الرئيسية » مقالات » في الذكرى الثالثة والعشرين لإستشهاد الدكتور ابو ظفر

في الذكرى الثالثة والعشرين لإستشهاد الدكتور ابو ظفر

ابا ظفر يا من كنت مثالا ملهما في العطاء الإنساني والمهني …يا من عشت منغمرا في هموم شعبك ووطنك وملتصقا بحزبك … غبت عنا جسدا لكنك ستبقى نبعا صافيا ، نجما لاينطفئ ، خالدا في قلوبنا وذاكرتنا على مر السنين . لسوف تعيش في اولئك الذين يحلمون بقرنفلة حمراء وشمس ذهبية وتمر عراقي . ها هم رفاقك واصدقائك يستذكرون .



أبوظفر : موهبة كسر حلقات الاعتياد واخترق اللامألوف

البساطة

لم يعتد كثير من الرفاق الانصار البسطاء مصادقة طبيب في حياتهم وربما لم يتشرف الكثير منهم بصداقة طبيب في حياتهم البتة، اما اولئك الذين عاشوا ظروف قرية او منطقة نائية فكان يكفيهم طموح مصادقة مضمد القرية لزرق ابرة بطريقة رحيمة اوفرصة تسريب حبوب من نوع مرغوب .

لكن ابا ظفر أوالطبيب محمد بشيشي الظوالم ، جاء من بيئة صحية متميزة خلقاً ومهنة.

لم اكن عارفا بحياة ابو ظفر السابقة، ولم اتعرف عليه الا بعد ان وصل ومجموعته المميزة والتي ضمت ابا نهران وغيرهم من الذين احالوا الطريق الصعب الى نزهة ميسرة من المرح والنصب والتنكيت على كل الظروف القاهرة.

كان مجرد مجئ طبيب وانضمامه الينا في ظروف الحياة الجبلية القاسية هو نصر صحي بكل المقاييس، وبمقاييس طبيب مثل ابي ظفر هو نصر لايحتمل فرحه في ظروف تلك الايام.

وفي كل ما سأكتبه هنا وهو قليل حتما بحق الطبيب ابو ظفر ، مقاربة متواضعة للاجابة عن العنوان الذي يتصدر مقالتي هذه وسيفسرها بوضوح مستق من الحياة الحقيقية التي عاشها العزيز ابو ظفر دون تزويق او طلاء.

كان أول ما طرحه الطبيب ابو ظفر هو الالتحاق بالمفرزة 47 التي كانت حينذاك تتحرك في منطقة الدوسكي وبرواري باله في قاطع دهوك ، وهكذا التقيناه هو و ابو نهران واخرين التحقوا لدعم المفرزة التي استبشرت كثيراً بقدوم هذاالصيد الدسم!.

وسرعان مابدأ الرفاق يتحلقون حوله، وكل يحمل همه الصحي بيد واليد الاخرى لصداقة الجميع وكان ابو ظفر يحمل ملفات صداقة للجميع من نوع آخر احتاج الرفاق وقتا لكي يستوعبوه ، ومن هنا انعقدت معه صداقات ستدوم ولن تتوقف واخرى شعرت بضيق من فرط طروحات وسلوكيات هذا الطبيب الطيب المتواضع والجدي الطموح.

الموهبة والتواضع
لم يكن ابو ظفر مترفعاً، أو منتهجاً لسلوك الترفع، فنحن جميعاً بسطاء وانتمينا يوماً بارادتنا الى حزب البسطاء، ولكن شريحة كبيرة من هذا الحزب كانت تبحث عن رفعة مصطنعة ضمن هذا الواقع الصعب والمعقد، ولذلك انخلقت أو تخلقت شريحة بنمطية سلوكية وشللية تميزت بالاصغاء المطبق للاعلى ولتمثل حركات والفاظ وكلمات ذلك الاعلى، وكان من النادر ان تسمع لتلك الشريحة رأي في مسألة مطروحة ، ولذلك كانت تتسلق شجرة الحزب بطريقة هادئة مطيعة واليفة طالما هي تآلفت مع الاعلى.

وبالمقابل كان هناك نهج آخر اسميه ولأول مرة ربما، نهج ابو ظفر، الذي زرع لدي شخصياً الكثير من الاثارة والحماس بالعمل ، سواء في تأسيس نشرة اخبارية يومية، او المشاركة في المجلة 47 ، او في كتابة دليل المنطقة، وغيرها من المشاركات الى الحد الذي فاجأني يوماً وكنت في قمة حماسي وادائي في المفرزة، بأن” رفيقا قياديا سيلتقيك لامر ما وسأكون معه! “، وحقيقة انتابني شعور غريب بماهية الموضوع وكأنني ارتكبت أمراً ما غير سار.

