الرئيسية » التراث » قراءة في رحلة المنشي البغدادي إلى بلاد الكرد عام 1821

قراءة في رحلة المنشي البغدادي إلى بلاد الكرد عام 1821

(صوت العراق) 

1


أبتدئ بما قدمه المرحوم الأستاذ عباس العزاوي المحامي، و أختم بما ختم به وهو يترجم هذه الرحلة المهمة من الفارسية إلى العربية في 29/1/1948. وكأنه يضع الرحلة كلها بين قوسين، قوس للبداية هو المقدمة التي أوضح فيها أهمية هذه الرحلة، وقوس للنهاية التي كتب فيها رأيه الصريح وفي صاحبها وفي السياسة البريطانية وفي الدولة العثمانية.
يقول في قوسه الأول:
….وبعد فهذه رحلة كتبها مؤلفها باللغة الإيرانية سنة 1237 هـ – 1821 في أحوال الكرد، والعراق وما فيها من قبائل. كما أن صاحبها وصف بغداد، والمواقع الأثرية، وبيّن علاقات الإنكليز بوالي بغداد آنئذ، فكشف عن صفحات مهمة في البلدان، والقبائل، والعقائد، والنحل، والطرق، والآثار. نقلتها إلى اللغة العربية، وعلقت ما استطعت على مباحث عديدة منها ” …..” وقدمت لها كلمة في مؤلفها وصلته بالإنكليز، وأوضاع المقيم البريطاني آنئذ وهو المستر رج مع ما يلحق بذلك من أشخاص بأمل الإفادة، وأن تنال الرغبة وتكتسب المكانة من نفوس أبناء وطننا.


2
من هو المنشي البغدادي؟


نبتدئ بهوية كاتب الرحلة، فالمحقق الإستاذ عباس العزاوي يسميه جامع هذه الأخبار، وهو السيد محمد بن أحمد الحسيني المنشي البغدادي. الذي كان موظفا في دار الحكومة ببومبي… لدى (يار صاحب). كان قضى ببغداد عدة سنين مشغولاً بخدمات المقيمية البريطانية ببغداد. بقى هناك إلى سنة 1235هـ – 1820م. ثم رافق ذا الجاه الرفيع (كلاديوس جمس رج) المقيم البريطاني ببغداد بأمل التنقل ترويحاً للنفس وتنزيهاً للخاطر في رحلته إلى ديار الكرد (شهرزور، وسنة، وسقز، وكركوك، وكبري، وأربل) والموصل، والأنحاء الأخرى هناك .
أراد – المنشي البغدادي – أن يتطلع إلى بقايا الآثار البائدة، والعجائب القديمة. وأن يتجول في تلك الربوع للتعرف بها، ولم يأبه إلاّ لما شاهده رأى العين، ولا بالى بالمسموع المنقول. دون كل ما رآه بلا زيادة ولا نقص في مجموعة أراد أن تكون نبراساً لأرباب النهى، ولأصحاب الرحلات الذين يقصدون تلك الأنحاء، فقدمها لإستفادة أهل المطالعة ليكونوا على ثقة من معرفة الطرق والمنازل والأصقاع كاملة غير منقوصة، وتامة مستوفاة.

3


 


شخصياً أعتبر أدب الرحلات في الثقافة نص مفرد، فهو يكتب لمرة واحدة، ولا يمكن لمؤلف آخر أن يكتب عن المواقع والأحداث نفسها بما يشابه ما كتب قبله، ولذلك فهي نصوص بكر ومادة أولى تشير إلى بئر من المعلومات التي يمكن أن يشاد عليها أبنية جديدة. كل رحلة نص مفرد، والنص المفرد عالم مجهول، وثيمة منفتحة على التأويل.فنص الرحلات مثله مثل نص المذكرات، كلها تكتب عن وقائع حدثت وليست عن وقائع ستحدث. وهذا ما يجردها من البعد التخيلي، فحجم المعلومة هي النص وحده، وتسطيرها وحسن صياغتها هو الأدبية فيه. وقد نفاجأ هنا أن المحقق الأستاذ عباس العزاوي يكتب كتابا أخراً وهو يحقق هذه الرحلة المهمة، فالشروح التي حوتها هوامشه الكثير الذي جعل من نصه نصاً موازياً لنص المنشي، ولذلك فنحن أمام كتابين مهمين، الأول يسرد رحلة بتفاصيلها التي عرفها مباشرة ، بينما الثاني يقيم مفردات تلك الرحلة على مصادرها التاريخية والمعرفية فيربطها بالقديم وبالحديث. وعندي أن تحقيقا مثل هذا يرقى إلى مستوى من الإبداع عندما تتحول النصوص الوثائقية القديمة إلى معلومات متحركة، ويمكن أن تزداد وأن تنقص فيدخل فيها عمل المخيلة،وقد نلمح طرفاً خفياً من وصف العزاوي للمنشي، مؤلف هذه الرحلة ص4 بـ ” جامع الأخبار السيد محمد بن أحمد الحسيني المنشي البغدادي” ولفظ جامع يعيننا على تفهم معنى أن يكون مؤلف الرحلات مبدعاً أم غير مبدع. أما السيد المنشي فيصف نفسه في ص 6 بـ ” راقم هذه الحروف “. نحن إذن في مسألة تصنيف مؤلف أدب الرحلات، هل هو ، جامع أم راقم، أم مؤلف، وعودة إلى قواميس اللغة نجد أن الجامع ” هو المؤًلِّف بين المتماثلات والمتضادات في الوجود، وهذا ما قصد إليه المحقق السيد العزاوي بينما والراقم من ” المُرًقّمُ” وتحمل كل معاني الكلمة معنى ” الكاتب”. والكاتب غير المؤلف. وقد نتفق في هذا أو نختلف، فصفة المؤلف تختلط بالكاتب وبالراقم. وهي شكل من أشكال المهن الخاصة. فالسيد المنشي هو السكرتير الفارسي كما يلقب للمستر رج، وهذا يعني أن من وظيفة السكرتير، أن يكون كاتباً أحياناً لدى مؤسسة، وفي جانب منه يسجّل ما يطلب منه ككاتب ، وهذا هو ما فعله المستر رج المقيم البريطاني في بغداد من السيد المنشي، لأن يكتب عن جولتهما في البلاد التي هم فيها، ومن ثم يسلمه ما يكتب له. بدليل أن أوراق هذه الرحلة، كانت بصحبة زوجة المستر رج في بومبي. ومن هناك صدرت هذه الطبعة بعد أن أعدها المنشي نفسه بعد وفاة رج في إيران.


