الرئيسية » مقالات » الفيدرالية وإمكانيات تطبيقها في العراق

الفيدرالية وإمكانيات تطبيقها في العراق

من جديد أثار الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي مسالة تقسيم العراق ،ويحاولون الآن أصدار قرار غير ملزم لتطبيقها،وقد أثارت الفيدرالية في العراق،الكثير من الخلافات بين الأطراف المختلفة،وأدت إلى حدوث الكثير من التقاطعات، وتكاد تعصف ب مجمل العملية السياسية ،بسبب التشنج في الخطاب السياسي من قبل الجميع،ولمعالجة هذه المشكلة بهدوء،علينا استعراض منافع ومساوي الفيدرالية،فلكل شيء وجهان،أحدها مفيد والآخر ضار،ولابد لي قبل الخوض في هذا المضمار الصعب،أن أنصص على أن فيدرالية كردستان،هي أمر واقع لا يمكن تجاهله،أو تجاوزه وتفرضه طبيعة التكوين القومي للعراق،وما أفرزته المراحل السابقة،وأؤكد هنا على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة على كامل أرضه وترابه في كردستان الكبرى،لأن الأمة الكردية منيت بالكثير من الظلم والتعسف،وهو حق مشروع ضمنته الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية،وللشعب الكردي ظروفه التي تتيح له أن يكون مستقلا بذاته دون وصاية أو هيمنة من أي جهة كانت،وأن الظروف الدولية والعالمية هي التي أدت إلى تمزيق هذا الشعب،وأحالته إلى مقاطعات تابعة لدول لا يرتبط معها بأي وشيجة قومية أو ثقافية أو لغوية أو اجتماعية،فهو يختلف في الكثير من الجوانب،عن طبيعة تلك الشعوب وانحداراتها العرقية،وال كورد متفضلون على العرب والمسلمين بارتباطهم هذا،وكان لهم الحق بالانفصال بعد انفراط عقد الإمبراطورية العثمانية،التي كانت مبنية على الأساس الإسلامي،لأن الشعوب التي كانت منضوية تحت هذه الإمبراطورية انفصلت عنها،وقامت لها دول وأمارات ألا الشعب الكوردي الذي شاءت الضروف ،وشاء هو أن يبقى على سابق ارتباطه،رغم حقه المشروع في تكوين دولته المستقلة، وعلى كل عربي منصف ،أو إسلامي متعفف، أقرار هذا الحق والابتعاد عن التعصب الذي زرعه الفكر الشوفوني للدعاة المزيفين في الفكر القومي العربي،بادعاأتهم الجوفاء بأفضلية قومية على أخرى ،يتعكزون على أمور لم تكن من صميم الفكر الإسلامي ،كما يقول مفكرهم الأعظم(خير الله طلفاح)في كتبه المسروقة من الآخرين(كنتم خير أمة أخرجت للناس أولائك آبائي)ولا أدري ماهو وجه الخير في أمته ،التي سامت الشعوب التي استعبدتها الضيم والقهر والإذلال،وأحالتها إلى خولا وعبيدا،طيلة الفترة المظلمة للحكم الأموي والعباسي،الذي بنى أمجاده على جماجم المظلومين.
والآن لنتساءل : ماهي الفوائد والأضرار التي نجنيها من أقامة النظام الفيدرالي ؟وما هي الفيدرالية المطلوبة للعراق؟.
