الرئيسية » مقالات » بعض معوّقات العملية السياسية في العراق

بعض معوّقات العملية السياسية في العراق

حينما يمر أيْ شعب من شعوب العالم , بمرحلة إنتقالية مهمة ضمن مساره العام , فمما لا شك فيه , أنْ آثار هذا التحول ستنعكس , سلبا أو إيجابا , على مجمل الأوضاع العامة لذلك البلد . ولعلّ الجانب السياسي يكون هو الأكثر تأثرا بهذا التحول منْ بين جميع الأوضاع . وفي العراق يُعَد التاسع من نيسان 2003 هو نقطة إنعطاف كبرى في حياة الشعب العراقي , بإعتباره يمثل نهاية حقبة زمنية , لحكم شمولي إستبدادي , وفي الوقت ذاته يؤسس لبداية مرحلة جديدة بقيادات جديدة كانت حتى الأمس القريب تعمل في نطاق خط المعارضة ضد السلطة السابقة , وحسب الفرض , فأنّ توجهاتها العامة تسعى من أجل إشاعة مفاهيم العدل والتعددية والقيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة , فهذا هو خطابها العام الذي تبنته طيلة سنوات عديدة . وها هي اليوم تتسلم مقاليد الأمور بيدها , فهل تحقّق لها أو بالأحرى هل تمكّنت من أنْ تحقق ولو بمستويات معينة , ما قطعته على نفسها أو ما أوعدت به جماهيرها وعموم الشعب العراقي ؟ تلك هي النقطة التي نحاول الوقوف عندها . ومن الجدير بالقول هنا , يجب أنْ لا نعتقد بأنّ هذه النخب السياسية سوف تجد الطريق سالكا أمامها . فالتركة ثقيلة تلقي بحملها على كاهل النخب السياسية,وساحة الواقع السياسي حبلى بسلسلة من المصاعب وأحداث متلاحقة لا يعرف لها أول ولا آخر . ويمكننا هنا الوقوف على بعض العوامل التي تشكّل في حضورها وتفاعلها , نوعا من المصدات التي تقف بمواجهة عملية سير العملية السياسية في العراق , مسببة لها الكثير من الإرباك والصعوبات . ومن هذه العوامل : الكيفية التي تمّت وفقها إزاحة وإسقاط السلطة الشمولية السابقة. أن العديد من الحكومات والسلطات الجائرة في العالم ,تمّت إزاحتها عبر الثورات أو الإنتفاضات الشعبية بقيادة نخبها السياسية والوطنية . في حين أنّ الذي حدث في العراق يختلف عما ذكرناه قبل قليل , وذلك كون أنّ إزاحة سلطة البعث تمّت بطريقة الإحتلال العسكري المباشر وليس على يد الشعب ممثلا بنخبه السياسية والوطنية. وهنا أسارع بالإشارة الى أنّ هذا الكلام لا ينبغي أنْ يُفهم منه بأنّ الدور الذي لعبته المكونات السياسية العراقية أثناء مرحلة المعارضة ضد السلطة الإستبدادية , هو دور هامشي , بل العكس هو الصحيح , فأنّ النضال الذي خاضته هذه القوى كان فاعلا وكبيرا حيث انهك جزءاً من كيان السلطة . ولكن مع ذلك , لا يمكننا القفز على بعض الحقائق بإنكارها وغض الطرف عن وجودها الفاعل . فالعراق أصبح بلدا محتلا من قبل الأجنبي شئنا ذلك أمْ أبينا ,ومنْ لا يريد الأقرار بهذه الحقيقة , فلسببين لا ثالث لهما , أمّا لقصور في وعيه السياسي ومحدودية مداركه الفكرية وسطحيتها , أو لغاية في نفس يعقوب لا نريد الإفصاح عنها فهي معروفة للجميع . إذأً نحن أمام حقيقة مفادها , أنّ العراق بلد محتل عسكريا وما دام الأمر كذلك فهذا يضعنا أمام الحقائق التالية , أنّ زمام الأمر سيكون بالتأكيد بيد القوات المحتلة لأنّ هذه القوات هي التي ستكون دائما في الواجهة وليس النخب السياسية , وإذا كان لهذه