الرئيسية » مقالات » لا إستقرار ولا ديمقراطية في ظل وجود المجاميع المسلحة غير الشرعية وإنتشار السلاح

لا إستقرار ولا ديمقراطية في ظل وجود المجاميع المسلحة غير الشرعية وإنتشار السلاح

أعلنت منظمة صحفيون بلا حدود مصرع 191 صحافياً ومساعداً إعلامياً و فقدان اثنين في العراق منذ إنهيار النظام الديكتاتوري في نيسان عام 2003 وحتى شهر آب من عام 2007. وتتحمل مسؤولية الضحايا الكبيرة من أرباب القلم بالدرجة الأولى، الى جانب عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء، المنظمات الإرهابية العربية والعراقية وحلفائها من فلول النظام السابق، إضافة الى الميليشيات المسلحة وفلول الجريمة المنظمة. إن غالبية من تم الغدر بهم من الصحفيين غير المسلحين من العراقيين يشكلون جزءاً من آلاف الإبرياء من العراقيين عمالاً وفلاحين وكسبة وشيوخ وأطفال ونساء، ومن شتى المذاهب والأديان والطوائف، والذين تم إزهاق أرواحهم ضمن خطة واسعة هدفها في الأساس إشاعة عدم الإستقرار في البلاد، وإشاعة الرعب والخوف لشل الحياة وعملية البناء في بلادنا.