ينكون العراق من قوميتين رئيسيتين وأقليات أخرى عاشت عبر ألاف السنين في مد وجزر من العلاقات ،ومرت بظروف مختلفة أتسمت بالاتفاق والاختلاف،وفيه أديان ومذاهب متعددة ،فكيف يكون بناءه الفيدرالي؟هل تبنى الفيدرالية على أسس قومية أم دينية أم مذهبية أم أدارية أم جغرافية،فأذا حولنا بناءها على الأساس القومي ،علينا تشكيل إقليمين عربي وكوردي،رغم التشابك في التكوين السكاني للقوميات المختلفة،وإذا أردنا بناءها على الأساس الديني ،فالأكثرية الإسلامية لا تتيح لنا المضي في هذا المشروع،أو أن يكون البناء الفيدرالي على الأساس المذهبي،فستكون لدينا أمارة شيعية في الجنوب والوسط،وأمارة سنية غرب البلاد،وتكون بغداد فيدرالية يتعدد فيها الانتماء القومي والديني والمذهبي،وكل هذه التقسيمات تؤدي مستقبلا إلى حدوث التناحر والتقاتل بسبب الخلافات المذهبية والأجندات الخارجية،لذلك نرى أن الأصلح للعراق هو أقامة الفيدرالية الإدارية التي ترتبط بحكومة مركزية تقرر سياسة البلاد العامة،وتكون للمحافظات إدارة أمورها الداخلية بما يتناسب واحتياجاتها ومتطلباتها.
ان الدعوة التي أثارها سماحة السيد الحكيم،رئيس كتلة الإتلاف العراقي بإقامة إقليم الوسط والجنوب،قوبلت بالرفض والاستنكار،من أطراف مختلفة شيعية وسنية،وأديان وقوميات أخرى إضافة للقوى العلمانية التي ترى في هذا المطلب بوادر لا تنذر بالخير،ويستند الجميع في هذا الرفض إلى العوامل التالية:
1ـ اعتبرت بعض الأوساط،أن أنشاء الأقاليم هو بداية لتقسيم العراق على أسس مذهبية،حيث يتوزع العراق على ثلاثة أقاليم،إقليم كردستان غير المختلف عليه،لأسباب موضوعية وسياسية من قبل كافة القوى السياسية،والإقليم الشيعي الغني بموارده وإمكانياته التي تتيح له الانفصال ،والإقليم السني المرتبط عقائديا وقوميا بالدول العربية،وبذلك ستتكون أمارتان متحاربتين،بفعل التدخل الخارجي ،وشدة الاختلاف بينهما.
2ـ عدم وجود الكوادر المؤهلة لإدارة الأقاليم في الوقت الحاضر،بسبب الفشل الذر يع للتجربة الحالية في إدارة المحافظات،حيث طغت على السطح جهات غير مؤهلة لقيادة المجتمع،وتولت زمام الأمور عناصر من أنصاف المتعلمين ولا يملكون العلمية أو الخبرة في إدارة المحافظات مما أدى إلى ظهور الكثير من الإخفاقات التي انعكست سلبا على كافة مشاريع الأعمار والتنمية والخدنات ، وضعف الحكومة المركزية ،وعدم قدرتها على اتخاذ القرار مما أدى إلى تفشي الفساد المالي والإداري وسرقة المال العام وما حدث من سرقات هائلة من الواردات النفطية من قبل الجهات المهيمنة على اتخاذ القرار وعدم القدرة على مسائلتها دليل على عمق الهوة التي انحدر إليها الوضع في العراق
3- التدخل الخارجي : ومما لا يشك فيه اثنان أو يتناطح عليه عنزتان ان لدول الجوار هيمنة واضحة على الجنوب العراقي الغني بالموارد النفطية ،وان بعض الجهات المهيمنة ترتبط بصورة مباشرة بدول لها إطماع تاريخية لايمكن تجاهلها ، وان هذه الدول تتحكم بشكل كامل في الشأن العراقي من خلال واجهاتها والأطراف المرتبطة بها وظهر من خلال تصريحات بعض المسؤولين في تلك الدولة ما يشير على قدرتهم في إنهاء الإرهاب واستقرار الوضع في العراق ، والمعروف ان الصراع على الأرض العراقية هو صراع أجندات عراقية لها مصالحها الخاصة وأهدافها البعيدة فالجارة إيران تشتبك بصراع ضار مع الولايات المتحدة الأمريكية في مواقع كثيرة أهمها العراق وتضغط بشكل متواصل على الجهات الأمريكية لتمرير برنامجها النووي ، وأبدت استعدادها لإجراء مفاوضات مع الشيطان الأكبر حول العراق ارتباطا بملفها النووي ، وكانت تصريحات رئيس الجمهورية والمرشد الأعلى وكبار المسؤولين تصب في هذا الاتجاه وأخرها بلقاء المرشد الأعلى برئيس الوزراء العراقي عندما صرح بأنه يستطيع إعادة الأمن في حالة انسحاب القوات المتعددة الجنسيات منه ، وإيران أيضا استعداد للتهدئة إذا سمح لها بتمرير برنامجها النووي ، أو حصلت على التعهدات بعدم التعرض لها ،فيما تكون للإقليم الأخر بعده العربي ، والإسلامي لوجود الأكثرية السنية التي ترتبط بوشائج مختلفة مع الدول العربية .
