةً فقط. أما ما يأتي بعد هذه المرة فإما تكرار مُمل أو تزييف وزناء. الماء يجري في النهر مرة واحدة فقط. كذلك الزمن والأحداث.
إختفى وجه بشّار من على وجه شاشة الكومبيوتر فظهر مكانه وجهُ أبي العلاء المعرّي وقوراً وهو يرتّلُ بهدوء وبُطء وثقة في النفس عالية (( وإذا أردنا أنْ نُهلكَ قريةً أمرنا مُترَفيها ففسقوا فحقَّ عليها القولُ فدمّرناها تدميراً / سورة الإسراء / الآية 16)). ثم إختفى هو الآخر وجه المعري فظهر مكانه وجه المتنبي متكلفاً إبتسامة عراقية خجولةً وملوّحاً بيده مردداً Bye bye .
مع السلامة عزيزي أبا الطيب. مع ألف سلامة. ليتنا كنا معكم في العالم الآخر حيث لا إختلال ولا إحتيال ولا إحتلال ولا تحرير. لا موت ولا مقابر وقبور.لا طائرات ولا صواريخ ولا دبابات ولا شارون ولا هم يحزنون.