الرئيسية » مقالات » مشاكل (يختارها)اخرون …خطرها كبير

مشاكل (يختارها)اخرون …خطرها كبير

ليس اكتشافا اميركيا او اقاويل تطلقها جماعات يرهقها وجود الشيعة القوي في قيادة السلطة في العراق ،اذا قيل ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تتدخل بشكل سلبي في الشؤون العراقية ، اذ ان المسؤولين الايرانيين انفسهم ، وعلى خلفية الصراع على الملف النووي وخلافات سياسية اخرى ، يؤكدون عداءهم لاميركا ولمصالحها اينما وجدت ، ولهذا فأنه من العادي جدا ان يعتبروا العراق ساحة للمصالح الاميركية ، لذلك فأنهم ، ومعهم النظام السوري ، لا يتورعون من ان يفعلوا اي شيء من اجل ايذاء الاميركيين وحلفائهم من المتعددة الجنسيات والقوات العراقية ،. بل ان المهام الايرانية والسورية (كما الحال في لبنان) تتجاوز ضرب الوجود العسكري الاميركي الى عمليات قتل واغتيال وحبك الدسائس التي تزيد من نيران الفتنة الطائفية بغية تدمير مشروع العراق الديمقراطي الفيدرالي الجديد الذي يعتبرونه بدعة اميركية تضر بمصالح انظمتهم الرجعية الغارقة في ظلامات عصور الحجر. وفي كل هذا لا يهم ايران اذا كان الحكم الحالي في العراق عمليا بايدي اكثرية شيعية ، ولو انها تحاول ان تبقي على شيء من الود المحسوب مع قادة الحكم الجديد في العراق ، ولكنها وكما اكدت الانباء ان ايران لا تقف عند حد محاربة الاميركيين بالتدخل في العراق بل انها تساعد تنظيم القاعدة الارهابي ايضا حتى في افغانستان ، وكلنا نعرف موقف (القاعدة) العدواني من الطائفة الشيعية ، فأية سياسة ميكافيلية هذه التي تمارسها الجمهورية الاسلامية الايرانية؟.

ومن البديهي ، ان مشكلة نظام الحكم الايراني مع العالم ومع الغرب بالذات ليست الدين او تصادم حضارات ، بل انها مشكلة عدم القدرة على قبول الانتماء الى مفاهيم العصر في الديمقراطية و المساواة والحرية والتقدم ، اذ ان هذا النظام يتشبث بأي شيء لضمان بقائه ، وهو يرى الان ان له الحق في ان يمتلك القوة النووية اسوة بدول اخرى ، متجاهلا حقيقة ان هذا طموح غير قابل للتحقيق لنظام يعيش كما كبيرا وغير منطقي من التضاد مع معادلات العصر ، وتقف مع ايران على هذا الخط دول اخرى دون ان تكون لتلك الدول اية طبيعة دينية كالنظام السوري ( البعثي القوموي) ، وهو يشارك ايران ( همومها) المتخلفة دون ان يعنيها همومها الدينية. ويبدو ايضا ان (النظام السوري) قد ركبه الهوى النووي بدوره ، كان من نتيجته ان تعرض الى ضربة جوية اسرائيلية قالوا عنها انها كانت مجرد ( اختراقات جوية اسرائلية) ، بينما الاسرائيليون وحدهم اعلنوا لماذا وكيف ومتى اغاروا على موقع قالوا انه مخصص لاسلحة دمار شامل.

