الرئيسية » الآداب » التلقي المسرحي عند الطفل

التلقي المسرحي عند الطفل

منذ إنشاء المسارح الخاصة ، وتحديد أسعار الدخول إليها ، وظهور أنواع مسرحية معينة تلبية لرغبات وأذواق شرائح المجتمع المختلفة،واستخدام الكشافات الضوئية الأرضية ،وبناء المسارح وفق تصميم معين عُرف باسم العلبة الإيطالية ،تبدلت حال الظاهرة المسرحية ،وبدأت تسير على رأسها مدة ثلاثة قرون ونصف القرن، ولم يستقم وضعها ،وتسير على قدميها ،إلا في النصف الثاني من القرن العشرين،وذلك بفضل مسارح وتيارات مسرحية رائدة دعت إلى تصحيح العلاقة بين العرض والمتفرج ،والتي وصفها ميرخولد في معرض نقده لعلاقة المسرح الطبيعي بجمهوره : بعلاقة السيد بالعبد.
وقد استطاعت هذه المسارح نزع الدور المركزي عن العرض، وإعادته للمتفرج، واعتبار هذا الشريك محور الظاهرة المسرحية برمتها، في حلقاتها أو مسافاتها الزمنية الثلاث: السابقة للعرض المسرحي ،والمرافقة ،واللاحقة له؛ الذي يتشكل في الأولى منها أفق توقع المتفرج ،المكون من الوعي، والخبرة ،والمتابعات الصحفية و الآراء المتداولة حول العرض لدى المتفرج الراشد،والمكون من بعض التصورات،و المشاعر،والرغبات ..وعناصر أخرى لدى الطفل المتفرج .
وعملية التلقي المسرحي لدى المتفرج،التي هي عملية إبداعية فاعلة،لا تقتصر على مجرد المشاهدة ،أو المتابعة الحيادية لأحداث وشخصيات العرض،لا تبدأ مع العرض،ولا تنتهي بنهايته.

• التلقي المسرحي قبل العرض :

من الملاحظ أن مسرح الطفل لم يستطع أن يعقد الشراكة المطلوبة مع جمهوره،ولم يستطع إثبات الحضور المرجو منه في حياتنا الثقافية والتربوية والاجتماعية ،ولعل سبب ذلك لا يعود فقط لحداثة هذا الفن،أو حداثة سن جمهوره ،وطبيعة مراحله العمرية المختلفة ،بل للعلاقة الإشكالية القائمة بين المسرح والطفل،والتي يتحمل المسرح مسؤوليتها بالدرجة الأساس – على الرغم مما يقاسيه هذا الفن – لأن الطفل شريك غير مستقل،ترتبط إرادته ورغبته برغبة وإرادة وذوق ولي أمره، في البيت ،أو المدرسة .
لذلك تحتاج الشراكة بينهما لاستيعاب المبدع لعملية التلقي المسرحي لدى الطفل، وهي عملية ناتجة عن مكونات شخصية الطفل وواقعه واحتياجاته، تسبق بأفق التوقع لدى الطفل،الذي يظهر في بدء الفترة الزمنية السابقة للعرض، ومنذ اتخاذ أحد أوليائه قرار حضور العرض المسرحي . ثم يبدأ بتجاوز مرحلة التصورات، والرغبات وغيرها، إلى مرحلة من التلقي المسرحي مع بدء مظاهر و طقوس التهيئة والإعداد للذهاب إلى المسرح،وطريق الذهاب إليه، المتمثلة بداية بمناسبة هذا القرار،خاصة كانت هذه المناسبة ( مكافأة له على نجاح، أو شفاء من مرض )أم عامة ( عائلية، أو مدرسية ) و بالجماعة المرافقة له أيضاً، ودرجة قرابتها منه، أو قربها من مزاجه ووعيه، وبكثرة أو قلة عدد هذه الجماعة..إضافة إلى الانطباعات المختلفة التي يتلقاها في طريق ذهابه إلى المسرح – سارة كانت هذه الانطباعات أم غير سارة- مدهشة أم عادية.
ويكتسب موقع المسرح، أو مكان العرض، أهمية كبيرة في هذه الحلقة الزمنية، بالنسبة لتلقي الطفل ،وأداء الممثل على حدٍّ سواء، ذلك أن موقع المسرح و( وضع وحجم وشكل المكان الذي يقام فيه العرض، تحدد جميعاً العلاقات المادية و الإدراكية بين المشاركين في هذا العرض ) أو ذاك .
ويظهر ذلك في اختلاف تلقي المتفرج – الراشد أو الطفل – وأداء الممثل، في عرض مسرحية ما تعرض في مكان، أو مبنى يقع أمام مخفر للشرطة، أو جانب دائرة أمنية عن عرض المسرحية ذاتها في مكان آخر يقع أمام مستشفى، أو بجانب ملهى ليلي، أو على مقربة من معبد .
ولا يقل داخل مكان العرض أهمية عن خارجه، من ناحية البناء، أو التصميم والإضاءة، أو كراسي الصالة والجلوس، ومن ناحية أو جانب طريقة الدخول والاستقبال،وعدد المتفرجين، وطريقة توزعهم على الكراسي أيضاً.
ولعل الأهمية الكائنة في هذه الفسحة الزمنية تكمن ،أو تتمثل في رؤية الطفل لديكور العرض،ومحاولته فك شفرة مفردات الديكور، و مطابقة ما يراه على الخشبة مع ما في خياله من تصورات عن مكان الحدث، وشخصياته وموضوعه .. والعرض كله .
وتعتبر هذه المواجهة بمثابة نقطة البدء في عملية التفاعل المباشر بين العرض و الطفل .
إن كل هذه العوامل ،إضافة إلى عامل الزمن ،من ليل أو نهار، ومن صيف أو شتاء، تدخل في بنية عملية التلقي المسرحي عند الطفل قبل العرض ، وتؤثر عليها أثناء العرض .
• التلقي المسرحي أثناء العرض :

يعتبر حضور المتفرج المتخيل في ذهن المبدع شرطاً أساسياً لإبداع عرض مسرحي لائق، وقابل للحياة ،غير أن العرض – أي عرض – لا يكتمل – على الرغم من جاهزيته الفنية – إلا بحضور المتفرج الحقيقي ، حضوراً فاعلاً وحيوياً .
لذلك ارتبط نجاح العرض ،أو إخفاقه ،في كثير من الأحيان ، بدرجة تطابق ،أو عدم تطابق المتفرج المتخيل مع المتفرج الحقيقي ، تطابقاً يشترط وجود فسحة من الاختلاف و التمايز بين الاثنين ،بغية تقديم الفائدة ،والمزيد من المتعة للمتفرج .
وتظهر نتيجة هذا التطابق ،أو النجاح ،من خلال ردود الأفعال غير المباشرة من قبل الراشد أثناء العرض ،والصريحة ،والمباشرة من قبل الطفل في هذه الحلقة بالذات ،وذلك بسبب اختلاف طبيعة التلقي المسرحي ،ومكوناتها ،عند كل متهما .
إن المتفرج – الطفل والراشد ( يأتي إلى المسرح وهو يعرف مسبقاً أن ما سيشاهده بالعين، وهي أقوى حواس الإنسان – ليس حقيقة بل استعارة، إنه يأتي إلى المسرح ليقاسم الفرجة إيهاماتها ) ويتفاعل معها في إطار عالم الخيال،وهو العالم الساحر و الجميل الذي أتى الطفل إلى المسرح من أجل معايشته ،أو التعرف عليه ،والاستمتاع بأحداثه ،و صراع شخصياته الخيرة والشريرة ،الذي يشترك فيه الطفل من خلال تأييد وتشجيع الشخصيات الايجابية ومعارضة سلوك الشخصيات السلبية ،ولا يتحقق هذا التفاعل بين الطفل وهذا العالم ،مع ما يقدمه من متعة وفائدة له ،إلا عبر تفاعل آخر يتم بين الطفل والعرض المسرحي بكل عناصره من: ممثلين و متممات فنية عديدة ,وهو تفاعل هام و أساسي في مسرح الطفل خاصة ,ويزداد أهمية وضرورة بزيادة درجة ارتباطه مع عالم الخشبة المتخيل والايها مي والتعبير عنه فنياً ,ولا يمكنه الاستغناء ،أو الابتعاد عن هذا العالم دون أن يفقد هويته كعرض مسرحي , ويتحول إلى مجرد حفلة سمر استعراضية ,ويضحي بالتفاعل الحقيقي مع الطفل.
ويحقق العرض المسرحي تفاعله مع المتفرج من خلال الممثل و أدائه بالدرجة الأساس، الذي يمنح الحيوية والمعنى لعناصر العرض الأخرى ،ويختزلها في إبداعه ،كي يؤدي رسالة العرض ،ويحقق التفاعل المأمول ،وهي مهمة تتطلب من حاملها رسول العرض ( الالتزام بالتعبير الواضح ،والمتقن عن نص الرسالة ،أو مضمون العرض، وعدم تفرده بالأداء إلى درجة نسيان شريكه الممثل في العرض ،وأن لا ينسيه اندماجه مع شريكه الممثل جمهوره ،وأن يعي مسؤوليته المطلقة ، التي تتمثل بعلاقته بالجمهور،وهي التي تعطي للمسرحية – في النهاية – معناها الأساسي) ،ولا يتأتى ذلك كله للممثل الجامد ،أو غير المرن في استخدام أدواته من جسد ،وصوت ،وخيال ،وسرعة بديهة ،وهي رأس المال اللازم لعقد شراكة مع الطفل الغني بخياله الجامح ،وحركته الدائبة ، ونشاطه المستمر في البحث عن الممتع و المقنع في العرض المسرحي . و تعتبر التغذية المرتجعة التي تصدر عن الطفل في الصالة ، والتي تمنح الممثل الطاقة و الحيوية ،بمثابة توقيع الطفل على عقد تجديد الشراكة مع الممثل ، والمكافأة على أدائه المتقن والذكي ؛ لاستثماره حيوية و اندفاع و تجاوب الطفل مع العرض استثماراً إبداعياً ،وتلافيه الأخطاء و العثرات الطارئة بإجراء محاورة قصيرة ،أو ارتجال مشهد إيمائي ، أو ما شابه ذلك ، إضافة لتجسيده السليم للشخصية المسرحية ،ولتوصيله رسالة العرض بأمانة واقتدار .
ولن يحصل الممثل الجامد، أو الخائن لرسالة العرض ،أو العرض غير المتكامل فنياً سوى على استهجان الطفل ،والتنكر له، والانشغال عنه باللهو ،وإثارة الشغب … أو مغادرة المسرح مرة أولى وأخيرة .
ولا بد أن هذا الأمر هو الذي جعل ستانسلافسكي يؤكد على ضرورة ( أن نمثل للأطفال كما هو ضروري أن نمثل للكبار ، لكن تمثيلنا للأطفال ينبغي أن يكون أفضل )
بقي أن نشير إلى تفاعل أخر في عملية التلقي المسرحي أثناء العرض، وهو التفاعل بين المتفرجين أنفسهم ، أو الأطفال المتابعين للعرض، وتتحدد درجة هذا التفاعل بتوافق المرحلة ، أو المراحل العمرية للمتفرجين ،ومدى انسجامهم الاجتماعي أو البيئي ،وعددهم ، وطريقة توزعهم في الصالة ،ودرجة قربهم من الخشبة ،أو الممثل، ناهيك عن نوعية تفاعلهم مع الشخصية المسرحية وعالمها .
التي ستؤثر- سلباً أو إيجاباً – على عملية التفاعل بين المتفرجين أنفسهم ،ويتجلى هذا التفاعل من خلال ردود أفعال الطفل ،أو المتفرجين الصغار ،التي تتسم بالصدق ،والحرارة والوضوح ،والمباشرة ،والتي تحدد مسار العرض ،ومصيره أيضاً ؛ وذلك بخلاف ما يحدث في مسرح الكبار .

• التلقي المسرحي بعد العرض :

لا ينتهي التلقي المسرحي بانتهاء العرض ،الذي تغيرت طبيعته، واختلف عما كان عليه في السابق ،بفعل تجربة الطفل مع العرض – السلبية أو الإيجابية – ويتجلى ذلك بشكل واضح بعيد انتهاء العرض ،من خلال التصفيق – الفاتر أو الحار –المعبر عن رضى الطفل وفهمه للعرض ،أو عدمهما ،و كذلك من خلال طريقة استقباله للممثلين الذين انتهوا من أداء أدوارهم في المسرحية، والحالة النفسية التي يغادر عليها المتفرج ،أو المتفرجون الصغار -كما تقول وينفرد وارد – وتؤكد على أن هذه الحالة دليل لا يستهان به على نجاح المسرحية .. أو فشلها .
وتؤثر طريقة توديع الممثلين للأطفال، أو جميع المتفرجين الصغار على عملية التلقي المسرحي ، والتفاعل المستمر في هذه الفترة أيضاً ، باختلاف ردود أفعال الطفل ،أو المتفرجين الصغار على توديع الممثلين وهم على الخشبة يبتسمون بتكلف مثلاً ،أو يغنون بمرح ،أو يرقصون لوحدهم ،أو بمشاركة الأطفال ،أو ينهون المسرحية بدون الظهور للأطفال وتوديعهم . ( وكما يحدث في فترة ما قبل العرض، فإن الفترة التي تلي العرض يمكن أن تشمل على العديد من الأنشطة الاجتماعية التي تزيد من لذة الحدث المسرحي ) أو النفور منه مثل : المشاركة في النقاش حول العرض الذي انتهى منذ فترة زمنية – تطول أو تقصر – ومتابعة التعليقات الصحفية أو التلفزيونية حول العرض، أو العودة إلى نص المسرحية وقراءته … و غيرها .
إن أهمية هذه الحلقة قي سلسلة حلقات الظاهرة المسرحية الثلاث ،وفي تلقي الطفل المسرحي ،تبرز في تأثير الحالة التي خرج ،أو غادر عليها الطفل من المسرح على مستقبل علاقته بهذا الفن .
الأمر الذي يستوجب العناية بكل مراحل التلقي المسرحي عند الطفل ،أو محاولة تدارك نواقص وثغرات مرحلة العرض خاصة ،بختام يرضى الطفل ولا يجعله ينفر من هذا الفن الممتع والمفيد … ويهجره دون رجعة .


هوامش ومراجع :

1- سوزان بينيت – جمهور المسرح – ترجمة : سامح فكري – أكاديمية الفنون –وحدة الإصدارات – القاهرة – ص167
2- محمد مصطفى قباج – التلقي المسرحي . قراءة استبطانية جمعية – مجلة الوحدة المغربية – العدد64-65- سنة 1992- ص61
3- بيتربروك – النقطة المتحولة – ترجمة :فاروق عبد القادر – سلسلة عالم المعرفة – الكويت – العدد 154- سنة 1991- ص324
4 – سوزان بينيت – مصدر مذكور – ص 212