الرئيسية » مدن كوردية » بدرة .. زرباطية نحو فجر يوم جديد

بدرة .. زرباطية نحو فجر يوم جديد

عانت مدن أقليم كوردستان الجنوبية – كرمسير- وطوال عقود من الزمن من الإهمال والنسيان والاضطهاد وآثار الحروب المدمّرة التي احرقت معالمها وشردت أبناءها فيما كانت الأنظمة الديكتاتورية الشوفينية تعمل على تشتيتها وترحيل وتهجير الكورد منها فضلاً عن قتلهم ورميهم خلف الحدود وعبر حقول الالغام التي زرعتها أيد وأجهزة تلك الانظمة العقيمة المتسلطة على رقاب الملايين من الناس البسطاء والمظلومين.
مدينة بدرة (او به يره) كما يتداولها سكانها الكورد من المدن الكوردستانية والتي تقع في أقصى جنوب كوردستان على بعد (20) كم من الحدود مع إيران والى الشرق من مدينة الكوت كما يحدها من الشرق جبال بشتكو ومن الشمال مدينة مندلي الكوردستانية ومن الجنوب محافظة العمارة.. وهي من المدن الآثارية القديمة وتقوم بدرة على انقاض بلدة (بادريا) القديمة والتي لعبت دوراً مهماً منذ أول عصور الحضارة الانسانية في بلاد ما بين النهرين وكان موقعها معروفا وثابتاً لدى الأكديين والبابليين حيث ان أقدم خريطة في التاريخ والتي وصفت قبل نحو أربعة آلاف عام لوحاً من الطين حددت موقعها في جنوب مدينة آشور وهي محفوظة في خزانة المتحف البريطاني فيما تضم خرائبها (تل العقر) وهو تل واسع يبلغ أرتفاعه (20) كم وطوله نحو نصف كيلو متر ويقول البعض أنها بقايا البلدة القديمة أصابتها الأمطار الغزيرة فتهدمت بيوتها فإنتقل سكانها الى موضع بدرة الحالي وكذلك كانت ولكثرة الحروب التي توالت ودارت رحاها فيها سبباً في أنطمارها وانتقال اهلها.. وهناك أيضاً مزار (سيد حسن) ومنطقة (علي يثرب) من المناطق الأثرية فيها.. وقد جاء ذكرها في الكتب الآرامية بصورة (بيت درايا) ومعناها الذين يذكرون الحنطة.. فيما ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان أنها كانت اول ترجمة جمع منها الحطب لنار أبراهيم عليه السلام وليس هناك ما يؤيد هذا الرأي اما المؤرخ عبد الرزاق الحسني فيقول ان تسمية (بدرة) فارسية وتعني الطريق الردىء من لفظتي (بد) و (را) .. أما المؤلف (علي سيدو كوراني) في كتابه (اللر ولرستان) يقول ان التسمية جاءت نسبة الى أمير لرستان الشهير (بدر الدين مسعود) وهو أحد الأمراء الخورشيدين، الذين حكموا إمارة لرستان لفترة طويلة فيما يقول آخرون ان التسمية جاءت من (بادرا) أي (باد) العاصفة الترابية التي حدثت في المنطقة في آوائل الصيف اما (را) بمعنى الطريق المؤدي الى منطقة العاصفة.
مناخ (بدرة) حار في الصيف وتصل درجتها الى (45) درجة مئوية ويميل الى الاعتدال في فصل الشتاء وامطارها قليلة اما مصادر المياه فيها فهو (كلال بدرة) وهو نهر صغير وموسمي وينبع من جبال لرستان وتنحسر وتنفرج حسب نوع العلاقات السياسية بين العراق وإيران وتضاريسها امتداد لتضاريس المنطقة المتموجة في جنوب وحنوب شرق كوردستان العراق والذي ينتهي بالقرب من جنوب سلسلة جبال حمرين ويتخلل أراضيها غرباً عدد من المنخفضات المائية اهمها (شوريجة) وتعني (المالح).
بدرة من المدن الكوردستانية العريقة ورغم عدم وجود احصاءات وبيانات رسمية وحقيقية إلا أن أحصاء عام (1947) بلغ عدد سكانها (16,189) نسمة 80% منهم من الكورد وتضاءل هذا العدد بأستمرار بسبب عمليات التسفير والتهجير التي قامت بها الحكومات العراقية المتعاقبة وكانت للحرب العراقية الأيرانية نصيب كبير في تدمير المدينة وفرار أبنائها. لغتهم كوردية أصيلة ذات لهجة لرية فيليه ومن اهم عشائرها (ورمزيار .. خطاوي.. زركوش.. صيفي .. فيلي ..