وايران هذه ، ومع كل (مميزاتها!) تلك وتاريخها في اقامة المذابح للكورد في مدن شرق كوردستان اوائل ايام الثورة الايرانية ، ومع كل ذلك ، والحق يقال فأنها( اي ايران) لم تناى بنفسها ، ولاي غرض كان ، من تقديم الملجأ للالاف من الكورد العراقيين الذين لجأوا اليها فيما بعد بعد اشتداد هجمات النظام البعثي البائد ضد شعب جنوب كوردستان ، كما انفتحت على حكومة اقليم كوردستان بتأمينها الكهرباء لبعض مناطق جومان وحاج عمران وقضاء سوران ، وهي لم تغلق الحدود امام تجارة البضائع بين مدن الاقليم والجانب الاخر من الحدود ، وانتقال المواطنين الكورد العراقيين الى ايران لحالات انسانية ، ومن ناحية اخرى وعلى الرغم من سياساتها الشوفينية في معاملة الشعب الكوردي في شرق كوردستان ، ومعاداتها للطموحات القومية المشروعة التي تعبر عنها الاحزاب الكوردستانية هناك كالحزب الديمقراطي الكوردستاني- الايراني والكومه له وحزب الحياة والحرية (بزاك) ، فأنها مع ذلك لا تنكر وجود الشعب الكوردي وتغض النظر عن استعمال اللغة الكوردية في بعض البرامج الاذاعية والتلفزيونية وبعض الصحف المحدودة التوزيع ، على العكس من تركيا (الصديقة التقليدية للولايات المتحدة الاميركية) التي ترفض اصلا وجود الشعب الكوردي في شمال كوردستان ( جنوب غرب الاناضول) علما ان عددهم لا يقل عن عشرين مليون انسان نسمة.

وايران ، في الوقت نفسه ، هي التي ضربت وتضرب بالمدفعية قرى اقليم كوردستان ، تحت دعاوى محاربة حزب الحياة والحرية الكوردستاني (جناح لل ب ك ك في شرق كوردستان) ، وهي تعلم علم اليقين ان لا علاقة لاحزاب جنوب كوردستان وحكومتها بذلك الحزب ، وان مقاتلي ذلك الحزب موجودون في اكثريتهم الساحقة داخل اراضي ايران ، وقد يكون لهم بعض المجموعات الصغيرة في مناطق وعرة على الحدود، وان ملفهم هو ملف ايراني وتركي بأمتياز( اذا اضفنا العمال الكوردستاني ب ك ك) ولا علاقة له بالعراق ، وهم يخوضون صراعا له ابعاد سياسية عميقة تعبر عن حالة شعب كوردي لم يعد يقبل بالعيش مهمشا ومسلوب الارادة وقد فشلت ايران وتركيا لحد الان من استيعاب تلك الحالة والتعامل معها بطريقة حضارية وديمقراطية . ويبدو ان ايران بهذا القصف لاقليم كوردستان تريد ايضا ازعاج الاميركيين اكثر من ازعاج ومقاتلة ثوار حزب الحياة والحرية الكوردستاني ، او انها تريد اصابة ثلاثة عصافير بحجر واحد.

ولا ينكر ايضا ان الولايات المتحدة الاميركية قدمت الاف الضحايا من ابنائها في عملية تحرير العراق ، وهي تحارب الارهاب بكل قوتها وما زالت تقدم الضحايا يوميا في شوارع ومدن العراق ، ووقفت في عام 1992 الى جانب مشروع حماية اجواء كوردستان من تهديدات النظام انذاك ، ومن الطبيعي والضروري ان يحاول الكورد اقامة احسن العلاقات والصلات معها ، في وقت يعانون (اي الكورد) الامرين من وحوش (الغابة) الاقليمية التي وضعتهم الجغرافيا فيها.

خلاصة القول ان ليس الكرد من لا يعرفون طبيعة النظام الايراني وتركيبته وتوجهاته ، انهم يعرفون ،على الاقل ، كل (خصال!) هذا النظام و( انجازاته!) الفاشية في شرق كوردستان ، ولكن جنوب كوردستان يجاور الحدود الايرانية ، وهناك امتداد كوردي الى اعماق ايران ، وهذا الامتداد يشكل الجزء الشرقي من الوطن الكوردي بكثافة ديموغرافية كوردية خالصة تبلغ 12 مليون نسمة شاء النظام الايراني ومعه الولايات المتحدة الاميركية ام ابوا ، ولا يمكن قطع صلة الرحم بين الكورد على جانبي الحدود (الدولية)، كما انه من مصلحة اقليم كوردستان والعراق عموما ان تكون هناك بوابة تجارية مع هذا الجار ، وخصوصا في الاوضاع التي يعيشها العراق ، وهكذا هي السياسة ، ان تحاول الاستفادة قدر الامكان وتحاور، على الرغم من كل مساوئ الاخر اكانت الانظمة الحاكمة في ايران او سوريا او حتى تركيا التي اصابها الارق منذ ان سقط النظام الدكتاتوري السابق واعلن العراق دولة ديمقراطية فيدرالية وتأسست حكومة الاقليم في جنوب كوردستان ، و الاميركان والانكليز والغرب انفسهم يلعبون هذه اللعبة ويعقدون اعمق العلاقات مع انظمة لا تعرف معنى لحقوق الانسان ، وليس في قاموسها شئ اسمه البرلمان ، ونصف مجتمعه غارق في السواد ومشطوب عليه ، فاذا كانوا هم يمارسون هذه اللعبة ، لماذا يفسدونها على الاخرين الذين هم بأمس الحاجة اليها؟

لذلك كان من حق الجانب الكوردستاني ان يبدي رأيه الصريح في رفض العمليات الاميركية التي تتكرر فقط عندما يأتي وفد تجاري ورسمي ايراني الى كوردستان وبعلم تام من قبل الحكومة العراقية واجهزتها ، ان المسألة تبدو في جانب منها ، كأن هناك من يتربص بكوردستان ، ويكرهون استتباب الامن فيها لان في كوردستان فقط لا يسمع صدى المفخخات والهاونات والاغتيالات والعبوات الناسفة والهجوم على المدارس والجامعات والمستشفيات والجسور و المساجد .

الكثير من سكان الحدود الذين هربوا من القصف الايراني قالوا للصحفيين : لماذا لا نسمع ردا اميركيا على هذه الانتهاكات اليومية وهي التي تتحمل مسؤولية الامن الاولى في العراق؟

على اي حال ، من يدري قد يكون الاميركان على حق وانهم وضعوا يدهم على عنصر خطير بأعتقالهم هذا الشخص الايراني عضو وفد ولاية كرمنشاه ، ولكن يا ترى هل ان الوجود الايراني يختصر فقط ، وصدفة في وفدين زارا كوردستان وبشكل رسمي ؟ لكن وامام هذه الحالة قد يسأل سائل : هل ان كل الهيئة (الدبلوماسية) الايرانية العاملة في بغداد هم رسل سلام ؟ ثم هل ان الذين يتم تدريبهم في ايران ويدخلون العراق وتحت سمع وبصر المتعددة الجنسيات والقوات العراقية ومعروفون من قبلهم ويعلنون عنهم بأستمرار، هم اسراب حمام ؟ فلا يتعرض لهم احد او ربما يعتقلون منهم واحد او اثنين ومن يدري ثم يطلق سراحهم.

الجو ملبد بكثير من الغيوم الداكنة ، وهناك من (يصمم) او يختار مشاكل لشعب كوردستان ويحدد توقيتها ونوعها وخارج كل السياقات حتى الاخلاقية منها ، ويمكن ان تشم الرائحة الكريهة نفسها حتى عندما يتم التعامل في مسألة تنفيذ المادة 140 ( طرح قراءات خاصة للمادة الدستورية والطلب بتأجيل تنفيذها – من بعض الحلفاء- او الغائها حسب شروط -المصالحة الوطنية!- التي تطالب بها اطراف متطرفة شرط دخولها العملية السياسية) وفي تصميم فاجعة سنجار ومسائل اخرى معروفة ، ان هذا النوع من سياسات المخادعة والتضليل يشكل خطرا كبيراعلى انجازات شعب كوردستان ، لذلك ليس من الحكمة ابدا ان ينتظر الكورد اختيارات الاخرين في هذا الصراع المرير ، ولا ان يضعوا كل بيضهم في سلة واحدة!. واعادة قراءة تجارب الماضي مع الفهم الواعي لمعادلات العصر يبقيان من ضرورات العمل والاستمرار.