النخب من دور تلعبه من أجل إرساء قواعد لنظام جديد وفقا لما يتناسب مع خطابها السياسي والفكري ,فأنّها ستصطدم حتما بعقلية الإحتلال وأجندته على إعتبار أنّ الأخيرة لها مجموعة من الرؤى لمتطلبات المرحلة تتباين كثيرا عمّا هي عليه لدى النخب السياسية , وربما تصل درجة هذا التباين بين الخطابين , أيْ خطاب قوات الإحتلال وخطاب النخب السياسية , الى حد التقاطع في حال إنعدام الخيارات الأخرى . وفي مثل هذه الحال , فأنّ ناموس القوة هو الذي يحسم الأمر لصالح من بيده هذا الناموس , وهو هنا بيد قوات الإحتلال بالتأكيد , وبمعنى آخر أن كلمة الفصل ستكون بيد قوات الإحتلال على الرغم منْ أنّ أهل العراق أدرى بشعابهم . أمّا منْ يذهب بالقول الى البحث عن حلول وسط بغية الوصول الى بعض الصيغ التي من شأنها أنْ تجمع بين الرؤيتين وبما يخدم العملية السياسية , فحتى مثل هذه الخيارات , تخضع بشكل أو بآخر لمجموعة من الأولويات التي لا شك بأنها تميل الى ترجيح مصلحة قوات الإحتلال قبل المصلحة العراقية . وهنا بات بالإمكان القول بأنّ إمساك الأمور المهمة أصبح بيد قوات الإحتلال مما تترتب على ذلك نتائج ليست في صالح العملية السياسية , لأنّ النخب السياسية التي يفترض أنّها هي التي تقود دفة الحراك السياسي , ستجد نفسها بين الحين والآخر , أمام سياقات لا تنسجم تماما مع رؤاها وطروحاتها وخطابها السياسي , كونها في الغالب , سياقات تتناغم دائما مع العقلية التي تنتجها وهي عقلية الإحتلال وأجندته , وهذا ما أثبتته التجربة منذ التاسع من نيسان 2003 ولحد الآن .
عامل آخر له تأثيره على سير العملية السياسية في العراق , هو التباين في الرؤى والأفكار لدى النخب السياسية نفسها . فالمكونات السياسية العراقية كما هو معلوم , متعددة ومتنوعة في متبنياتها ومرجعياتها , وبالرغم من وجود قواسم مشتركة يمكن الإرتكاز عليها وبما تمليه المصلحة الوطنية لنهوض العراق وشعبه , ولكن هذا الجانب مع الأسف لم يستثمر أويُفعّل بما يتناسب مع التوجه الذي يصب في خانة توحيد الصف الوطني , وبذات الإتجاه , فأنّ الذي ساعد في إتساع فجوة هذه التباينات في المواقف والطروحات لدى المكونات السياسية العراقية , هو النهج الطائفي الذي شيّد صرحه بول بريمر ,وأعني به نظام المحاصصة البغيض . ومن المؤكد أنّ بريمر لم يأت بهذه السياقات من عندياته , وإنما هو تعبير حقيقي عن منهج ستراتيجي تتبناه الإدارة الأمريكية بقصد التحكم بالأوضاع العراقية , بل والإقليمية والدولية , وفقا لما تمليه عليها مصالحها وليس المصلحة العراقية . والذي يؤسف له حقا , أنّ بعض الساسة العراقيين , قد حذّر منذ البداية من خطورة المحاصصة الطائفية وتأثيراتها الضارة على مجمل الأوضاع في العراق حاضرا ومستقبلا , ولكن صوت هذا التحذير ضاع وسط هدير الآلة الحربية . وها هي الآثار السلبية لهذا النهج , بدأت تتكشّف يوما بعد آخر لتضع الساسة قبل المواطن العراقي في دوامة , حيث تسبب هذا النهج الخاطىء في إيجاد خلاف شبه دائمي بين رؤية قوات الإحتلال من جهة , والنخب السياسية من جهة أخرى. فضلا عن تصاعد هذا التباين لدى المكونات السياسية العراقية نفسها , ما إنعكس سلبا على مسار العملية السياسية .