4


يقول محقق الرحلة ” كانت هذه الرحلة أيام داود باشا حررها إيراني سمى نفسه (السيد محمد بن أحمد الحسيني المنشي البغدادي) من موظفي المقيمية البريطانية ببغداد، بقي فيها إلى سنة 1235هـ – 1820م. وعرف (بالسيد محمد آغا الفارسي) إلا أنه دعا نفسه في أول رحلته بما ذكرت. رافق – كما قال – ذا الجاه الرفيع (كلاديوس جمس رج) Claudius James Rich المقيم البريطاني Resident ببغداد في رحلته إلى ديار الكرد (شهرزور، وسنة، وسقز، وكركوك، وألتون كوبري، وأربل) والموصل. كما أنه تجول في الأنحاء الأخرى.”
الرحلة مكتوبة باللغة الفارسية حيث أن المؤلف من أصول إيرانية، ولكنه موظف لدى المقيم البريطاني المستر ” رج”. وبذلك فهو أرد أم لم يرد أن ما سيكتبه في الرحلة هو بناء على رغبة المستر رج، والسيد المنشي لم يخالف هذه الرغبة بل يتعدى التدوين إلى الموافقة على مواقف المستر رج في خلافه مع الوالي العثماني داوود باشا، بل ويتبنى كما تقول الرحلة، هذه المواقف. ونلاحظ إن محقق الرحلة الإستاذ عباس العزاوي ، يشير إلى أن المستر رج، ليس مقيماً عادياً، بل هو مؤرخ ” وفي أيامه زار خرائب بابل، فوضع رسالة في آثارها نالت رواجاً، طبعت سنة 1839م، وكذا كتب كتباً عن ديار الكرد، ونينوى طبعته أرملته ماري سنة 1836م وكتابه هذا (حديث الإقامة في كردستان وفي نينوى القديمة) Narrative of a Residence in Koordistan and on the Site of Ancient Ninevehولا يخرج عن كونه رحلة عينت تواريخ السفر، وأوضحت الزمن الذي كتبت فيه ووصفت ما مر به، رجعنا في تعيين بعض التواريخ إليها، وكأنهما سياحان في وقت واحد لا يدري أحدهما بالآخر، فكتب كل ما شاهد دون أن يعلم صاحبه. ومن ثم كانت الواحدة مكملة الأخرى. وطبع السر وليم فوستر Sir W. Foster سنة 1896م رسائله إلى حكومة بومبي بين مجموعة الرسائل الواردة إلى شركة الهند الشرقية. وباقي أحواله مدونة في رحلة المنشي البغدادي” ص 3