4-التصرف بالواردات النفطية :لقد نص الدستور العراقي على تزويد الأقاليم،بنسبة محددة من الواردات الطبيعية المستخرجة من الإقليم،إضافة إلى حصتها المقررة حسب النسبة السكانية،ويتخوف الآخرون من استحواذ الإقليم الجنوبي على مجمل الإيرادات النفطية،لوجود ما يشير إلى حدوث سرقات بما يزيد على المليار دولار شهريا،طيلة النواة التي أعقبت سقوط النظام،ووجود بوادر تشير إلى أمكانية قطع الإمدادات النفطية عن الإقليمين الآخرين،كما حدث عندما شجر الخلاف بين الأطراف المتصارعة،فأصدرت المجالس المحلية الجنوبية قرارها بعدم تزويد المحافظات الشمالية والغربية بالوقود،وهو ما يدفع الجهات الغربية إلى قطع المياه عن الوسط والجنوب،ويؤدي إلى ألاحتراب والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد،والدين الواحد!
5ـ كما ورد في الدستور ما يشير إلى صلاحية الأقاليم بأعداد الدساتير الخاصة بها،وهذا الأمر سيؤدي إلى أقرار دستور يتواءم ورأي المذهب الغالب في تلك المناطق،وتغييب الآخرين لوجود ظواهر حاليا على أرض الواقع تشير إلى ممارسات تخالف المذاهب الأخرى،بحكم الأكثرية المذهبية الغالبة،بل وصلت الأمور ببعض المحافظات إلى تغير المناهج الدراسية المقررة ،بما يتلاءم وأراء الطائفة الكبيرة،وأن ما يدرس فيها هو تكريس للفرقة الطائفية،وتأجيج للاحتقان ،وزرع لبذور الحقد على الآخرين،بإيراد الروايات التاريخية التي ورد فيها ما يشير إلى حدوث معارك أو خلافات بين الفرق الإسلامية،وخصوصا في الصفوف غير المنتهية،التي لا تشمل بالامتحانات العامة،وقد لوحظ بعد سقوط النظام،هيمنة رجال الدين على المدارس الرسمية ،والمعاهد والجامعات،وتدخلهم في أدارتها ومناهجها،وإلقاء المحاضرات التوجيهية التي تخدم توجهاتهم السياسية.
6ـ الفساد المالي والإداري:أن هيمنة بعض الكتل على إدارة المحافظات،ـ وهي كتل أسلامية تمثل طائفة معينةـ أدى فيما أدى إلى تعطيل الرأي الآخر،وتهميش الآخرين،لأن الغلبة في عدد المقاعد ،أدت فيما أدت إلى الانفراد في اتخاذ القرارات مهما كانت،وعلى الآخرين السير بركابهم،والموافقة على أرآهم ،وهذا أدى إلى استشراء الفساد المالي والإداري،لعدم وجود القدرة على محاسبة السراق،وهو ما ظهر في عمليات تهريب النفط ـ التي تهيمن عليها قيادات فاعلة ـ،والهيمنة على مشاريع الأعمار،بإحالتها إلى المتعاونين مع تلك الجهات المشاركة في الأرباح،ظمن أطر قانونية،وأساليب يعرفها المتمرسون في هذه الأمور،مما خلق طبقة جديدة من المقاولين الهامشيين الذين يشاركون ألآخرين أرباحهم،دون أن يتحملوا عبء العمل وهمومه،بل وصل الأمر في بعض المحافظات إلى تجاوز الأعضاء الذين يمثلون الجهات المعارضة،وانفراد هؤلاء باتخاذ القرارات،لأن أعدادهم كافية لإكمال النصاب القانوني لاتخاذ القرار،وهذا الأمر تفشى في المحافظات الجنوبية والغربية على حد سواء،ولا تنفرد به محافظة دون الأخرى.
