الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /16

بدايــات الغربــــة /16

أستقرت حياتي مع زوجتي في سعيدة، ولم أفكر بالأنتقال أو البحث عن عمل آخر ولو بشروط أفضل. وفضلت البقاء في سعيدة وأنا أرى زوجتي وقد أرتاحت للمدينة وتمكنت من تكوين علاقات طيبة مع بعض العوائل الجزائرية، أضافة لعلاقاتنا مع الآخرين من عوائل عراقية. وكان هذا الوضع ينعكس إيجابيا على حياتنا في الغربة، بعد أن عانت في السنة الأولى من الغربة والكآبة وهي التي لم تفارق عائلتها أكثر من يومين طول حياتها. وعندما ودّعت والديها وأشقائها طلب منها والدها رحمه الله أن تصبر وتتحمل الغربة وأن لاتضغط عليّ (زوجها) للسماح لها لزيارتهم سنوياً، فالسفر مكلف كما قال لها رحمه الله! ولم يدر في فكر الوالد الحنون أن أبنته ستغادرهم ولن تراهم أبداً، وسيغادر الوالدان الحياة وهم في حسرة وداع أبنتهم الكبيرة. وفعلا وبعد ولادة أبني البكر نورس أصدر النظام الصدامي قوانين بمنع السفر. وما ان علمت زوجتي بعدم أمكانية السفر للعراق ومخاطر ذلك حتى سلمت أمرها لهذا الواقع الصعب، ليس هذا وحسب فأنها حرمت من المراسلات بسبب المضايقات التي تعرضت لها عائلتي والرعب الذي عاشته العائلة بسبب الأستدعاءات الأمنية، وخوفهم من أنتقال هذه التهديدات الى عائلة زوجتي، وهي عائلة بسيطة ليست لها أهتمامات سياسية ولكنها تتعاطف مع الحزب بحكم القرابة وظروفها الأجتماعية والأقتصادية.
نجحت زوجتي بأقامة علاقات طيبة مع عوائل جزائرية محترمة، وعوضتها هذه العلاقات لحد ما عن حنينها وشوقها لعائلتها. ويمكن القول أن جميع علاقاتنا مع العوائل الجزائرية كانت علاقات طيبة وناجحة، ووقفت هذه العوائل بجانبنا في أزماتنا. فزوجة جارنا المهندس الميكانيكي عبد الرزاق (أم لندا)، وبحكم الجيرة كانت الأخت الأكبر لزوجتي وكانت تستمع لمعاناتها وتتفهم غربتها، ولا تبخل عليها بالنصح والتوجيه في كيفية العناية بمولودها البكر، وعن طريقها تعرفت زوجتي على زوجة السيد عبد الكريم الحاكم الذي أجرى لنا عقد الزواج دون أن يطلب منا قيد النفوس. وتطورت علاقتنا بالسيد عبد الكريم وزوجته، وتعززت هذه العلاقة أكثر بعد أن أطلع على ظروفنا وأنقطاعنا عن الأهل في الوطن. ولا أنسى موقفه الى جانبي يوم أكتشفت شرطة المرور بعد أيقاف سيارتي اني أحمل أجازة سياقة منتهية الصلاحية. والحقيقة لم أكن عارفاً بفترة أنتهاء الأجازة لأني حصلت عليها أثناء سفري الى لبنان في شتاء 1981 من المنظمات الفلسطينية وعندما سألوني لأي فترة تريدها طلبتها لعشرة سنوات، ويظهر أن من أصدرها حدد تأريخ صلاحيتها لسنة ولم أنتبه لذلك. وأحلت للمحكمة وكان جزاء ذلك السجن لأشهر مع الغرامة، لولا وقوف السيد عبد الكريم وأنقاذي من السجن والغرامة. وبعد انتقالنا من منطقة دي كاستور للسكن في منطقة آخرى، تمكنت زوجتي أيضا من بناء علاقات جيدة وحميمة مع جيرانها، ووقف جميع الجيران الجدد الى جانبها بعد ولادتها الثانية وغير الموفقة ، ولم