كان ذلك الرفيق هو ابو عثمان وكان ابو ظفر معه كمسؤول مباشر ، وحين طرح ابو عثمان مقدمته وتقييمه لي كرفيق مثابر وعملي وجدي ،” وأن اخذت عليك بعض الملاحظات على جديتك ومجادلاتك على ضرورة مشاركة الجميع باعمال المفرزة الا اننا قررنا تقديمك !!”وشعرت انني سأقدم للمحاكمة! ولكن الرفيق ابو ظفر طمأنني وكأنه قرأ على قسماتي القلق من هذه المحاورة ، موضحاً “بان ذلك التقديم هو تقييم الحزب للرفيق الجيد ، وباختصار فانت راح تصعد بايه !” وفوجئت بان في الحزب بايات ، وحين انتهى الاجتماع وانفرد بي ابو ظفر قال : “ستجد كوارث امامك كلما صعدت بايه اخرى”، وبالفعل كانت البايات في صعودها تتقاطع مع سلم انحسار المبدأية والحماس الحزبي الهابط على الجهة الاخرى من سلم الصعود!!.

وعندما جلست مع المجموعة الجديدة في تلك ” الباية” شعرت حينها فقط، كم انا مغيّب ، وكم كان الصاعدون مؤدبين!! او متأدبين وما اكثرهم في تلك الباية . وللعلم لم ارتقي اكثر من تلك الباية في الحزب ومنها قفلت الى بوابة الحياة التي اعطتني بايات اكبر ولكن عبر جهاد شخصي وعناد ضد الاستسلام وضد الدجل.

كسر مألوف المسلمات
من تلك الفترة ، ومن خلال تلك الباية عرفت جهاد ابو ظفر من اجل كسر المألوف في صعود ” البايات” كان صعود ابو ظفر سريعاً، وكان عناده ومبدأيته تفرضان المسمار فرضاً على لوح التقليد الحزبي، وكان يتسلق السلم سريعاً وتزداد معه طموحاته في التغيير ولكن باقتحام القمة قسراً على التقليد المؤدب.، وعلمت من قراءة ماكتبه الصديق ابو نهران عنه انه كان ينوي الترشيح للّجنة المركزية التي كانت عصية على الحلم وليس على الواقع فحسب قبل المؤتمر الرابع

كانت موهبة الطبيب ابو ظفر هي التي اهلته عبر خبرة مايقارب الثلاثة عشرة سنة الى ان يكون مديراً لمستشفيات عدة منها ما شغله في العراق قبل خروجه

هاربا من النظام القمعي ومنها ماقضاه في مناطق نائية في اليمن بمحافظة شبوه واخرى في مستشفى الأطفال في عدن ، وفي العراق عمل طبيبا في السماوة والدغارة والطفل العربي في بغداد وتخصص في طب الأطفال، ولكنه كان طبيبا عاماً ليس للانصار بل في منطقة الدوسكي وبرواري باله ومن ثم في مقر بهدينان الى ان انتقل الى بشت آشان حيث انشأ مستشفى ميدانياً بمكونات محلية خالصة.

الايمان بالواجب ورفض التمييز
“” وكان الرفيق المميز والمثابر الشهيد الطبيب ابو ظفر، فضلا عن ادائه لواجب عيادة المرضى خلال زياراتنا للقرى ، يصر على القيام بواجب الحراسة في القرية كأي نصير مقاتل، وكنا نلح عليه ان يبقى للاستمرار بعيادة مرضى القرية الذين هم بحاجة الى خدماته طالما لم تصلهم خدمات الحكومة العراقية، ولكنه كان يصر على القول (ان واجبي كنصير هو القيام بواجب عسكري والا سأنغمر في عملي الطبي وانسى واجبي العسكري) . وكان القرويون يعجبون لهذا السلوك ويعرضون عليه القيام بواجب الحراسة ولكنه يبتسم ويقول لايمكن ان يكون هذا صحيحاً ! ، ولم يكتف بعلاج مرضاه من القرويين والرفاق الانصار بل انه رتب ارسال وصفاته العلاجية الى عدد من الصيدليات في الموصل لدى صيادلة يعرفونه اوانه تعرف عليهم من بعض الرفاق، وكان ذلك للاطمئنان على المرضى من احتمالات استخدام الادوية للتسميم او لمقاصد امنية اخرى ، وكان الصيادلة يدعون وصفته بوصفة الطبيب الشيوعي”(1) .

كان ذلك التواضع مع الفلاحين هو الذي أعطى للمفرزة دفعة اخرى من الاحترام والدعم القروي ، فتبادر الكثير من اهالي المنطقة لتلبية طلبيات غذائية ودوائية للمفرزة فضلا عن الدعم المعنوي الكبير واللوجستي للمفرزة طالما كانت حياتهم الصحية بايدي طبيب خبير حريص على صحتهم وامنهم ومستقبلهم السياسي.