أما ايجابيات الفيدرالية،فهي كثيرة ومتعددة،ولعل النظام الفيدرالي من أفضل الأنظمة القادرة على معالجة الاختلافات القومية والدينية،لو توفرت الكفاآت المؤهلة لقيادة الإقليم،والفيدرالية ضمان لعدم عودة الدكتاتورية،وتسلط المركز على مقدرات البلاد،وتصرفه بالأموال بطريقة مركزية لا تراعي النسب السكانية،والحاجة الفعلية،وهو ما أثبت فشله طيلة فترة ما يسمى بالحكم الوطني،حتى سقوط النظام.
ومن إيجابياتها أيضا ،أمكانية الأقاليم في إدارة شؤونها،والتصرف بالميزانية المخصصة لها،بما يخدم أهلي الإقليم ،في توفير الخدمات ،والبناء والأعمار،والمعاملات الإدارية،التي تتطلب في زمن الحكومة المركزية أستحصال موافقة حكومة بغداد حول الصغيرة والكبيرة،في الوقت الذي تعطي الفيدرالية صلاحيات لإدارة الإقليم في التصرف.
ويرى البعض أمكانية تأجيل موضوع الأقاليم لحين تعديل الدستور،وإقراره حسب الاتفاقيات المسبقة بين الكتل السياسية،وأجراء استفتاء حول تشكيل الأقاليم .فيما يرى آخرون التأجيل لحين توفر الظروف الملائمة لتطبيق قانون الأقاليم،وتوفر الكفاآت المؤهلة لقيادته،ومعالجة الاحتقان الطائفي، وحل المليشيات،حتى تكون الخيارات الشعبية بعيدة عن تأثير الطائفة والمذهب،ولابد من الإشارة في النهاية ،إلى أن الفيدرالية كمبدأ قد اتفقت عليه جميع الأطراف، ألا أن الخلاف حول تشكيل إقليم الوسط والجنوب،لما يحمل في ثناياه من نوايا مشبوهة،بسبب الاحتقان الطائفي الذي تعيشه البلاد،وفي الختام أشير إلى أمر أهمله الكثيرون،ذلك أن الجانب الشيعي بكافة مرجعياته الدينية والسياسية،كان ضد مبدأ الفيدرالية،وقد جرى تحشييد الرأي العام لمناوئتها ،ونظمت مضابط وقع عليها الملايين لرفضها،لأن الغرض منها تقسيم العراق،إلا أن رجوعهم عن هذا المطلب ،والمطالبة بتشكيل الأقاليم،جاء بناء على واقع جرى الاستفادة منه،لأن هيمنة هذه المرجعيات،والأحزاب على مقاليد الحكم في وسط وجنوب العراق،وسيطرتهم الكاملة،جعلتهم يلمسون مدى النفع المادي،الذي سيجنى، من خلال هذه الأقاليم،ومدي أمكانية سيطرتهم واستحواذهم على مقدراته،وإمكانية أقامة نظام كون فدرالي لما يتمتعون به من أغلبية مطلقة، وقوى مسلحة،لا تسمح للأطراف الأخرى بمعارضتهم،وما سيوفر لهم من امتداد خارجي بحكم المجاورة مع شعوب تدين بذات المذهب،في ظل جار قوي له مصلحة كبرى بتكوين دولة مذهبية على غراره،يمكن لها أن تمتد لتشمل معظم دول الخليج العربي ذات الأغلبية الشيعية،وكذلك أمكانية الاستقلال، لكثرة الموارد الطبيعية،ووجود منافذ مهمة،وبوابات عديدة على الخليج العربي،تجعلهم لا يحتاجون إلى منفذ آخر كما هو الحال في الأقاليم الأخرى.