يتركوها وحيدة تعاني من فشل حملها ووفاة المولود قبل ولادته بدقائق، وما تركه من أثر نفسي زاد من شعورها بتعاسة الغربة والحاجة الماسة لوجود عائلتها بجانبها. تصرف بعض الجيران بشهامة ونخوة، البعض منهم أهتم بصغيري نورس وهو مازال دون الثلاث سنوات وبحاجة للرعاية، وآخرون كانوا يتبادلون طهي وجبات الغداء في بيوتهم ويبعثوه للبيت، وكم مرة نكون قد أستلمنا أكثر من وجبة في اليوم الواحد، وقلت مازحاً لأحدى جاراتنا عندما جلبت الطعام: أرجو أبلاغي قبل يوم كي لا أتعب نفسي بالطبخ. حتى البقال القريب من البيت كان يبعث لنا الفاكهة والخضروات ويرفض أستلام ثمنها. وأهتمتا الشابة أم الجلالي وأمها الطيبتان بخدمة زوجتي وتنظيف البيت وغسل ملابسنا ورعاية نورس. وعندما أجبرت على مغادرة الجزائر، وهذا ما سأتطرق له في السطور القادمة، وأضطررت لبيع أثاث البيت وبعض الزائد من ملابسنا كانت بعض النساء من الجيران يقمن بالواجب في التعامل مع المشترين بعد أن أكتشفن خجل زوجتي وعدم رغبتها بالربح المادي. وسمح لنا الجيران بأستخدام تلفونهم للأتصال بسورية وبعض الدول لترتيب وصولي أو الأستفسار عن الأوضاع هناك وأمكانية العيش وغيرها من امور تقلق اي عائلة تنتقل الى مكان آخر تجهله، ورفض هؤلاء الجيران أن يستلموا ثمن هذه المخابرات بالرغم من الحاحي.
أما زميلي بالعمل أبو عكاشة وزوجته أرتبطا معنا بعلاقات قوية أثناء عملنا في مكتب شركة (ETU)، وأرتبطنا معه بصداقة نقية وأستمرت علاقتنا به حتى بعد أنتقاله للعمل في شركة أخرى. وكان يكن لي الأحترام ويثق ثقة مطلقة بعملي ولم يسمح لأحد الأساءة لي أو التشكيك بأخلاصي في العمل، وأصبحت زوجته صديقة لزوجتي وزارني مع زوجته في بولونية بعد ثلاثة سنوات من مغادرتي الجزائر. أما مدير المكتب الهندسي الحاج عبد الكريم بالمحي فكان يبادر دائما لدعوتنا لبيته والجلوس مع عائلته، خلاف عادة معظم الجزائريين حيث يعزلون الرجال عن النساء، وأستمرت علاقتنا مع بالمحي وعائلته حتى بعد نقله الى مدينة وهران.
منذ أيام الرئيس الراحل بومدين أختطت الدولة سياسة إعمار واسعة للسكن لتوفيره للمواطنين وبأسعار منخفضة نسبيا. وبسياستها هذه أنجزت عشرات بل مئاة المشاريع السكنية في كل أنحاء الجزائر، حتى في المدن والنواحي النائية في الصحراء. وكمهندس عملت في مكتب هندسي مصمم ومشرف على التنفيذ لمدة خمسة سنوات وأشرفت على العديد من المشاريع السكنية وغيرها ، أشهد بأن حركة البناء الحكومي للشقق السكنية ولواحقها من مستلزمات كالمدارس، والاقسام الداخلية، والدوائر الصحية، والطرق والتشجير وأمدادات المجاري وخطوط الكهرباء والهاتف جميعها كانت تسير متوازية مع بناء المناطق السكنية. نعم كان هناك تأخير في تنفيذ المشاريع وتجاوزات على شروط التنفيذ وفساد مالي وسوء في الأدارة والمراقبة والمتابعة، ولكن حركة البناء كانت مستمرة. للأسف أن هذه الحركة بدأت بالضمور في أواخر النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي.
