الرئيسية » الآداب » آراء حول النقد الكوردي

آراء حول النقد الكوردي

من الممكن تقسيم الحركة النقدية للادب الكوردي الى ثلاث مراحل حسب نوعية الكتابة النقدية ومحتوياتها، أولها تبدأ مع كتابة نوع من النقد العام وغير التخصص البعيد عن حركات التجديد والحداثة ويسمى بالنقد الكلاسيكي أي بامكاننا تسميته بالنقد ولم يكن هدفه تحليل النص بل الحديث عن الكاتب وطرح رؤية عامة حول النص، ولكن وبعد السبعينيات ظهر نوع من النقد قد أخذ بعين الاعتبار محتويات النص، وتحليل بعض المنعطفات النفسية والايديولوجية وتحليل الكثير من الدراسات التي تحدثت عن دور اللغة في تكوين النص واهميتها، لم يكن النقد الكلاسيكي الكوردي نقداً ذا أبعاد تجديدية، حيث اهتم بالكاتب اكثر من النص، ولم تتوانى كتاباتها عن توجيه ارشادات الى الكاتب في نصوصه، وقد أنقسمت محتوياتها بين قبول النص او رفضه، على أساس انحياز الناقد للكاتب او قبول النص ورفضه على أساس موقفه من المسائل السياسية والايديولوجية، فهو نقد محدود الرؤية والآفاق لم يول أي اهتمام بلغة النص وبنيته، كان يحكم على النص حسب محتواه فقط، فكان دور اللغة في الكتابة الادبية ثانوياً وهامشياً، انه نقد يشبه الاحكام القسرية اكثر من بناء الحوار والتحليل، لانه لم يتخط تحيزه الشخصي الذي ليس له علاقة تذكر بالنص ولكن وبالرغم من ذلك تمكن النقد الكلاسيكي من اثارة سؤال القارىء حول النص وأبعاده الفكرية واللغوية، التي لم تكن موجودة اصلاً في كتاباتها النقدية، وتمكن من ارساء فن ادبي جديد لتفتح الافاق امام الاجيال الجديدة لطرح اسئلة حداثوية ولغوية حول علاقة اللغة بالابداع الادبي، وعلاقة المحتوى بالشكل بالرغم من ان هذه المصطلحات لاتزال حاضرة في الاذهان وبالرغم من ظهور تيارات نقدية بنيوية وألسنية حديثة، امتد هذا النوع من النقد الى السبعينيات، حيث ظهرت ولاول مرة دراسات نقدية تسأل عن الابعاد النفسية والشكلية في النص واهميته في الابداع الادبي، فكان النقد في السبعينيات، نقداً يترنح بين السمات الكلاسيكية للنقد الكوردي، وبين التخطي نحو الحداثة ويمكننا الاستشهاد بحركة (روانكه) الادبية التي ادعت تبنيها للحداثة في الادب، وهنالك كتاب خارج هذه الحركة ادعوا ايضاً بأهمية الدراسات والنظريات الاجتماعية والنفسية في تحليل النص وكانت قلة من الكتاب يتحدثون عن الابداع اللغوي في تحليل النصوص الادبية ولكنهم لم يكونوا بمستوى أهمية اللغة في النص، أو مطلعين على التيارات النقدية الحديثة في اوروبا وامريكا وروسيا، فظل النقد الكوردي نقداً أيديولوجياً يحكم على النص من خلال زوايا لاعلاقة لها بالابداع. ويمكننا تلخيص السمات الرئيسة لمرحلة السبعينيات والثمانينات في نقاط رئيسة: 1-كانت الاوضاع السياسية للعراق بشكل عام ترزح تحت الرقابة الشديدة للسلطة من حيث المصادر الحديثة للكتب، ومنع كل الحركات التجديدية التي تأخذ بنظرها حقوق الانسان في حرية التعبير والاعتقاد والادب بدوره وقع تحت طائلة الرقابة الشديدة فحرم الكتاب من الاطلاع على المصادر الحديثة للفكر والادب والفلسفة، وقد كان معظم الكتاب الكورد يقتنون الكتب العربية المترجمة من اللغات الاوروبية، فكانت مصادرهم قليلة وغير كافية واثر ذلك على المخزون الثقافي للكتاب في العراق بشكل عام والكورد بشكل خاص. 2-لم يبحث النقد بشكل عام عن أهمية البنية اللغوية واكتشافها في النصوص الادبية فكانت جل اهتمامه يصب في المحتوى، حيث أدى ذلك الى عدم الغوص في قدرة اللغة الادبية وقصر نظر الكاتب حول النص المبدع. 3-لم يتمكن النقد من مجاراة وتحليل النصوص الابداعية في الشعر والقصة للكتاب الكورد فنرى في الثمانينيات نصوصاً إبداعية كثيرة بقيت دون اهتمام النقد بها. 4-لم يكن الممارسين للنقد من الكتاب الذين ينذرون محاولاتهم للنقد فقط، بل كانوا أصلا من كتاب الشعر والقصة. 5-لقد أثرت الصراعات غير الادبية بين الكتاب على العملية النقدية، حيث كانت تظهر أسماء ونصوص نقدية لم نسمع بأسمائها قبل تلك الكتابات، ليظهر بعد ذلك ان ذلك (الكاتب) كان مدفوعاً من طرف ضد طرف آخر. 6-كانت المصطلحات المستخدمة في معظم الكتابات النقدية، محدودة وغير حديثة، بحيث لن يتجاوز الاصطلاحات النقدية الاصطلاحات التي استخدمت في النقد الكلاسيكي مثل (الشكل، المحتوى، الايقاع، ..الخ). ولكن وبعد الانتفاضة الاذارية المجيدة وبتأثير من الجو الديمقراطي في كوردستان في شتى المجالات ومنها العملية الثقافية، قد اطلع الكتاب الكورد على التقدم الحاصل في النقد والفكر العالميين، وتأثر النقد بدوره بهذه المتغيرات بشكل عميق وجذري، فظهر الى الوجود انماط وأشكال نقدية جديدة نلخصها في النقاط الآتية: 1-النقد (الفكري): ربما يتساءل البعض عن جدوى او الوجود الحقيقي للنقد الفكري وهذا التساؤل مشروع من حيث الاصناف الادبية للنقد، لقد ظهر نوع من الكتابة النقدية الحديثة تأخذ بأعتبارها واهميتها التحليل الفكري من الجوانب الفلسفية والاجتماعية للنص، ولم يكن ذلك الاهتمام بمحتوى النص ومضمونه، بل كان يبحث في النص من خلال المصطلحات الحديثة للفكر. 2-النقد البنيوي: كان النقد البنيوي سمة بارزة للنقد الحديث، فكان الناقد يهتم بالجوانب البنيوية للنص، فكان بعض من أولئك الكتاب يقلدون بعض الكتاب العرب، او الكتابات النقدية لكتاب عرب، قبل ان تتمكن السلطة من طمس محاولاتهم في مجال الكتابات البنيوية. 3-كثرت الدراسات النظرية حول المسائل النقدية ونظرتها للنص الادبي فكان معظم الدراسات تأخذ بنظر الاعتبار الابداع الادبي في الشعر والقصة والرواية والنقد. 4-ظهرت ولأول مرة في الادب محاولات إبداعية في التحليل اللغوي للنص الادبي، فكان الحوار حول علاقة اللغة بالنص ودور اللغة الادبية البنيوية في النص الابداعي قد اثر تأثيراً عميقاً على الكتابات الادبية، دون إبراز الكاتب او المحتوى الايديولوجي على حساب النص. 5-أنجزت دراسات قيمة في قراءة النصوص الكلاسيكية للادب الكوردي وخاصة في النصوص الشعرية الكلاسيكية بأسلوب نقدي حديث. 6-أنكر النقد الحديث التأثيرات الايديولوجية في ممارسة النقد، فكان النص محور الحديث ومنار الناقد. وبالرغم من هذه السمات الرئيسة والمهمة للنقد الحديث، من الحق القول أن المرحلتين السابقتين كانتا ضروريتين للكتابة النقدية، لانه وفي تلك المراحل قد انجزت عملية جمع النصوص الكلاسيكية من قبل باحثين كورد، وتفسير معاني هذه النصوص للقراء الكورد وخاصة الشعر الكلاسيكي ومن أبرز من قدموا خدمة جليلة للادب الكلاسيكي هو الاستاذ عبدالكريم المدرس الذي سيبقى اسمه محل احترام الادباء والقراء الكورد بسبب إلمامه واهتمامه اللا محدود بالادب الكلاسيكي الكوردي وفي طبع اعمالهم واساتذة آخرين أمثال محمد ملا كريم، مسعود محمد واخرين.

التآخي