والملاحظة الأولى، أن الرحلة أشبه ما تكون بتسجيل خرائط مدونة للعراق بلغة أدبية معلوماتية، وهذا من أوائل أساليب التدوين والتأليف. الذي يجمع فيه بين المعلومة الجغرافية والأدب. وكل مفردة منها لها على أرض العراق وجود. لذا نحن في بحث يشمل بلدانا وقبائل وعقائد ونحلاً وطرقاً وآثاراً..
المستر رج وما يتبعه هم مقيمون رسميون عند سلطة الدولة العثمانية على العراق . إلا أن المقيمية تتبع الحاكم الإنجليزي في بومبي. ويوضح هذا الإرتباط في جملة ما يوضحه التاريخ أن العراق كانت تتجاذبه قوى عالمية كبرى، الدولة العثمانية من جهة والنفوذ البريطاني المقيم في الهند من جهة ، وإيران الطامعة في العراق من جهة ثالثة. كان وما يزال مثل هذا الإرتباط له نغمة سياسية وثقافية مع الهند. بدليل لأن أول رواية عراقية، وهي ” جلال خالد” لمحمود أحمد السيد، بنت جزءً كبيراً من بيتها الروائي في الهند، وبالذات بين بومبي وبغداد. وكان موضوعها عن الشباب الجديد الذي تقع عليه مسئولية بناء العراق مستقبلاً. فوجد محمود أحمد السيد، وهو من أوائل رواد النهضة في العراق، نموذجاً لبناء دولة في الهند متعددة القوميات والأديان والتيارات السياسية، فأراد للجيل الجديد من شباب العراق، أن يتعلموا مبادئ الحرية والعدالة والحوار كما هو قائم بين المسلمين والهندوس هناك. وثمة في المدونات البريطانية الكثير عن علاقة العراق بالهند، وعندما نمد أعناقنا بعيداً لأدب ألف ليلة وليلة ، نجد أن الأرستقراطية العربية، ممثلة بالتجار العرب، كانوا يبحثون عن أسواق جديدة لبضاعتهم ودينهم، فكانت وجهتهم دائما بلاد السند والهند. وما رحلات السندباد إلا شاهد على ذلك. فوجود الإنجليز في الهند تطلب أن يكون لهم ممثلوهم في الأمصار العثمانية، ليس كعلاقات دبلوماسية فقط، وهو ما حاول العثمانيون أن يظهروه، بل أن الإنجليز كما تشير الرحلة تصرفوا كما لو أنهم أصحاب البلد. ويشهد على ذلك الباب الأول من هذه الرحلة حيث نشب خلاف بين المستر رج والوالي العثماني داوود باشا، عندما إعترض المستر رج على سوء الإدارة العثمانية وعدم جباية الضرائب بالطريقة المعروفة. فيقول المنشي بهذا الصدد : ” لما كان المستر رج العالي الجاه بالموصل لتبديل الهواء، حدث بينه وبين حاكم بغداد داود باشا بعض ما يكدر الصفو، وذلك أن رجال الباشا أهملوا العهود والفرامين ولم يعملوا بها في حق الأموال والرجال والعشور الكمركية وأموال التجار الإنكليز، ومن يلوذ بهم ممن يتردد إلى بغداد والبصرة. خالفوا ذلك كله، وأبدوا استهانة بهم. سمع المستر رج بذلك وهو المقيم البريطاني في بغداد، فشرح لوالي بغداد الأمر وهو داوود باشا، فأجابه على كتابه بجواب بعيد عن الصواب” ،- ونلاحظ كلمة بعيد عن الصواب؟. وعن الغرض وما يؤول إليه، فكتب إليه مرة أخرى، فأخذ منه نفس الجواب السابق، الأمر الذي دعاه أن يكتب إلى معاونه في البصرة الكابتن تايلر، أن يمنع السفن الواردة من الهند، بما فيها من أمتعة، فلا يدخلها البصرة، وأن يصدر السفن التي تحمل الأموال والأمتعة من البصرة إلى تلك الأنحاء. هنا يقول محقق الرحلة الأستاذ عباس العزاوي، ثمة نقص في المعلومات، فالمقيم البريطاني عندما نشب الخلاف بينه وبين الوالي العثماني، لا يزال في الموصل، وليس في بغداد. فهو قد كان في سفرة إلى كردستان، وثمة معلومة وصلت للوالي داوود باشا تقول: أن المستر رج بسفرته إلى كردستان سببت بعض المشاكل للوالي العثماني، لم نعرف ما هي هذه المشاكل. مما يعني أن الإنجليز كانوا يفكرون بمنطقة كردستان منذ زمن بعيد. ومؤلف الرحلة لا يذكرها، فاستغل الوالي المعلومة ليمنع المستر رج من العودة إلى بغداد، لاسيما وأن الوالي، عازم على مصادرة أموال التجار الإنجليز ومن يحتمي بالمستر رج من العراقيين. تكشف هذه الإشارة المقتضبة الخلاف العميق بين بريطانيا والدولة العثمانية، ليس على الساحة العراقية فقط ،بل في مناطق أخرى من العالم. فما كان من داوود باشا إلاّ أن إحتجز المستر رج في بغداد بعد عودته من الموصل فترة من الزمن، إلى أن تدخل حاكم بومبي لدى الدولة العثمانية، فسمح له بالرحيل إلى إيران، ومن هناك أصيب بمرض الكوليرا فلم يستطع الذهاب إلى بومبي لرؤية زوجته التي رحّلها قبل مرضه.