كانت المناطق الصحراوية تعاني من ندرة المياه والعواصف الرملية وقلة الأيدي العاملة التقنية ولكن عملية البناء كانت متواصلة. أحيانا كثيرة كنت أزور بعض المواقع الصحراوية كمدينة عين الصفرة وهي منطقة صحراوية في وسط كثبان رملية، حيث كنّا نشرف فيها على مجموعة سكنية من طابق واحد، وعند زيارتي للموقع بعد أيام من عاصفة رملية قادني المقاول متذمراً الى أسس كانت معدة لصب الخراسانة منذ زيارتي السابقة وإذا بها قد طمرت بالرمل من جراء العاصفة، ولولا حديد التسليح الظاهر لما أهتدينا لهذه الأسس!. كان العمال يلاقون صعوبة في صب الخراسانة، خاصة في الأسس. فالعواصف الرملية والرياح حتى البسيطة منها تسبب لهم مشاكل فنية وخسائر كبيرة، فالرياح الشديدة الصحراوية والمشبعة بالرمال تؤثر تأثيرا سلبيا على تماسك القوالب الخراسانية وجودتها التقنية. ويزيد الطين بلة قلة المياه والجفاف بسبب حرارة الشمس المحرقة وما تسببه من تأثير سلبي على نوعية الخراسانة.
عندما يتم أنجاز أي مشروع سكني، يتم توزيع الشقق المنجزة على دوائر الدولة في المدينة، كالبلدية والتعليم والصحة والأمن والشركات وغيرها من مؤسسات، وجميعها تحصل على حصصها من الشقق المنجزة. وهذه الدوائر بدورها توزعها على العاملين فيها وحسب الأحقية والحاجة، ولاحظت أن العدالة سائدة في داخل الدائرة بالتوزيع، وهذا مالم أشهده في بلدي وحتى في البلد الأشتراكي بولونية وربما حتى في بقية الدول الأشتراكية السابقة. كان إيجار الشقق الحكومية أرخص بكثير من إيجارات القطاع الخاص، فمثلا كان إيجار سكني الأول لايتجاوز 400 دينار جزائري، بينما عندما أنتقلت من الشركة وتعاقدت مع صاحبة البيت الجديد أتفقت الشركة معها على عقد إيجار قدره 3000 دينار، وهو بيت لايضاهي بيتي السابق بكل المقاييس! وتوزيع الشقق بين العاملين في أية مؤسسة دائما يجري بصورة عادلة، ولا يتم التوزيع على أسس طبقية أو أجتماعية أو مراتبية في العمل، ونادرا مايتم تجاوز المستحقين. فمدير مكتبنا الهندسي مصطفى جلول وهو مهندس مدني، حصل على شقة بجوار سائقه في الشركة. وأضيف هنا ظاهرة إيجابية جيدة لم أعتادها في دولنا النامية والمتخلفة وتفاجأت بها في الجزائر، ففي مؤسستين عملت فيهما وزرت الكثير من المؤسسات الأدارية والصحية والتربوية لم أجد ظاهرة وجود (ألفرّاش) الذي يقدم الخدمة لسيده ويجلس طول الوقت بباب مكتب سيده، وكل مهمته أن يسمح بالداخل والخارج وتقديم الخدمات لسيده وزواره، بينما في الجزائر لاوجود للفرّاش والجميع بما فيهم المدير هو المسؤول عن خدمة نفسه!
كان مكتبنا الهندسي (ETU) مسؤولا عن مراقبة ومتابعة تنفيذ مجموعة من المشاريع في عدة مدن معظمها مدن صحراوية، كمدينة بشار وعين الصفراء والمشرية والبيض وغيرها من مدن، وهي مدن بعيدة عنا يصل بعد بعضها أكثر من 800كلم وأقربها يزيد عن 200كلم، وبسبب هذا البعد تكون مراقبتنا للأعمال فيها أسبوعيا. وأشرفت خلالها على مجاميع سكنية في البيض والمشرية وعين الصفرة وتجاوز عدد الشقق في هذه المدن أكثر من 1800 شقة. كما أشرفت على تنفيذ أكثر من مستشفى من تصميم زميلي المعماري العراقي عبد الأمير حمندي وانجزت التصميم الأنشائي لها، وأشرفت أيضا على تنفيذ أكثر من مدرسة شارك في تصميمها الزميلين المعماريين طارق عباس وعبد الأمير وأنجزت تصاميمها الأنشائية. وفي سعيدة أشرفت على تنفيذ عمارات سكنية من ثلاثة طوابق من تصميم المعماري طارق عباس ومن تصميمي الأنشائي، وهناك كثير من الاعمال التي شاركت في تصميمها وأشرفت على تنفيذها.