وتدخل مهمة إشاعة عدم الإستقرار في العراق ضمن خطة جهنمية أوسع إقليمياً وعالمياً. فهي تدخل في خطة خطيرة لإشاعة عدم الإستقرار إقليمياً وعالمياً تنفذها بالأساس منظمات إرهابية فوضوية عالمية غرضها وقف أية مساعي في بلداننا من أجل تحديثها والخروج من دائرة التخلف ومن أجل دفع عجلة التنوير فيها الى الأمام. هذه المهمة غير المشرفة، وهي قديمة حديثة، تنفذها قوة التخلف والرجعية والظلامية والفئات الهامشية التي عرقلت مساعي التحديث والتحول الديمقراطي في البلدان العربية والإسلامية منذ القرن التاسع عشر ولحد الآن سواء بواجهات دينية أو قومية متطرفة، وتنشط الآن بواجهات طائفية ومذهبية متطرفة من شتى الألوان وبأسلوب عنفي متوحش ومسلح لم تشهد له بلداننا مثيلاً من حيث قسوته وتدميره وتجبره. إنها في الواقع حرب عالمية تتضح خيوطها يوماً بعد يوم، وتنخرط فيها قوى التخلف والرجعية في العالم وأطراف مشبوهة ضد كل ما هو حديث وعصري ومتطور في العالم، وضد إنتقال البلدان النامية الى طور الحداثة والعصرنة. إن المواقع التي تستهدفها هذه المنظمات الإرهابية من مدارس ومواقع تربوية وصحية وكهرباء وماء وخدمات وطرق وجسور وكل ما يدفع بالتنمية والتحديث خطوة الى الأمام خير دليل على الجوهر الظلامي المتخلف لهذه العصابات الشريرة التي تعبث في أفغانستان ومروراً بالعراق ولبنان وحتى الجزائر والمغرب في أقصى المغرب العربي.
إن طاحونة الغدر ضد الصحفيين العراقيين والتي تدور حالياً تدل بما لا يدعو الى الشك على أن دوافعها تهدف أساساً إلى وقف وكبح مساعي أصحاب القلم والرأي الحر والتنوير الى إرساء مثل جديدة ديمقراطية للصحافة والإعلام في بلاد عانت من قمع الرأي وحُرمت من الصحافة الحرة وغرقت في دوامة العسف والجهل. إن أكثر ما تخشاه قوى الإرهاب والظلامية والرجعية هو تجذر أركان السلطة الرابعة وأخذ مداها وإمتداد سلطتها ومراقبتها للسلطات الثلاث الأخرى، هذه السلطة التي تعد عنصراً لا بد منه وأساسي، بل ومؤشراً على الجدية في بناء ديمقراطية حقيقية في العراق وعلى انقاض الإستبداد السابق المنفلت. وبدون هذا الدور للصحافة والصحفيين، يصبح من الهراء الحديث عن تحديث أو تنوير أو تطور ثقافي وعلمي، ولا الحديث عن ديمقراطية حقيقية أو التوجه اليها في أي بلد. ومن هنا ينبع جوهر إستهداف رجال الصحافة والإعلام كمسعى، ضمن مساعي أخرى، لتعطيل العملية الديمقراطية وتعطيل العملية السياسية في المجتمع العراقي.
إن بيد قوى الأرهاب والظلامية التي تسعى لوقف العملية الديمقراطية أدوات خطيرة تتمثل في الثقافة الرجعية التي مدت جذورها خاصة خلال فترة القمع الصدامي والركود في الثقافة الحرة والتنويرية. وإضافة الى القدرات المالية الضخمة التي تحصل عليها هذه الزمر المتخلفة والوحشية من غالبية بلدان الخليج أو من التجارة غير الشرعية بكل أنواع السلع وحتى ترويج تجارة المخدرات، فهناك أدوات أكثر خطورة تسعى أطراف متعددة إقليمية وبضمنها أطراف داخل السلطة أوعلى حاشيتها أو في أجهزتها ولا يجري لحد الآن معالجتها بل وحتى الحديث بصراحة عنها، ولا وضع النقاط على الحروف أزاء من يمارسها، سواء من قبل الحكومات التي تعاقبت منذ إنهيار الديكتاتورية، أو حتى من قبل أحزاب سياسية مشاركة في العملية السياسية. هذه الأداة هي ظاهرة التسلح وإنتشار السلاح بشكل خطير في بلادنا، وما ينتج عنهما من ظاهرة تشكيل ميليشيات عسكرية تعلن صراحة عن وجودها وبشكل يخالف ما نص عليه الدستور العراقي الجديد. ومن اللافت للإنتباه إن عدداً من القوى المتصارعة والمشاركة في العملية السياسية، وخاصة ذات الواجهات الدينية أو حتى من رجال الدين للأسف، أما لها باع في هذه الظاهرة الخطيرة أو تؤيدها كي تستخدمها كهراوة في الصراع المدمر الطائفي الجاري في البلاد، أو أنها تلتزم الصمت حيالها خوفاً وتجنباً لبطش وعبث هذه المنظمات المسلحة الخارجة على القانون. ويتسابق بعض من يساهم في العملية السياسية السلمية، بل وحتى القوات المتعددة الجنسيات في كسب ود هذه المنظمات المسلحة الخارجة على القانون العراقي ضمن عملية التشابك السياسي الجارية في العراق. ولعل سلوك الدكتور أياد علاوي الأخير الذي لم يجلس ولو مرة على مقعده في مجلس النواب لحل المشاكل المستعصية، بل بادر الى مد الجسور مع العصابات المسلحة لحزب البعث البائس، المحظور قانونياً، والذي يرفع سلاحه ضد العملية السياسية، أوإستعانة القوات الأمريكية بكتائب إرهابية من الملثمين بحجة مواجهة منظمة القاعدة الإرهابية، خير أمثلة على الفشل والفوضى والتخبط السياسي الذي يدفع بالمواطن العراقي الى حافة اليأس والشك، وإلى النفق المظلم الذي يراد أن يجر العراق إليه.

           
 المجاميع الدينية المسلحة في البصرة                      رجال دين مسلحون في أحداث كربلاء الأخيرة