الملاحظة الأولى على الباب الأول تفيد بأن كاتب الرحلة منحاز إلى المقيم البريطاني، وقد يكون إنحيازه بحق نتيجة لتصرف الوالي العثماني تجاه التجار البريطانيين والعراقيين من جهة، ومن جهة أخرى، فهو كاتب هذه السطور، كما يقول عن نفسه وليس مؤلفها، هو السكرتير الفارسي للمقيم البريطاني. وهذا يعني إن ثمة وشيجة ما بين بريطانيا وإيران، وميدانها العراق كجغرافيا، والدولة العثمانية كطرف سياسي. وقد يعكس هذا الوضع ما يدور تحت العباءة من تقاسم نفوذ في العراق بين الدولة العثمانية التي دب بها المرض، والدولة البريطانية التي توسع نفوذها، و دور إيران في مثل هذا الصراع كان واضحا جداً.
الباب الأول لم يجعل من إيران إلا ملاذاً وسطا، فالمستر رج عندما أطلق سراحه بعد تدخل المقيم البريطاني في بومبي، سافر إلى إيران، وقضى فيها فترة ثم مرض ومات. ونستشعر خفية أن كاتب الرحلة، وهو إيراني، جعل طوال الرحلة المكتوبة من إيران بلداً محايداً للصراع بين الدولة العثمانية وبريطانيا.. قد لا يكون ذلك صواباً، وقد يكون، ولكن إيران دائما كانت مكاناً وموضعاً مشكوك في أمره. ومحقق الرحلة الأستاذ عباس العزاوي يسرد في مقدمته لهذه الرحلة، عددا من الوقائع التاريخية التي سببتها إيران للعراق في عهد حكم الدولة العثمانية. ومنها إحتلال عدداً من المدن العراقية الحدودية،” في هذا العهد ساءت الصلات بين إيران والعراق. وكان بعض الضباط الفرنسيين المنهزمين من جيش نابليون قد لجئوا إلى إيران، وحرضوا أمراءها على مهاجمة الحدود العراقية. وإن الأمير محمد علي مرزا طلب من المقيم البريطاني أن تمده بريطانيا بالأسلحة، وأن ترسل إليه أحد الضباط لتدريب جيشه، فعرض المستر رج الأمر على حكومة بومبي، فاستمرت المناوشات بين إيران والعراق طول سنة 1818م.
إن محمد علي مرزا هو ابن فتح علي شاه (بابا خان)، كان قد شوش أمر العراق. كما أن الشهرزادة الآخر، ولي العهد عباس ميرزا، فعل في الأنحاء الشمالية في جهات أرضروم (أرزن الروم) عين فعله. والشهرزادة محمد علي ميرزا التزم جانب عبد الله باشا البابان، وتمكن أن يقضي على جيش داود باشا نوعا، فوصل إلى دللي عباس الناحية المعروفة الآن بـ (ناحية المنصورية)، إلا أنه مرض هناك وفاوض في أمر الصلح فأتمه، ولم تمض مدة حتى توفي في حدود العراق في ليلة السبت 26 صفر سنة 1237هـ – 1821م. ولما وصل خبر وفاته للشاه نصب أبنه الأمير محمد حسين ميرزا مكانه في كرمنشاه (قرميشين). ولعل إتصال الشهرزادة محمد علي ميرزا بالمستر رج، كان من أسباب نفرة الوالي منه. فانتهى النزاع بما عقد من معاهدة صلح مع الإيرانيين في سنة 1238هـ – 1822م تقضي بلزوم المحافظة على أحكام المعاهدة المعقودة مع نادر شاه، وأن لا تتدخل إحدى الدولتين بشؤون الأخرى. وأشير إلى أن لا تتعرض إيران لشؤون العراق خاصة ولا أمور الكرد، وهكذا أكدت هذه بمعاهدة سنة 1245هـ ولكن الإيرانيين بعد معاهدة سنة 1238هـ المعروفة بمعاهدة أرضروم (أرزن الروم)، لم يلتفتوا إلى نصوص المعاهدة وبقوا في قصر شيرين وزهاو (زهاب) وما والاهما مما بقي في تصرفهم… ” هذا ما يقوله الأستاذ عباس العزاوي عن الخلفية بين العراق وإيران بمساعدة الأجليز.
كما أن السلطات الإيرانية لم تقف عند نقض المعاهدات، بل ترسل دائما بأشخاص للتآمر مع الإنجليز لبعث القلاقل في كردستان والمدن الجنوبية. مما جعل الوالي العثماني أن يرتاب من رحلة المستر رج إلى كردستان.. وفي جانب آخر كانت إيران مكاناً لحل لخلافات الدولية، ومنها هذه التي نشبت بين الدولة العثمانية والمقيمية البريطانية. أو مكانا لتهيئة أحداث لاحقة وهذا ما وجدناه في إحتضانها الجنود الفرنسيين الهاربين من حروب نابليون في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ليعودوا ثانية بعد انهيار نابليون إلى فرنسا. لتأتي معاهدة سايكس بيكو لتقسم العالم العربي بين بريطانيا وفرنسا، فتصبح سوريا من حصة فرنسا، والعراق من حصة بريطانيا، بينما تبقى إيران محتلة لعدد من المناطق الحدودية العراقية. ونشهد كذلك دورها في الحرب العالمية الثانية عندما حوت في إجتماع مهم رؤساء دول أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا، لتقسيم العالم. ويبقى العراق في السياسة الإيرانية مثال جدل تاريخي، وما نشهده اليوم من تدخل سافر بشئون العراق إلا امتداداً لتلك النزعة التي بنتها على أساس البحث عن موقع لإيران على حساب العراق.في العالم.