كانت الجزائر تعاني من الخبرات التقنية والكادر التقني الوسطي، وكانت معلومات وثقافة العمال الفنية دون المستوى، وهذا يسبب مشاكل تقنية جدية في التنفيذ، وحتى في التفاهم مع العمال. كنت أشرف على تنفيذ مستشفى من تصميم مكتبنا ومن تصميمي الهندسي في مدينة عين الصفرة، وكانت زيارتي لها مرة كل أسبوعين وأحيانا أسبوعيا، أراقب فيها خطة التنفيذ وأبداء الملاحظات وأراقب الأعمال الجارية وأدقق المنفذ منها وأقدم أرشاداتي. وفي أحد المرات لآحظت خطأ في تنفيذ جسرا حاملا من الخراسانة المسلحة، أحدى نهاياته حرة (cantilever) بطول 1,5م وقد صبت فيه الخراسانة على طوله لجزء من إرتفاعه (40سم) وبقي من أرتفاعه بحدود 20سم لم تملأ بالخراسانة، بحيث بقي حديد التسليح العلوي للنهاية الحرة ظاهرا. ولما سألتهم متى نفذوا هذا العمل أخبرني المراقب قبل أسبوع. وكل مختص في أعمال البناء يعرف جيدا أن نهايات الجسر الحرة يكون التسليح العلوي وارتفاع المقطع والفرق بين أرتفاع التسليحين العلوي والسفلي هو الأهم والأساس في تحمل القوى المؤثرة وهذا يتطلب صب الخراسانة كاملة في الجسر وعدم تجزئة ذلك خاصة للنهايات الحرة. وفي الحالة التي شاهدتها فأن الأرتفاع الحقيقي للمقطع العرضي سيكون 20سم وليس كما هو مصمم 60سم، وهذا خطأ كبير وقد يسبب كارثة بالمستقبل، فأضطررت الى إيقاف العمل. ولو كانت هناك أدنى خبرة لدى مراقب العمل في الموقع لما اُقترف أو سمح بمثل هذا الخطأ. طبعا قراري أغاض المقاول المنفذ (سي بالعربي) وجاء للمكتب محتجاً وخاطبني بوجود المدير بطريقة مضحكة وبلهجته الجزائرية قائلا: أنت جأت من العراق الى بلدنا حتى توقف أعمالنا! لم أرد عليه وطلبت من المدير أن يوضح له الخطأ. وعلى مايبدو أن المقاول تفاهم على طريقته مع المدير جلول، ولم يطلب مني زيارة الموقع بالمرات القادمة.