وكان ذلك كسراً آخر للمألوف من ترفع الطبيب عن الحياة المتواضعة للقرويين على بساطتها وظروفها الصعبة، وكان ايضا ايماناً منه بالواجب ورفضا مبدأياً للامتياز الذي يمتلكه هو حقاً علينا، فهو يعالجنا في وقت راحته، وفي وقت سمرته مع الفلاحين التي كنا ننتظرها بشغف، نجرب فيها لغتنا المبتدئة، ونحصل فيها ما يمكن من معلومات عن حركة العملاء والجيش .

لم يرض لنفسه ان يرتاح على حساب واجبه، فيما رضي الاخرون ذلك من اعضاء ” بايته” ولم يرض لنفسه رفعة او ترفعاً بل اختار طريق الناس.

وكانت تعليقاته ونكاته واستحضارات احاديث القرويين هي الفصل المريح في يومه المتعب، ويبدو انه كان يخصص لذلك وقتاً،فحين يندفع في الحديث وفي استحضار تلك الطرائف ويعيدها، يستفز الاخرين الى استذكار مثيلاتها وهكذا تكون مدخلاً لساعة ترفيه يشترك فيها ” اعلام ” المفرزة من اكرم الفلايا الى ابو نهران الى ابو برافدا وعلاء وغيرهم.


وكان بين الحين والاخر، يدفع بنصائحه الطبية، مابين الهزل والجد ، فكان ينبه الرفاق عن مضار الشراهة بالقول المتواضع ماتأكله ولايحتاجه جسمك سيلفظ خارجاً ، لم لاتدعه على الشجرة!! وكنا نضحك من التشبيه، وذلك حينما لاحظ الهجمة الشرسة على بساتين التين في احدى بساتين الدوسكي، لان الفلاحين اشتكوا شراهة القادمين للمنطقة. فكان يجمع بين النصيحة والطرفة والجد المفيد.

ولابي ظفر الفضل في تجنيبي الاصابة بالسكري، انتبه لي يوماً وقال هل ان احد والديك مصاب بالسكر؟ قلت له نعم والدي كان لديه مرض السكري، فقال لاحظت اقبالك على اكل الحلوى ولذا ارى ان تنتبه لنفسك من اكل الحلوى منذ الآن فقد تصاب مستقبلاً بالسكري ، ومن ذلك الوقت تجنبت شراهة الاقبال على الحلوى وهانذا سليماً معافى من ذلك الدرس والتوعية المبكرة للشهيد ابو ظفر . وقد يحتفظ الرفاق الاخرين حتما بمثل تلك الموعظة والتنبيهات الصحية المتنوعة.

لقد قرب ذلك التواضع، وتلك المعايشة اليومية من شخص ابي ظفر في نفوس الرفاق، وكان الجميع يشعر حقا بسقوط الكلفة والفوارق الاكاديمية بين رفاق بعضهم لم ينه دراسته المتوسطة او الثانوية وكان بعضهم عمالاً بسطاء واخرين مراهقين وكان هو صديقهم جميعاً، يسخر من انفعالاتهم وتعشقهم وصبواتهم ويرد عليها بغريزة العارف والطبيب فيضح الشاب من حوله عارفا ان الطبيب له عيون ترى ماتحت العيون وخلفها.


اعتاد الرفاق ان يروا صمتاً من الرفيق الذي ارتقى السلًم..!
كان ابو ظفر ومازال وسيبقى بتقديري حاضراً في نفوس الكثيرين من الرفاق الذين عاشوا فترات العمل الانصاري، لارتباط ذلك التعايش بتعلم انماط من النقد الجرئ والواضح والذي تربى عليه وبموازاته جيلٌ من الانصار من طراز النقد “طك بطك” واستثار ذلك بالطبع نمط آخر من الانصار والرفاق ممن آمنوا بالتقليد وعشقوه فكانوا أمناء لسنة الحزب! فيما اختار اخرون طريق التغيير، وحينما رحلت لبشت آشان طالباً الذهاب الى كرميان التي كنا نسمع بوقوع الكثير من العمليات العسكرية فيها، لم يتوقع لي ابو ظفر انني ساكون سعيداً بهذا الاختيار وتوقع الروتين نفسه ، وسرعان ماداخلني شعور بالنصر لفكرتي حينما وجدته في بشت آشان ذات يوم قادماً من بهدينان بعد ان ضجر من الوضع ، فجاء باحثاً عن التغيير، وسرعان ماانخرط بالبيئة الجديدة كاسراً مألوفها بانشاء مستشفى ميداني، ساعده فيها نجار ماهر ، اقتطع له اشجارا عمل منها سرير للمعاينة واسّرة لمنام المرضى وكراسي للطبيب والمريض ورفوف ، وكنا نعجب لهذا التحدي في كسر المألوف .