ولا نريد أن نأتي بجديد حول نهج البعض في التغطية على جرائم جيش المهدي وعبثه من قبل من يدعموه في الإئتلاف العراقي الموحد بل وحتى من داخل الحكومة العراقية، حيث تم لفلفة ما جرى في كربلاء أخيراً كما يبدو، وأطلق سراح أفراد جيش المهدي الذي كان الطرف الرئيسي في الإقتتال في مدينة كربلاء والنزاع الدموي الطائفي في بغداد وأطرافها، أو في تفجير صراعات سياسية دموية عبثية في غالبية وسط العراق وجنوبه مع منافسين له أو مع الأجهزة الأمنية العراقية، مما أدى الى ضياع القانون وإضعاف مقومات الدولة وزرع الفوضى وتقويض العملية السياسية التي يعلن التيار الصدري أنه مشارك فيها.
إن عدم معالجة ظاهرة التسلح وتشكيل العصابات المسلحة بكل مسمياتها من قبل الحكومات المتعاقبة والقوات المتعددة الجنسيات كان وراء ما حدث ويحدث من فلتان أمني خطير وما نتج عنه من ضحايا من الناس الإبرياء. كما إن عدم إتخاذ خطوات جدية الى الآن سيضع مصير البلاد على كف عفريت.
إن أولى نتائج إهمال حل هذه المشكلة تتحدد في كونها قد أدت وستؤدي الى المزيد من ضعضعة كيان الدولة العراقية الذي يعاني الآن بما يكفي من الهشاشة، وإنهيار مقومات الدولة و تصدع وحدتها وتحولها الى كيانات وغيتوات ودويلات كما هو حاصل أساساً في بعض مناطق بغداد على سبيل المثال ومناطق أخرى من العراق. وهنا ستصبح البلاد لقمة سائغة بيد كل التطاولات الإقليمية شرقها وغربها، ويتحول مصير العراق على يد هذه الدول الإقليمية الى ملعب لأهوائها، تماماً على غرار ما جرى ويجري في لبنان ولعقود مديدة. وبذلك تفقد العملية الديمقراطية العراقية مغزاها، والسيادة التي يسعى إلى إنجازها العراقيون لبلادهم معناها لتصبح ضرب من الأوهام والأحلام السرابية.
والأنكى من كل هذا وذاك هو إن إستمرار هذه الظاهرة ستؤدي بالتأكيد الى تفسخ القوات المسلحة الفتية، ثم إنهيارها حيث ستتوزع الى ولاءات طائفية أو مناطقية، وبذلك تفقد الدولة أهم ركن من أركان ثباتها وديمومتها ووحدتها وتنهار هوية المواطنة، وتفقد الدولة السياج الذي يحميها من الحالات الداخلية الطارئة أو التهديدات الخارجية. وبذلك تقدم أكبر فرصة لمن يتربص بالشعب العراقي سواء من طغاة “الدولة الإسلامية” أو من أوباش العهد السابق الذين لا هم لهم الآن سوى الإنتقام من الشعب العراقي وتحقيق حلمهم بالقفز من جديد على رقاب العراقيين.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول التشكيلات المسلحة العاملة في العراق، إن لم يكن قد تحولت، الى أدوات بيد جهات خارجية لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمصلحة العراق والعراقيين. لقد مرت أربعة سنوات ونيف على سقوط النظام، وخلال ذلك نهبت ممتلكات الجيش والقوات المسلحة، وتم السطو على الذخيرة من قبل العصابات المسلحة. ولابد أن هذه الأسلحة والذخائر التي خلفها النظام والتي تعرضت للنهب أما قد أستنفذت الآن أو أنها في طريقها الى النفاذ والإستهلاك. ومن هنا تندفع جميع التشكيلات المسلحة غير الشرعية الى التوسل بأطراف خارجية لتأمين حاجتها من الأسلحة والذخيرة لقاء خدمات تقدمها الى هذه الجهات. وتشير الكثير من الدلائل التي تنشرها الجهات الأمنية العراقية والتابعة للقوات المتعددة الجنسيات الى عثورها كل يوم على أطنان من المتفجرات والأسلحة الجديدة التي لم تكن في السابق في حوزة القوات المسلحة العراقية. وهذا يعني بالنتيجة الى إرتهان التشكيلات المسلحة غير الشرعية للعامل الخارجي لتأمين أسلحتها وذخيرتها أو حتى تمويلها، وهو ما يؤدي بالحتم الى توفير أفضل الفرص لجهات إقليمية ودولية للعب بمصير العراقيين والعبث ببلادهم، وهو ما يحصل الآن. وسيشتد هذا التدخل إذا إستمرت الحكومة في ترددها في معالجة مشكلة إنتشار السلاح والسكوت على نشاط التشكيلات المسلحة غير الشرعية. ولنا في المثال اللبناني خير دليل على نهج إرتهان قوى سياسية لبنانية لها ميليشيات مسلحة لقوى إقليمية، مما جعلها أداة للمناورة وتصفية الحسابات بيد العامل الخارجي على حساب المصلحة اللبنانية الوطنية وحماية أمن لبنان الشقيق. فالسلاح الذي يحمله حزب الله الآن لم يعد أداة لصد العدوان الإسرائيلي وتحرير الأرض كما يدّعي هذا الحزب، بل تحول بشكل واضح الى وسيلة لحسم النزاعات الداخلية في لبنان بالقوة وليس تحت قبة البرلمان، على غرار ما حدث في هذا البلد أثناء الحرب الأهلية سابقاً وما أدى ذلك الى ولاء تنظيمات مسلحة أما لإسرائيل أو لسوريا أو لإيران أولغيرها من دول المنطقة. ويقوم هذا الحزب بمهمات تتعدى مهماته داخل لبنان بحيث أضحى وسيلة لتدريب أطراف مسلحة غير شرعية عراقية وغير عراقية. ويبدو أن أطراف عراقية إرتضت أن تلعب نفس الدور وتتحول الى أداة لقوى أجنبية إقليمية وغير إقليمية ولمنظمات إرهابية وأرتهنت لها. وهنا يطرح السؤال التالي: ماذا حصل بعض العراقيين من إنضمامهم أو دعمهم للمنظمات المسلحة كمنظمة القاعدة في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين، وإرتهانهم لقوى التخلف من 