وفي أحد المرات طلب مني المدير جلول أن أذهب الى مدينة (لا أتذكر أسمها) تبعد عن سعيدة بحدود 40كلم بأتجاه مدينة معسكر لأعطاء النصيحة وأتخاذ القرار في الموقع حالا حول مشكلة واجهها مراقب العمل هناك. لم يسبق لي زيارة هذا الموقع وليس من مسؤوليتي وأنما من مسؤولية المدير جلول فهو المشرف عليه منذ أيام المدير السابق بالمحي، وأستغربت من طلبه. المهم ذهبت للموقع وعليه تشاد مدرسة مع مطعم وسكن داخلي، وفيها الصفوف مكتملة تقريبا، و60% من السكن أما المطعم فقد حفرت أسسه وبعضها تم صبها وأنتصبت فيها الأعمدة الخراسانية وبعض الأجزاء من السقف. أخذني مراقب العمل الى موقع المطعم وفي الطريق أخبرني أن العمال أكتشفوا خلل كبير في الأرض!. ففي أحد الأسس المحفورة وكانت أرضية الأساس من الحجر (لأن الأرض أصلا حجرية) وقال هنا الخلل، قلت لم أفهم لآ أرى أي خلل. أخذني الى أساس مجاور وشاهدت في أحد أركان الأساس ثقب دائري الشكل تقريبا وبقطر لايقل عن 20سم، ومسك بلوح عريض وبطول (3-4)م وأدخله في الثقب وحركه حركة دائرية بكل حرية وفي كل الأتجاهات، مما يدلل على أن الأرض تحت هذا الحجر جوفاء! وهكذا أنتقلنا لعدة أماكن وتكررت الصورة. سألني مالعمل، سألته من هو المشرف على موقعكم فأكد لي أن جلول هو المشرف وقد لاحظ المشكلة منذ أكثر من شهر وأوعدني بالحل ونحن الآن متوقفين عن العمل. حينها عرفت لماذا أرسلني وطلب مني أتخاذ القرار في الموقع وهو الذي لم يتخذ أي قرار منذ شهر حتى ضغط عليه المقاول. سألت المراقب هل هناك فحوصات للأرض قبل التنفيذ؟ أجاب نعم أجروا فحوصات وكلها جيدة، ولكن قبل بدء التنفيذ قرر الوالي (المحافظ) أن يغير موقع المدرسة، ونقل الموقع أكثر من 200م عن المكان المخصص وأعتمدوا الفحوصات السابقة! قلت له قبل أتخاذ أي قرار يجب أجراء فحوصات لهذا الموقع وخاصة للأماكن التي تم تنفيذ البناء فيها ولم تكتشفوا فيها الخلل في الأرض، بعد إجراء الفحوصات ومعرفة النتائج يمكننا أتخاذ القرار الصائب. كنت واثقا من قراري، وأية فحوصات لتلك الأرض ستعطي نتائج سلبية، فالمنطقة قريبة من خط زلزالي وتصلها الهزات الزلزالية الأرتدادية أضافة لقربها من سكة القطار ومايسببه من تخلخل في التربة على مرور الزمن، وكل هذه الأسباب مجتمعة قد تسبب كارثة بأنهيار المدرسة. أخبرت جلول بأقتراحي، ولم يعجبه المقترح، لأنه كان يريد حلا عاجلا ، ولكن أي حل عاجل وهو نفسه عجز ولشهر عن معالجة المشكلة بالرغم من أنه رافق المشروع من بدايته.
ألمشاكل في البناء والتنفيذ كانت كثيرة وأتطرق في هذه السطور لبعضها لغرابتها، كما أنها تعطي صورة واضحة للنقص في الكادر التقني وعدم الشعور بالمسؤولية من قبل بعض المقاولين والمراقبين. طلب مني المدير السفر الى عين الحجر القريبة من سعيدة، وكتابة تقرير عن جامع حديث الأنشاء. وعندما وصلنا للجامع أستقبلنا شيخ الجامع بالتذمر من قرار الوالي (المحافظ) بغلق الجامع موقتا، وأتهم الوالي بالكفر والزندقة وأنه رجل فاسق ويشرب الخمر. ورفض الشيخ المؤمن ان يكشف لنا الأسباب التي دعت الوالي لأتخاذ القرار وحاول التهرب. أخبرناه بأن الوالي أتخذ القرار لأن تقارير ولجان أولية قد رفعت تقارير تشير الى أخطاء خطرة في الأسس وقد تسبب أنهيار القبة وربما الجامع بأكمله. أصر الشيخ وأقسم أغلظ الأيمان بأن الكفرة والزناديق هم وراء هذا الأدعاء ليحاربوه في إداء واجبه أمام الله. دخلت للجامع وكانت الأرض مفروشة بالسجاد، رفعنا السجاد ولاحظت تغيرات في الأرض المحيطة بكل الأعمدة. كانت الحالة تشير الى أن الأرض ضعيفة ومساحة أسس الأعمدة لاتتناسب مع الأثقال المحمولة وأدت الى غورها في الأرض قليلا، ومن حسن الحظ أن المسجد لغاية ذلك اليوم لم ينهار. طلبت أزالة التبليط والوصول الى الأساس، وتكشفت لي حينها المخاطر أكثر، كانت التشققات في الأساس رهيبة ومنتشرة في الأساس وتتجه كالشعاع بأتجاه مركز العمود! حينها سألت الشيخ كيف يفسر هذه الشقوق، ألا يخاف من انهيار الجامع على رؤوس المصلين؟ لكنه بقى مصرا في أتهامه للوالي الزنديق ويؤكد أن الله يحمي عباده المؤمنين، وفضلت تركه وعدم خوض نقاش مع هذا الدجال الذي يختصر الأيمان بالله بالصلاة فقط. رفعت التقرير وأصر الوالي على غلق الجامع رغم أحتجاجات الشيخ وبعض وجوه المدينة من الذين يؤمنون بما كتبه الله لهم. لكن أحتجاجاتهم لم تدم فبعد أسابيع انهارت القبة قبل ان يبدأوا بالترميم.