ومن العوامل المهمة الأخرى , هي ما درج البعض على تسميته بعقدة ( عقلية المعارضة ) , والتي تعني ببساطة , أنّ قسما من ساسة العراق ما زال الى الآن , يترسخ في ذهنه , جهلا أو عمداً , بعض أجواء مرحلة المعارضة التي عاشها سابقا , بحيث لم يتمكن من التخلص تماما من هذه العقدة ليرميها في وعاء مرحلتها التي إنتهى دورها . إذْ من المعلوم أن لكل مرحلة سياسية , ظروفها ومستلزماتها , من طروحات ورؤى فكرية وخطاب سياسي وبسمات محددة يجري الإشتغال بها وعليها وفقا لمقاسات المرحلة ذاتها . فمرحلة المعارضة مثلاً لها خصوصياتها , حيث كانت النخب السياسية تركز نضالها في تعرية سلطة الإستبداد , وهذه المرحلة بالطبع هي غيرها في مرحلة ما بعد السلطة السابقة . ولكن على ما يبدو وكما قلنا أنّ البعض لم يستطع والى الآن أنْ يتجاوز في أفكاره مرحلة المعارضة . إذْ ما زالت متخمرة أو هي متجذرة في لا وعيه , فينعكس ذلك على مجمل ما يطرحه من آراء ومن رؤية للواقع السياسي حيث يصل الأمر بالبعض أحيانا حدودا تتقاطع مع ابسط السياقات السياسية . وعلى سبيل المثال , أن البعض من هؤلاء السياسيين وهم عادة في الواجهة الأمامية ويمثلون جزءاً مهمّا من هيكلية الحكومة أو مجلس النواب , نراه يعيش حالة من الإزدواجية , حيث يرمي بوابل إنتقاداته وتهجمه, عبر وسائل الإعلام !!! على أداء الحكومة أو مجلس النواب وكأنه ليس منهم أو هو خارج السرب , متناسيا أنه في واقع الأمر جزء من الجهات التي ينتقدها , في حين ومن باب أولى , هو أنْ يبدأ بنفسه أولاً على إعتباره من ضمن مكوناتها الأساسية . وهنا قد يعترض معترض ويقول : أنّ ممارسة حرية التعبير عن الرأي هي سمة حضارية ومهمة في مرحلة البناء الديمقراطي وهذا صحيح جدا , ولكن غير الصحيح في مثل هذه الأحوال , أن يتحول سلوك المعارضة الى ما يقترب من مفهوم كلمة حق يراد بها باطلا , لأن الفرق شاسع بين معارض للحكومة او البرلمان وهو جزء منه , وبين آخر يسعى ويحرص على تشخيص الأخطاء وتقويمها أو إحتواءها أو للتنبيه عليها أو طرح مقترحات بديلة لها وبخلاف ذلك يصبح هذا الصوت المعارض معولا للهدم وليس للبناء .
وقبل الختام أحب التنويه الى أنّ العوامل التي ذكرتها والتي بيّنا تأثيراتها السلبية على العملية السياسية في العراق , لم تكن بالضرورة تمثّل كل العوامل . فهناك مثلا عامل الفساد الأداري أو المالي , وعامل إنتشار الإرهاب والتدخل غير المباشر بالشأن العراقي من قبل قوى خارجية وغيرها من العوامل الأخرى فهي بالرغم من أهميتها , تندرج وضمن تصنيفات محددة , في خانة النتائج وليس الأسباب , وبمعنى آخر , هي نتائج لأسباب وليست أسبابا بنفسها . وما ذكرناه هو بعض هذه الأسباب , وبذلك ً يمكن القول : إذا تمّت معالجة هذه لأسباب , فالنتائج هي بالتبع زائلة حتما .