الرئيسية » مقالات » عن اجتياح الإشهار لموائد الإفطار

عن اجتياح الإشهار لموائد الإفطار

يبدو أن مفهوم العبادات لدى أكثر الناس في الوقت الراهن خصوصا في رمضان الفضيل ، يقتصر على إقامة الشعائر الدينية ، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين ، لدرجة الاحتقان ، وتقام الصلوات وتتلى الأذكار و التراويح في الشارع العام . أما المعاملات كحصيلة للنشاطات الحياتية والمجتمعية اليومية لعموم الناس ، ممارسة وسلوكا ، فلا ترقى في نظر هؤلاء إلى مستوى الإعمال الصادق ، مع أنها “التطبيق العملي للإيمان الواعي الذي وقر في القلب وصدقه العمل”. والأمثلة كثيرة .
1- كهل خمسيني يبصق في الشارع العام وهو بكامل زينته ، يغادر عتبة مسجد حمزة بعد أداء صلاة أول جمعة من رمضان لهذا العام ، ثم يكفكف لحيته ، ويحمد الله على نعمة العطس .
2- والدة في ريعان الشباب وآخر أناقة ، تأمر طفلتها بالتبول بباب الدائرة السابعة للأمن المركزي ، بدعوى انها صبية، والصبايا لا تخجل بهم و منهم النفس البشرية .
3- نفايات المنازل على أبوابها ، وروائحها تزكم أنوف المارة بغير وجه حق .
4- لكن رياح الشرقي الساخنة ، تتكالب هي الأخرى ، وتطوح بالأشلاء التي تطير ، بدءا بأكياس الميكا الكحلة كي تصنع الحدث ، وتعقم الأرض لمدة 30 سنة ، وتمنعها من الإنجاب.
ولا عقوبات يمكن أن تنزل بالمخالف .. او تطال المعتدي .. من يجرؤ؟؟

5- في كل الأزقة والمسالك ، تطالعك عمارات بجدران مغبرة وقاتمة، عليها تخطيط الانتخابات التشريعية لعام 1997 ،وعبارات بعضها يطالب باستخلاص الذعائر للمتهورين برمي الازبال واخرى تخدش الحياء ، تصوروا جدران مدارس ومقاطعات ..لم تبيض منذ عشرات السنين ، أسطحها مطارح نفايات ، شقق احترقت نوافذها ، وشبابيك بدت شرفاتها مثل تلك التي يستعملها رجال الكهرباء لتغيير المصابيح أعمدة النور العالية ، تحولت إلى غرف وحبال غسيل..
6- في كل الأحياء والازقة ، تشاهد خروقات للتصاميم التي تحدد عدد الطوابق، واكتساحا ممنهجا للمساحات المخصصة للمناطق الخضراء ..التي تحولت إلى ملاعب نهارا وإسطبلات حميرليلا .
“ولا من يحرك ساكنا” يا أخي عبد الكريم ..
7- الشركة التي اسند إليها تدبير أمر سفلتة الطرق ، تقوم بمهام على عجل ،كلما قرر الملك زيارة المدينة ، والنتيجة ، زر ع اسلاك الهاتف وقنوات الماء بعد السفلتة ، والنتيجة ،لا يوجد طريق واحد طوله 100متر مسفلتا ومرصفا بشكل جيد .
و لا من يحرك ساكنا…
8- في مدينتي لا توجد حديقة أو منتزه واحد بمواصفات إنسانية ، وهندسة مدنية بجمال “يحمر الوجه” .. لقد طالها الخراب ، واقتحمها القبح ، واعتلى فضاءها الإتلاف.
9- المقاهي تلتهم الشوارع ، وتضيق الطرقات وتحولها إلى صراط مستقيم ، حيث تغتنم كسادها أيام رمضان ، في الظاهر كي تدخل إصلاحات جانبية ، وفي العمق تتوسع وتتمطى وتتثاءب على حساب الملك العام.
ولا من يحرك ساكنا..
9- في العاصمة العلمية للمملكة فاس ، صرفت على شارع الحسن الثاني من المال العام الملايير بالتمام والكمال ،ولم يمر على افتتاحه بضعة أشهر حتى أضحت الأعشاب والنخيل المستورد ممرات متربة للراجلين ومستودعات لربط الدراجات من الصنفين ، ورفدات تؤوي المتشردين الشمامين ، و بدأت الكتل الإسمنتية الباهظة التكلفة ، تتشقق ، و تنزاح جنباتها تتآكل ، كما لو كانت ملفوظات بناء ، والشتاء لم يحل بعد ، من يجرؤ؟؟ من؟؟؟
10- التسول بات تقليعة العصر، تلك المؤسسة الاقتصادية التي أمست خارج نطاق السيطرة الضريبية والأخلاقية.

11 – شاحنة الازبال تنقل حمولتها دون احكام الشبكة، فتتطاير الاكياس السوداء المحملة بالقمامة المنزلية على الطريق العام،
12- الإشهار الذي طغى وتجبر ..
في وقت الذروة عندنا ، وعلى موائد الافطارفي رمضان ،يتكدس الإشهار، وتنتفخ أوداجه ، ويتحول إلى مارد و جحيم حقيقي يأتي على الأخضر واليابس ، وكان الإشهار سينتهي بمجرد نهاية الشهر الفضيل. وطبعا لا احد من المشاهدين المقهورين يعلم حجم مداخليه ومعاملاته التي تفوق الملايير بالعملة الصعبة ، لكنها على العكس من ذلك ، ومن المفارقات الرهيبة ،فان تلك الهجمة الشرسة للوصلات الاشهارية لا تنعكس ايجابيا على جيب المواطنين بل إنها لا تزيد قدرة المواطنين الشرائية إلا بؤسا و التهابا .
و النتيجة الطبيعية اختلال ملحوظ في بناء النموذج المدني المتوخى ، وارتباك ملحوظ في تشكيله يتجلى أساسا في إنتاج القبح ، وتشكيل التناقض في كل شيء، في التلفزيون نفسه ، في مظهر الفرد ومورفولوجيته ، و في السلوك ، في البيئة، بشرا شكلا ومعمارا.
القبح الذي سيطر على حياتنا في الزمان و المكان ، في التصرفات والأفعال ، وفي المظهر و المعبر. يتحمل فيه التلفزيون نصيب الأسد، باعتباره واجهة حضارية لبناء الفرد وتشكيل مواطنته اللائقة، قبح، أضحى أيها القراء الأحبة مذلا، مهينا للكرامة.

قبح أشبه بشاشة عرض كبيرة تمور بأشكال من القبح في الحياة و في الناس ، ولا من يحرك ساكنا أيها العزيز عبد الكريم .
عزيز باكوش