لم نجلس في تلك الفترة كثيراً ، فقد كنت في مقر المكتب العسكري المركزي مشغولاً طوال الليل والنهار بتنظيم الحراسات الليلية والنهارية والخفارات والمرافقات للمسؤولين وللمهمات العسكرية الاخرى، وكنت اغطي حراسات بعض المتهاونين لمرضهم او لتعبهم من المهمات المتكررة، وفيما كان ابو ظفر منهمكا بمستشفاه وبامكانية توفير الادوية وغيرها بالمستلزمات الاخرى،كان الروتين وبلادة العمل يلف الانحاء في بشت آشان، وبالرغم من انشغال النظام العراقي في الحرب الايرانية ، وتفرغ كل قوى الكرد والقوى الوطنية الى مواجهة هذا الوحش الكبير، كان الحزب نائماً على خدر لذيذ، شعرت بان لاجدوى من العمل فقدمت طلباً للخروج الى اليمن وغادرت العمل الانصاري بارادتي ، ولم التقي بابي ظفر الا عندما جاء عام 1984 لزيارة زوجته باجازة ، كان لقاؤنا فاتراً ، فقد اصبحنا نحمل وجهتي نظر مختلفتين وان لم نتناقش بهما ، كان هو ينوي العودة الى العمل الانصاري وكنت لا ارى جدوى بهذه التضحية لمصلحة حزب لايريد ان يتحرك نحو الامام، وكان ابو ظفر يريد الامساك برأس الحزب ليجري التغيير، فكانت عودته في شهر ايلول، عودة تحمل التحدي والامل بصناعة فجر التغيير من موقع أعلى،وحتماً كان له مايعزز وجهة نظره، وهذا ماحصل لاحقاً،.. ولكن النهر كان فاغراً فاه لابي ظفر ورفاقه ممن عبروا تحت مرأى الكمين القاتل خلف الضفة الاخرى حيث يمتد العراق ، وكان هذا نموذجاً آخر لكسر المألوف، إذ لو طلب ابو ظفر من الحزب تذكرة تنقله الى محافظة تركية وجواز سفر لتمكن من الحصول عليهما، ولكنه ابدا لن يرضى باكثر من حقوق ابسط رفيق من رفاقه، كان هنا يريد اختراق المألوف في الترفع من قبل اصحاب القمة، لصالح اعتياد التواضع وصياغة قانونه الذي تطبع عليه وأحبه بدون تكلف وزرعه بثقة لدى نفوس كل من عايشه وعمل معه.

من هنا ومثل عشرات بل ومئات من احبوه تطوعت للبحث عن أثرٍ لابي ظفر الذي وهب نفسه لشعبه وحزبه ولم يقف الحزب له على أثر، ولعل الامل في العثور على كامل القصة هو غاية مانبتغيه نحن محبيه إذ ليس من الانصاف ان ندع تلك المهمة لشقيقة روحه السيدة ام ظفر وحدها تبحث وتبحث الى مالانهاية له ، حاولت من جانبي ان احرك مالدي من اتصالات في دائرة الشهداء في بغداد واتحاد السجناء السياسيين ولم اجد جواباً، فكارثة الخراب حلت بالاوراق والمستندات ايضاً، ورغم ذلك اشعر اننا لو كثفنا جهودنا للبحث عنه وعن سواه من المفقودين فلربما توصلنا الى بعض النتائج.

واعتقد ان من الوفاء أن نبدأ حملةً واسعة نلتقط فيها خيوط اختفائه منذ حادثة عبور دجلة هي ابسط مايمكن ان نقدمه من عمل منظم ،يشترك فيه الاصدقاء والشرفاء من محبيه ومن رفاقه ،

حملةٌ تتبع مسار رحلته بصدق وبعين باحث من زاخو حيث عبر هو ورفاقه عندما فاجأهم الكمين، والاحاديث المتوفرة تقول انه نقل جريحا الى معسكر في دهوك ( هنا يتوجب على منظمة الحزب في دهوك وزاخو تتبع ذلك الخيط ) ومن ثم نقل الى الموصل ، ثم اختفى الاثر ….!

إن البحث عن مصير رفيق بمثل ابو ظفر هو ابسط مايمكن ان نقدمه للاثر الطيب الذي تركه لدى الناس حيثما عمل ، ولكي يكون مسحة من وفاء نقدمها للسيدة الجليلة ام ظفر في ذكرى استشهاد حبيبها وحبيبنا ابو ظفر، إذ ان اصعب انواع المعاناة هي معاناة الفقد، أما الذي يستشهد او يموت بشكل طبيعي فتذوي مرارة فقده طالما تشعر انه مسجى في بقعة ارض تستطيع ان تزورها متى شئت.

معروف

رفيق سابق في المفرزة 47

(1) نص من كتيب لذكريات شخصية .

يتبع