أستمر عملي في المكتب الهندسي (ETU) أربع سنوات، حدثت في المكتب تغيرات كثيرة، حيث أنتقل الزميلان طارق عباس وعبد الأمير حمندي، الأول حصل على شروط عمل أفضل في مدينة وهران والزميل الثاني أنتقل الى بشار المدينة الصحراوية بعد أن حصل على عقد افضل. وتعاقدت الدائرة الرئيسية مع مهندسين بولون، معماريين وأنشائيين، وكان هؤلاء عونا لي في حساباتي الأنشائية فجميعهم كانوا من ذوي الخبرة الجيدة. كذلك تغير مدير مكتبنا الحاج بالمحي وحل محله زميلنا في العمل المهندس الجزائري جلول مصطفى رحمه الله. ورغم أن جلول مهندس فلم يكن بنفس خبرة وقدرات بالمحي الأدارية وحتى علاقاته لم تكن طيبة مع جميع العاملين في المكتب من جزائريين وأجانب. ولم يكون زواجه حائلا لمصاحبة ومطاردة البنات أو للتنافس مع بعض موظفيه (المحاسب محمد) في مغازلة ودعوة سكرتيرته لقضاء أوقات حب بعد انتهاء العمل، مما سببت له فضيحة ومشاكل أمام كل العاملين في المكتب وصار حديث الجميع، وقد أثرت تصرفاته المراهقة هذه على شؤون أدارته للمكتب. وخلال السنة الأخيرة من عقدي في الشركة بذلت جهودي لتحسين علاقتي معه، وتبادلنا الزيارات العائلية وتعززت أواصر الصداقة بيننا وأستمرت هذه العلاقات حتى بعد أنتقالي للعمل في شركة أخرى. كان جلول أنطوائيا وعلاقاته مع العاملين في المكتب سيئة، وقد أشتكت منه زوجته لزوجتي بسبب مطاردته للنساء وسوء معاملته لها. وبعد حصولي على عقد عمل في مكتب آخر تحدثت معه عن أهمية تحسين أجواء العمل والعلاقات في مكتبه وعقد أجتماعا دعى معظم العاملين في المكتب لسماع ملاحظاتهم وتطوير عملهم وتحسين علاقاتهم فيما بينهم، لكن للأسف لم يتجاوب معه بعض العاملين في المكتب لأن مبادرته كانت متأخرة. وخلال زياراتنا العائلية المتبادلة كنت من خلال علاقتي مع زوجتي أمامه أعطيه مثلا في تبادل الأحترام والثقة بين الزوجين وتأثير ذلك على حياتهما الزوجية. وللأسف سمعت بعد سنوات ومن الصديق بوعكاشة عند زيارته لي في بولونية بوفاته في حادث سيارة وهو في حالة سكر!.