5


وقبل أن ندخل في الأبواب الأخرى للرحلة، وعددها عشرة أبواب، ثمة مسائل يجب الوقوف عندها: فالمؤلف المنشي وهو فارسي لم يرد العراق في الرحلة كبلد له كيانه ، بل ورد كجغرافية تحوي عدداً من المدن والمناطق، ولذلك يسمى في الرحلة بمسميات عديدة منها: العراق أو القطر، أوجزء من بلاد العرب، أو جزء من بلدان العرب العثمانية. ولذلك كان للمقيمية البريطانية ثلاثة قناصل، في بغداد والموصل والبصرة، تأكيد على عراقية هذه المدن، بينما لم يكن للعثمانيين إلا والياً واحداً في بغداد. مما يعني أن التقسيمات التي ستظهر لاحقا في معاهدة سايكس بيكو، بدأ التخطيط لها، منذ فترة طويلة. خاصة حول سوريا والعراق. ونلمح هنا أن الموصل ترد في الرحلة تابعة للمنطقة الشمالية عندما شملها في الفصل السادس، وان البصرة ليست إلا مدينة يقول عنها قديمة، وفي سطر واحد من الرحلة .لذلك كانت بغداد في الرحلة هي المركز وهي البؤرة. ومن الملاحظات، ما نجده في كيفية التأليف، فالبابان الأول والثاني فيهما الطابع الأدبي السردي، والمعلومة التاريخية القديمة، في حين أن الأبواب البقية تراوحت بين الوصف وتعداد الأمكنة والعشائر والبحث الجانبي عن خصائص المنطقة، وزروعها وطبيعتها وعادات الناس فيها. في حين أن المنطقة الشمالية الكردية، لا يفصل فيها كثيراً، بل يكتفي بذكر أسماء المناطق والأنهار والقرى وهو يمر بها. لذا فالتأليف يأخذ ثلاثة أشكال متجاورة تدلل على أن خبرته تكمن في المناطق القريبة من بغداد والمناطق المحاذية لإيران فقط. ومن الأمور الملفتة للنظر ما ورد في الباب الثاني ص 4 من تسميات تخص البنية السكانية العراقية مثل” عشائر العرب” و” طوائف الأكراد” لماذا أختص العرب بالعشائر، وخص الكرد بالطوائف؟ . فإيران منذ ذلك الوقت لم تجعل للأكراد حضوراً في مكونها السياسي والجغرافي، بل مكان يثير القلاقل. وهذا ما وضحه السيد عباس العزاوي بالتفصيل في مقدمته التي شرح فيها ملابسات عدد من الحروب التي حدثت في منطقة كردستان بمساعدة إيرانية – إنجليزية. فالطائفة كما تدلنا علها قواميس اللغة هي أن عدد أفرادها، ما بين الواحد والألف، وما تجاوز ذلك العدد عد عشيرة، فهل كان الأكراد طوائف ؟ نشك في ذلك، مما يعني وصفهم بالطوائف هو من قبيل تفريقهم عن القبائل العربية، ومن ثم التقليل من شأنهم، أو أن المؤلف يشير ضمناً أن ما موجود منهم في العراق، هو امتداد لما موجود منهم في تركيا وإيران. ولذلك فهم هنا أقلية فعدهم طوائف. ؟
في الباب الثاني ثمة تفصيل رائع ودقيق للكثير من مناطق بغداد، وعشائرها، وجندها، وأماكنها، ومحلاتها، وأسواقها، وأنهارها، وسفنها، وعدد البيوت فيها، والقوميات، والأديان، وحال الشتاء والصيف، ونوعية الفواكه والخضار، وأماكن بيعها، وعدد أبواب بغداد الحديثة، وأبواب بغداد القديمة، معرجا فيها على المحتلين من كل صنف ونوع، وما بقي لهم من آثار، كالأزبكية وغيرهم. وبتعدده لقبور الولاة، والأئمة والعلماء، يذكرهم دون شرح، فيزيد عليها المحقق بتفصيل تاريخي دقيق، يجعل من التعداد والتذكير،مادة لقراءة تاريخ المدينة العراقية، وهي تجمع بين ضفتيها ألواناً من الطيف الديني، والإجتماعي والمذهبي والثقافي. فهي مدينة ورثت تاريخ الدولة العربية الإسلامية بكل ما تملك من إرث وحضارة وقوة. ولكنها وكما تبدو عندما أحتل العراق من قبل الدولة العثمانية، تردت الأحوال، وضعفت اللغة، وقل العمران، وساد الفساد، وضعفت العلاقات بين المدن والقبائل والأمصار، مما عد ذلك من عهود التخلف. وقد وجدنا في الرحلة إلى ما يشير إلى ذلك كثيراً، خاصة في الباب الأول. فتدخل أطراف إقليمية وأعجمية في الشئون السياسية والاقتصادية للعراق، أنعكس على حياة الناس في بغداد وغيرها، فبدت بغداد ضعيفة وغير مسيطر عليها، بل وتخضع لسياسة دوائر دولية وإقليمية خارجية، أتى ليس على توزيع جغرافيتها فقط، بل وعلى اللغة العربية وأسماء المدن والمناطق والأشخاص الذين سجلهوا بأسماء غير عربية؛ أسماء أعجمية، وتركية، وإنجليزية وهندية، وغيرها بطريقة تشهد جانباً من الإنحطاط اللغوي والمعرفي، رغم أن منشئيها هم الخلفاء العباسيون. ويعني هذا حال التدهور الذي أتى على العراق بوجود حكام أتراك وفرس طوال ستة قرون. ولم يسلم من التغيير إلا أسماء الأئمة والعلماء والخلفاء ومقابرهم. و يبدو التدهور واضحاً فيما نشب في عهد داوود باشا من قلاقل، خاصة في الشمال العراقي، كدليل واضح على إنهيار قيم المعرفة، وبداية لتشفي إيران بالعهد العثماني، كمقدمة لقدوم الإنجليز للعراق. ويبدو تعاطف المنشي واضحاً في تركيب البنية الدينية ودلالتها، فهو لم يذكر المذهب السني مثلا عندما يتحدث عن الإمام أبي حنيفة وجامع الكيلاني وغيرها، في حين أنه يمعن في ذكر الشيعة وأماكن تواجدهم في بغداد القديمة، وفي صوب الكرخ، و في بغداد الجديدة” المقصود هنا الرصافة” إبتداء من الأعظمية وحتى الجانب الشرقي كله، وصولا إلى الكرادة التي يخصها بالمذهب الشيعي وحده. لا شك أن التدوين مبرر،ولكنه غير دقيق في تركيبة المجتمع البغدادي يوم ذاك. مما يدلل على أن الكاتب لا يوثق إلا ما يتناسب وهواه.