                                                شقاة بيافطات دينية مزيفة

أصحاب الدشاديش القصيرة من الملثمين المتخلفين من أفغانستان ووزيرستان وصحراء العربية السعودية؟ إنهم شاركوا في تحويل بلدهم ومناطقهم إلى دمار، وجلبوا لأهلهم الهلاك وأفتعلوا مواجهات طائفية مشينة، وعرقلوا أية عملية بناء فيها بل ودمر ما كان شاخصاً فيها. ولهذا أخذ البعض العبرة أخيراً، ولو متأخراً، من هذه الورطة الفضيعة وشرع بمواجهة هذا التيار الإرهابي العالمي الشرس الخطير الذي لا يعرف الا لغة الموت والدمار والتخلف.
أن أكثر ما يستدعي العلاج السريع لهذه الظاهرة الخطيرة هو فك إرتباط هذه المنظمات غير الشرعية بالدين والمذهب والطائفة. فقد أدى إختطاف هذه المجاميع المسلحة للدين والمذهب والإيمان الديني إلى تشديد التطرف والمواجهات المذهبية وإتخاذها أبعاد رهيبة. فقد إستُغل الإيمان الديني والمذهبي لكونه أسهل وسيلة لتجنيد السذج في صفوف المنظمات المتطرفة وإيجاد المبررات والتستر على سلوكها الشيطاني الخطير. وفي إطار هذا الهوس الديني الذي طغى على الساحة العراقية، تحولت الجوامع والمساجد والحسينيات إلى ترسانات للأسلحة وميادين للتدريب على المفخخات والسلاح، وصفوف دورات لتدريب المتطوعين على دق الأعناق وتهيئتهم ذهنياً وعملياً لإرتكاب الجرائم البشعة. ومما عزز هذا الهوس الشاذ ومهّد الأرضية له هي الموجة العارمة التي عمدت الى تسييس الدين، ودمج النقيضين، أي الدين والسياسة. وللأسف أنجرت الى هذه الموجة حتى المراجع الدينية التي تحولت إلى أحزاب وكتل سياسية، وأصبح رجال الدين رموزاً في المضاربات والمناوشات السياسية بدلاً من أن يقوموا بدورهم كرسل لتنقية الوجدان والروح والأخلاق ووعض الناس بقيم المحبة والأخاء والطريق القويم والإبتعاد عن الإكراه. إنه لمن الممكن أن تجلب الواجهة الدينية مؤقتاً الأصوات لمن يتستر بها من المتاجرين بالدين، ولكنها لا تحل مشاكل الناس المستعصية ولاتزيل الأحقاد والضغينة، بل أنها تجلب الإساءة للدين وحتى النفور منه خاصة إذا ما أرتبط العنف بغلاف الدين والذي نشهده في مدن بلادنا. وهذا ما سيوجه ضربة كبيرة الى المعتقد والإيمان الديني، وسيهتز هذا الإيمان في قناعات الناس ووجدانهم، وإن غداً لناظره قريب.
إننا نواجه في العراق محنة حقيقية تتمثل في مدى قدرتنا على تجنب المزيد من غرق البلاد في دائرة التسلح والمنظمات المسلحة غير الشرعية. فهذه الظاهرة إذ تقود الجيل الحالي من العراقيين الى تقديم عشرات الآلاف من الضحايا والدمار، الا أن الأخطر هو تحويل العراق ولأجيال قادمة الى غابة للعنف والقسوة، والى بلد تسوده شريعة الغاب. فهل يعي حكامنا هذه المخاطر؟ وهل أن الحكومة الحالية جادة على تطبيق برنامجها الإنتخابي القاضي بتصفية هذه المظاهر الخطيرة وتعي بذلك؟
25/9/2007