في أواخر السنة الرابعة من عقدي مع مكتبي الهندسي (ETU) قدمت طلبا بتجديد العقد مع زيادة في راتبي الشهري، في نفس الوقت قدمت طلبا لمجموعة شركات بما فيها شركة إكوتك (ECOTEC) وهي شركة تنفذ عدة مشاريع في سعيدة ومدن أخرى. لم أبذل جهود كبيرة في البحث عن عمل، فقدمت طلباً لشركة (ECOTEC) في نفس البناية التي يوجد فيها مكتبنا، وحددت الراتب الذي أطلبه بزيادة 100% على راتبي القديم. ولم أكن مبالغا بهذا الشرط، فكما أشرت في الحلقات السابقة ففي أول أيام وجودي في الجزائر وبعد أن شاهدت صعوبات الحياة والحصول على عمل، قررت حينها بالموافقة على أي عرض يقدم لي كي لا أعيش عاطلا عن العمل، لذلك وافقت على الراتب المتدني الذي أتفقت عليه في بداية العمل. بعد أيام من تقديمي الطلب وبينما كنت أسير في السوق مع زوجتي وإذا بأبي عكاشة، وكان هو الآخر أنتقل من (ETU) الى (ECOTEC)، يوقفني ويخبرني بأنه كان حاضرا في أجتماع لأدارة (ECOTEC) وتمت الموافقة على التعاقد معي وبالراتب والشروط التي طلبتها، وعليّ مقابلة الأدارة غدأ لأستلام عقدي منهم.
في اليوم الثاني توجهة للشركة الجديدة وأستلمت عقد العمل معها، وطلبوا مني بذل جهودا للبحث عن سكن آخر وترك سكني القديم لأنه من حق المكتب الهندسي الذي كنت أعمل فيه. وبمساعدة معارفي من الجزائريين تمكنت من الحصول على بيت قريب من العمل، وتعاقدت الشركة مع صاحبة الدار، ومع بداية عملي الجديد أنتقلت الى بيت آخر.
عند أنتقالي للشركة ألأخرى (ECOTEC) كنت أحد أربعة مهندسين ننفذ مشروعا لمجموعة عمارات سكنية من أربعة طوابق في سعيدة تتكون من 600 شقة، وكان في الموقع يعمل مساحان مهمتهما تثبيت أحداثيات الأسس والأرتفاعات ومحاور الطرق وتدقيق التنفيذ وعدم حدوث أخطاء. قسمنا العمل في الموقع الى أربعة مناطق، وكل مهندس أصبح مسؤولا عن منطقته المكونة من مجموعة عمارات متجاورة.
عندما بدأت العمل في المشروع، كان المنجز منه 40% وهناك عمارات أنجز منها 80%. خلال تجولي في الموقع أكتشف أخطاء جسيمة في أسس ثلاث عمارات متجاورة وتقع في أطراف الموقع، ولما أستفسرت عن سبب أهمالها وعدم ألعمل فيها أوتصحيح أخطائها، أجابني العمال أن المهندسين والأدارة الفنية طلبوا التوقف وعدم العمل فيها! لم تهمني هذه الأسس كثيرا فهي ليست ضمن منطقتي، ولكن كنت أثناء فراغي وبسبب حب الفضول والرغبة في تطوير خبراتي أحاول كشف طبيعة الأخطاء وتصور الحلول الممكنة. كان يعمل معنا مهندس جزائري سبقني في العمل بشهر واحد، وكنا نتحدث عن العمل ومشاكله وخاصة ظاهرة مغادرة العمال للموقع في فترة الغداء وعدم عودتهم، أو تكاسلهم وعدم أنتاجيتهم بعد فترة الظهيرة. وكانت هناك مشاكل أخرى كانت سببا في كثير من الأخطاء في عملية التنفيذ، منها أمية بعض الأسطوات (رؤساء فرق العمل) وعدم أمكانيتهم قراءة الخرائط التنفيذية مما يوقعهم بأخطاء مكلفة. فمثلا كنت أجد ان تثبيت الأبواب وحتى الشبابيك يكون عكسيا، فالباب الذي يفتح من الداخل يثبت من الخارج، والشباك أذا كان مكون من جزئين يثبت جزء مكان الجزء