في الباب الثالث ثمة جولة سياحية مهمة في شرق العراق بين بغداد وكرمنشاه، ثم تفصيل ملحق بالباب عن عشائر العراق التي تسكن بغداد وفي منطقة حساسة تجمع بين العرب والكرد والعجم هي خانقين وقراها وما جاورها وامتداداتها في العراق وفي إيران. وتعود كل هذه المناطق وهي أحدى عشرة منطقة تبتدئ ببعقوبا وتنتهي بكرمنشاه وفق ما قاله المنشي إلى ولاية بغداد ” وكانت جميع تلك الأطراف ملك وزراء وحكام بغداد. وفي الوقت الحاضر يحكمها العجم. وتفصل بين العراق ” ويسميها بلاد العرب” وبين إيران منطقة يقال لها (الإيوان). وهي جبلية مرتفعة وعظيمة وفي وسط الجبل حجر عظيم طوله نحو ثمانية أقدام من الصخور العظيمة. نحت وعمل إيواناً. وكان سابقاً يعتبر الحد الفاصل بين إيران والعرب (يريد العراق) . لو بحثت الآن عن هذا الخحر لم تجده في المنطقة الحدودية بل في إيران.
في هذا الباب نلمح ثلاثة أشياء مهمة،
أولها: أن هذه المواقع والأماكن هي مدن كبيرة مثل بعقوبا وكرمنشاه وسيرين وغيرها، ويعني ذلك أن الرحلة تصف مناطق شاسعة وغريبة وغير مكتشفة وليست سالكة الطرق ولا معروفة من قبل. فتبدو الرحلة فيها اكتشافاً لخصائصها ، لذلك عمد إلى تفصيل الأماكن وإلى دقة الأسماء وتاريخها العريق، ووصف ما تختص به، وطريقة عيش سكانها. وكان في معظم ما قاله عن حياة هؤلاء الناس: أنهم يأخذون الأتاوات والضرائب، ويسرقون ويبيعون الخيل بالإحتيال. وقد زاد عليها الأستاذ العزاوي شرحاً وتفصيلاً للأسماء وللأعلام التي وردت فيها.
ثانيها التركيز على الطوائف الدينية التي تسكن معظم هذه الأماكن، وهم الشيعة، والعلي اللهية، والفيلية. دون تفصيل خاص بمعنى الفيلية أو العلي اللهية ،الذين يسكنون في مناطق عراقية محاذية لإيران، والعلي اللهية وكما يبدو من الرحلة أنهم كانوا منتشرين في العراق، وبأعداد كبيرة ولا نعرف ما المقصود، لأنه لم يأت على تعريفهم.
ثالثها هي جمال الطبيعة الجبلية، وتداخل الأقوام فيما بينهم، دون أن يقول أن هذا الجزء تابع لإيران، وهذا تابع لولاية بغداد، إلا في مواقع قليلة جداً. مما يعني أن الحدود غير واضحة المعالم، وما يزال تصوراته كمؤرخ وكاتب، عن مفهوم الدولة غير واضح أيضا، كما أن مقومات أي دولة من تسليح، وجند، وأنظمة مراقبة حدودية، قد أولكت إلى بعض طوائف الأكراد، لقاء بقائهم العيش فيها. ويعني تثبيت لسلطة العشيرة. كما يصف وبدقة أسماء القبائل الكردية في مناطق مثل كرمنشاه وعدد بيوتها وطرق عيشها.. وقد وجدنا شغف المؤلف بوصف عمارة البيوت فيها ،وهو وصف يدل على خبرة في طرق البناء، والمادة المؤلفة منها البيوت. وثمة نقطة ملفته للنظر أن المؤلف وطوال الرحلة في مناطق العراق، لا يميل لتعداد سكان المناطق بعدد السكان، كما هو معروف اليوم في الإحصاء السكاني، بل بعدد البيوت، فيقول: أن المنطقة الفلانية تحتوي على ألف بيت، أو الف وخمسمائة بيت ..الخ ، وأن هذه القرية فيها عدد من العشائر. فالبيت عنده وحدة عددية لإحصاء السكان، في حين تكون العشائر طريقة لإحصاء مجمل القرى، التي توجد في المنطقة. فالتحديدات الجغرافية تتم عنده كما يلي:
1- اسم المنطقة.
2- أسماء الأماكن فيها كالأنهر والجبال والقرى والمواقع.
3- أسماء البيوت.
وبالطبع لا تعني المنطقة إلا المدينة اليوم، ولا تعني الأماكن إلا الأقضية والنواحي، في حين تعني البيوت الأسر. وهذا نوع لم نجد له مثيلا في سبل إحصاء السكان.
في مجمل هذا الباب نجد أن الاختلاط بين أكراد إيران و أكراد العراق والعرب، محبب وواضح. ولكنه لم يذكر إلا أن هوية الأكراد في هذه المناطق كلها أنهم تابعون للعراق. في حين أن معظم الأماكن التي تحدث عنها ووصفها أصبحت اليوم من قطاعات إيران. خاصة قصر شيرين وزهاب وقصباتهما. لعل ذلك ما يوضح أبعاد العلاقة بين الإنجليز وإيران، على حساب الدولة العثمانية. وكيف تم ذلك لاحقاً في تحديد الحدود بين الدولتين..
النقطة الأكثر أهمية كما أرى في ما مر من فصول وأبواب، أن المؤلف يحصر مهمته في تتبع ما يوجد ضمن حدود العراق. فقط، شعرت وأنا اقرأ الرحلة، أن عينية مصوبتان إلى داخل العراق، وليس إلى خارجه. لذا كان وصفه دقيقاً ويستحق الثناء الذي أضفاه عليه محقق الرحلة وشارحها ومزيدها الأستاذ عباس العزاوي.، فلم نشهد له أن تحدث عن امتداد قبائل أو طوائف العراق في بلدان الجوار، بل جل حديثة ينصب على ما يوجد ضمن حدود العراق. ثم الإشارة لامتدادهم في أرض بلدان الجوار، ونحسب له هذه الإلتفاتة فضيلة مؤرخ أنصف أدبه، وأدب الرحلة، قبل أن يكون مؤلفاً لرحلة تقف عند حدود الوصف الخارجي.. فالمتابع لما قاله لم يجد العراق موضع نفور من قبل أقوام سكنته أو جاورته، بل كان موقع استقطاب، وهو يؤكد ما ذهب إليه المؤرخون من أن العراق كان منذ القدم موطن استقطاب لجاليات غير عربية، أمت إليه، وسكنت أرضه، وارتضت العيش بخيراته.
في الباب الرابع تأخذ عملية التأليف طابعاً آخراً، فهو مختص بوصف الطرق والمنازل بين بغداد والسليمانية،ويذكر فيه خمسة عشر مدينة أو موقعاً، تمتد بين بغداد والسليمانية، مرورا بالطريق الموصل إلى الخالص وعشائرها الكثيرة. ثم يعرج إلى مناطق الجبال، وصولا إلى السليمانية، ومن ثم كويسنجق وغيرها. وفي هذا الفصل تكون الأسماء دقيقة لكن الشروح عليها قليلة ويكمن أخذ ثلاث ملاحظات على ماورد في هذا الباب.
الأولى: تركيزه على المذاهب الدينية، فيصف جملة العشائر التي تمتد بين بغداد والخالص بالشيعية ،عدا ما يسكنون في هبهب، وهم من المسيحيين دون أن يذكرهم.
الثانية: أنه يعامل هذه المنطقة بوصف دقيق للأسماء، فيسم العشائر بأسمائها، وعدد بيوتها والمناطق الجغرافية التي يسكنون فيها. وهو عندي من أهم الأبواب في هذا الجانب.
الثالثة: اقتصاره في الرحلة على التسميات العامة، دون الدخول في تفاصيل المنطقة، وشعابها وهذا يعكس أنه مر بها مرورا ولم يتوقف عنها فمقصده هو السليمانية وما يجاورها.وقد تكون الرحلة قصيرة الزمن فجاء حديثه عنها مقتضبا وسريعاً وهذا ما لم يفعله المؤرخ بوضع تواريخ خاصة بكل باب.



6


إختصت الأبواب السبعة إبتداء من الباب الثالث وحتى الباب التاسع، بالمنطقة الشمالية،بينما لم تحظ بغداد إلاّ بباب واحد وهو الثاني، ووسط العراق وجنوبه بالباب العاشر،وثمة سؤال يتبع ذلك، لماذا هذا الإهتمام بالمنطقة الشمالية دون غيرها؟ لأن الرحلة وعنوانها هو جولة في بلاد الكرد.لا شك أن أسئلة كثيرة تثيرها مثل هذه النقطة، منها أن هذه المنطقة تسكنها قبائل كردية تنتمي لمختلف الطوائف الدينية. والوقوف على تفاصيلها قضية تهم السياسة البريطانية والإيرانية يومذاك معا. ومنها أن هذه المنطقة جبلية وعرة ومتداخلة السكان، وفيها آثار قديمة، وقصباتها ليس من السهل الوصول إليها. ثم أنها من أكثر المناطق تداخلاً مع بلدان الجوار، وفيها ما ينبئ عن معادن، وقد تكون منطقة غامضة ستتنازع عليها الدول. ومنها أن السياسة البريطانية تبحث عن نقاط تضعف فيها الدولة العثمانية، وقد تساهم في إثارة القلاقل لها. ومنها أن هذه المنطقة ليس لها في السجلات البريطانية مدونات كثيرة ، وربما كان الدافع لذلك هو السياحة والإكتشاف كما يفعل الرحالة الإنجليز غالبا. ومنها أن السياسة البريطانية مهتمة منذ القدم بالعراق، وعليها أن تعرف كل التفاصيل عنه، تمهيدا لما سوف يحدث بعد انهيار الدولة العثمانية، وتوزيع البلدان العربية، فيصبح العراق من حصة بريطانيا، وهو الدور الذي يتكرر الآن بعد الإحتلال الأمريكي للعراق، فنجد أن بريطانيا تختص بالمنطقة الجنوبية، تلك النافذة البحرية المهمة التي شرعتها منذ بداية القرن الثامن عشر على الهند. لذلك لم يأت تفصيل الرحلة إلى المنطقة الشمالية عن طريق واحد، فنجد أن الأبواب تحيط بالمنطقة الشمالية تبتدئ من بغداد إلى كرمنشاه، ومن بغداد إلى السليمانية، ومن بغداد إلى كويسنجق، ومن بغداد إلى الموصل، ونزولا إلى تكريت والرمادي وكركوك. فالإحاطة شملت كل المناطق مما إستحقت الرحلة، أن تسمى بجولة في بلاد الكرد.فالباب الخامس والباب السادس والباب السابع والثامن والتاسع لم تختلف عن البابين الثالث والرابعاللذان يعالجان المواقع السابقة مع تفصيل للطرق وقرى المنطقة الشمالية نفسها، وما لحق بها. ولكن في بقية الابواب يهتم بالطرق، وسبل الوصول بين مفاصلها، ويحدد أحد عشر طريقا في الباب الخامس، ومثلها في الباب السادس، واثنا عشر طريقاً في الباب السابع وثمانية عشرطريقاً في الباب الثامن وإثنان وعشرون طريقا ومنطقة في الباب التاسع. فيحيط بالمنطقة كلها، يوصل بين تلك الأجزاء بعد أن يضع كركوك خارج قوس المنطقة الشمالية. في رحلة الباب الثالث والرابع، كان يسير على الجانب الشرقي من نهر دجلة، بينما في رحلته بالأبواب الباقية كان يسير على الجانب الغربي من نهر دجلة. أي في المنطقة الوسطى الشمالية. لذا نجده يشير إلى طريق يوصل بالموصل، ثم يعرج على مناطق الموصل ويربطها بالحدود مع تركيا، ويعود ليربط السليمانية بالحدود مع إيران، ويربط باطن هذه المناطق ببغداد. فيؤسس شبكة من الطرق والعلاقات تبدو من السرد الوثائقي لها، إن المنشي كان يحيط بمعلومات غاية في الأهمية عن بلد وجد فيه تنوعاً جغرافياً ودينياً، لم يكن له شبيه في المنطقة. ولذلك تكون الأبواب إبتداء من الباب الثالث، وحتى الباب التاسع محيطة بمنطقة كردستان العراق لوحدها، إحاطه كاملة لم نشهد ما يماثلها في بقية جغرافية العراق. ولعل ما بقي من الرحلة وهو الفصل العاشر سنجد فيه سياحة واسعة للمنطقة الوسطى والجنوبية من العراق، وهي سياحة غير مفصلة، كما شهدناه في الأبواب السبعة السابقة.

في الباب العاشر ذكر بعض البلدان من بغداد إلى البصرة، وأحوال تلك الأنحاء. وقد ذكر المؤلف عشرين موقعاً، هي كل ما إستطاع أن يصل إليه، ويبدو في هذا الفصل أنه غير مهتم بتفاصيل المدن والمواقع التي زارها كثيراَ، فقد مر عليها مرور الكرام دون تفصيل أو شرح، ولكن المحقق أفادنا كثيراً في شرحه للمواقع وللأسماء . شملت رحلته الحلة، والنجف، وكربلاء، والديوانية، والسماوة والعمارة، والبصرة، والأنهار، والقرى، والمسميات الفرعية. ذهب أولا بطريق مستقيم على نهر الفرات، ثم عاد للعمارة على نهر دجلة، ثم ذهب للديوانية والنجف ثانية، عن طريق الفرات، ثم عاد ليركب الأنهر الصغيرة التي تقع بين النهرين الكبيرين. وفي كل جولته المكوكية هذه، لم يلتفت كما قلنا للتفاصيل،بل وكما يبدو أنه كان يعين الأماكن المهمة على خارطة بلد، سوف يكون له شأن في السياسة البريطانية مستقبلاً.



7


وأختتم في النهاية بقول للمحقق الأستاذ عباس العزاوي ” …ومنها – أي الرحلة – عرفنا مقدار الأقوام وتوغلها في العراق. والعقائد وإختلافها، والمدن وتطورها والآثار ووفرتها والمصطلحات الإدارية وتنوعها. وكل هذه مما يدعو للانتباه كما أننا ندرك الطرق واختلافها. والإتصالات العديدة بالأقطار ومقدارها… فكانت هذه خير صفحة موجزة، وأجل نظرة محملة سريعة في التعريف بالعراق إلا ألتفت إلى ما فيها، وما إمتازت به من وضع أو ما إختصت به من خصيصة. وهذا كله قد عين السياسة ومكانتها والألوية ودرجة طاعتها لوالي بغداد وعلاقته، كما أنه قرر وضع الوالي بالنظر للسياسة الإنكليزية. وميل المؤلف إليها مشهود. وربما كان داود باشا الوالي آنئذ أول من حذر دولته من توغل الإنكليز وأراد أن تحدد علاقتهم، وأن يقلل من أمر تدخلهم، وأنه يجب أن يقف المقيم عند شؤونه المعينة، وعند سياسته المقصورة على ما عهد إليه كغيره من المقيمين، فلا يدع مجالاً لمثل ما رأى الوالي” .