ملكشاهي .. آلي وي.. ميخاس .. دزبولي .. شوهان.. ) واهم قراهم (خشمة، وهرمزيار سي صفر، قلمات، حاجي سهراب، حجي عيسى، سي مامي) وقد اشار (لونكريك) في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق) الى ان بدرة وجصان وزرباطية وشيخ سعد من البلدات التي يكثر فيها السكان، اما زرباطية والتي لم يبق منها سوى بساتين محروقة وانهر عطشى وأطلال خربة وأراض زراعية تحولت الى حقول للألغام ومقابر جماعية لابنائها لذنب أرتكبوه سوى كونهم كورد أصلاء فتقع في شمال شرق بدرة وتبعد عنهم (18) كم وتبعد عن الكوت بـ (84) كم وموقعها ستراتيجي وتجاري كونها تطل على حدود أيران عبر المنفذ الحدودي ( عرفه) وتشير المصادر ان تسميتها زرباطية تعني (إناء الذهب) بينما يشير (توفيق وهبي) الى ان زرباطية منسوبة الى شخص أسمه (زرباط) وأصلها (أذربات). وهي أيضا من المدن الأثرية والتاريخية القديمة وتمتاز بكثرة الموارد الطبيعية ومنها الجبس والحصى فضلاً عن كميات كبيرة من الملح، والذي يعد من أجود انواع الاملاح الموجودة في المنطقة وكذلك الاصباغ والاعشاب والغبرة. وباطن أرضها كما في بدرة وجصان غنية بالنفط والغاز الطبيعي والكبريت وحامض النتريك.
اما جصان فتقع جنوب غرب بدرة وهي من البلدان القديمة وقد ورد ذكرها في حوادث (1425م) حيث أن الامير (سبان) سار الى جصان وقد كانت دائماً هدفاً لهجوم رجال القبائل او الجيش الإيراني القريب من الحدود وتقع على مرتفع من الأرض ماؤها قليل.. وأسمها يعني (مقلع الحصو) وفيها تل مرتفع يسمى (تبة الكورد) وتمتاز مدن بدرة وزرباطية وجصان بدورها القومي والوطني في الحركة التحررية الكوردية حيث كان لابنائها البررة دور في المشاركة الفاعلة فيها بقيادة البارزاني الخالد أسوة بإخوانهم في مندلي وخانقين ومدن كوردستان الأخرى وأنضموا الى البيشمركة الابطال حاملين السلاح ضد الظلم والطغيان الذي لحق بالشعب الكوردي طوال عقود من الزمن.
وبعد مرور اكثر من أربع سنوات على عملية تحرير العراق من براثن النظام الصدامي المقبور ورغم أن هذه المدن مازالت على حالها ولم تلق الدعم المطلوب لاحياء معالمها ودورها وأراضيها إلا أن عيون أبنائها ترنوا صوب فجر يوم جديد باتت ملامحه قريبة.
فمع تثبيت المادة (140) من الدستور العراقي الفدرالي والذي وافق عليه أغلبية الشعب العراقي ينص على تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها فيما تقوم السلطة التنفيذية بكامل متطلبات تنفيذ هذه المادة بما فيها التطبيع والاحصاء وتنتهي بإجراء أستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها في مدة أقصاها نهاية العام الحالي وبذلك وبأصرار القيادة الكوردستانية المناضلة وخلفها كل أبناء شعبنا الكوردي فإن تنفيذ فقرات هذه المادة في كركوك وخانقين ومندلي وبدرة وزرباطية فضلا عن شنكال وزمار وغيرها تعتبر قارب النجاة الحقيقي للعوائل الكوردية المرحلة والتي طال إنتظارها لهذا اليوم الموعود وقد تشكلت اللجنة الخاصة لتنفيذ المادة (140) من الدستور وقامت بإصدار عدد من القرارات وبموجبها تشكلت مكاتب خاصة لتنفيذ المادة (140) في المناطق المتنازع عليها، كما صدر عنها أستمارة رسمية تم بموجبها تقديم طلب للمرحل يطلب فيه إعادته مع عائلته الى مناطقهم الأصلية وهي فرصة تأريخية لكل العوائل المرحلة والمهجرة جراء السياسات الشوفينية والعنصرية وتصحيح تلك السياسات الخاطئة بحق كل العراقيين.
فما أجمل ان تعود بدرة وزرباطية مدناً عامرة بأهلها الطيبيين باسقة أشجارها ونخيلها عالية بيوتها وعماراتها زاهية مثل زاخو وهولير والسليمانية واحدة من مدن كوردستان الحبيبة.. خيراتها لاهلها ولمستقبل أبنائها.
ما عليكم يا أهالي بدرة وزرباطية وجصان المرحلين سوى تقديم طلباتكم من خلال مبلغ عشرة ملايين دينار وقطعة ارض والاهم من كل ذلك ستعود مدينتكم الى احضان كوردستان بإختياركم سيعود الحق الذي طال أنتظاره.. وستعود البسمة الى شفاه امهاتنا الثكلى، سنعود كلنا في كركوك وخانقين وفي مندلي وبدرة نحمل القرابين والنذور .. والشهداء الذين ضحوا بدمائهم من أجل الكورد وكوردستان سنحمل أكفانهم الطاهرة ونقول لهم: أن دماؤكم النقية أعادت لنا مدن كوردستان وان الظالمين الذين عاشوا في الارض فسادا قد لاقوا مصيرهم المحتوم.. وأن الحق قد عاد ولو بعد حين .. سوف نعمر بيوتنا والمشاريع العملاقة التي تنهض اليوم في مدن اقليم كوردستان ستنتقل غداً الى مدننا ومناطقنا المستقطعة.. سنسقي بساتيننا الفناء بماء كوردستان وسنتحدث بلغتنا الكوردية دون خوف او رقيب، ها هو الفجر الجديد قد حان فتعالوا لنذهب معاً ونشارك في الاستفتاء عبر تقديم طلباتنا الى لجنة تنفيذ المادة (140) من الدستور الفدرالي.

التآخي