الآخر، وغيرها من أخطاء مكلفة التصحيح. في أحد الأيام كان من المفروض العمل على تثبيت قوالب الأسس لأحد العمارات، وكنت قد طلبت من المساحين ومسؤول الفرقة المنفذة أن يتم تدقيق الأحداثيات والتأكد من وضع القالب وتطابقه مع الخرائط. لكن تفاجأت من سرعة مسؤول الفرقة (الأكحل) من أنجاز نصب جميع القوالب وحجزه للخراسانة لصبها. سألته هل تم ذلك بمساعدة المساحين فأجاب بالنفي ولما سألته لماذا لم يطلب من المساحين تدقيق ذلك ووضحت له الأخطاء التي سيرتكبها في عمله من أنحرافات في الأسس والعمارة ومستوى الأسس وغيرها، أجاب وبحركة تمثيلية بعد أن وقف في أحدى الزوايا ووضع يده اليسرى تحت عكسه الأيمن ومد يده اليمنى بأتجاه أحد الأسس، محاولا النظر بعين واحدة وكأنه يحدد خطاً مستقيما بأتجاه الأساس، ثم أستدار 90 درجة كما يعتقد وكرر نفس حركة اليد، ليقول لي أن جوانب الأسس متعامدة كما هو مطلوب، وكأنه يقول لماذا هدر الوقت مع المساحين! وعندما طلبت من المساحين تدقيق وتأشير الأسس تبين أن الطرف الأطول لأساس العمارة أنحرف عن أتجاهه أكثر من 40سم، حينها وضحت للأكحل خطأ تفكيره وعمله، وطلبت منه أن يجمع كل رؤساء الفرق العمالية ويحدثهم بنفسه عن خطأ هذه الطريقة بالعمل وعدم أعتمادهم على المساحين والألتزام بتوجيهات المهندس.
سلمت مدير الشركة السيد بلعلمي مجموعة مقترحات مكتوية، ولخصتها بحديثي معه، عن أمية العمال وعدم توفر حد أدنى من الفهم التقني وما يسببه من أخطاء في قراءة الخرائط الهندسية والتنفيذ، وعدم التخطيط وحساب الحاجة من الخراسانة مما يضطرهم أحيانا برمي مايتبقى من الخراسانة في الطريق أو أحيانا في حفريات الأسس مما يسبب لنا مشاكل مستقبلية، وأقترحت عليه أن نستغل فترة مابعد الغداء لفتح دورات تدريسية للعمال ورؤسائهم لتطوير وصقل معارفهم لتعشيق الخبرة مع الفهم النظري. أقتنع المدير وأوعدني بطرح هذه الأفكار في أجتماعات الأدارة والقسم الفني. للأسف لم يتمكن المدير عمل شيء بسبب تدخل النقابة بشكل سلبي وغير واعي، وزاد الطين بلة تصادم المدير مع الوالي (المحافظ) بسبب رفض المدير تزويد المحافظ بكمية من حديد التسليح والأسمنت! وأشتد الصراع بين الوالي والمدير أنتهى بأنتصار الوالي ونقل المدير الى وهران. لم يكتف الوالي بهذا النصر وأنما كان يريد أكثر من ذلك وللأسف أن النقابة في الشركة وقفت الى جانبه، ولم تهتم بالمصلحة العامة. وجيء بمدير أدارة جديد ومدير فني، وكان المدير الفني أداة بيد الوالي لمحاربة بلعلمي المدير السابق.
زارنا المدير الفني للموقع مرتين، مع العلم أن الموقع لايبعد عن الشركة أكثر من نصف كيلومتر، وفي الحالتين كان مخموراً ولايمكنه التحدث معنا بوعي. على أثرها قدم المهندس الجزائري أستقالته، ولماأستفسرت منه قال لي مامعناه: من الأفضل لك أن تبحث عن عمل بغير هذه الشركة! قالها بطريقة غامضة أحسست أنه يعرف شيئا ولكنه لم يصرح به، وفكرت مع نفسي مادمت أقوم بواجبي على أفضل وجه لآيهمني المدير المخمور.

يـتـبـع

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية