الرئيسية » مقالات » الحرية وبلوغ الكمال 2

الحرية وبلوغ الكمال 2

يقول (ويل ديورانت) إن الشاب الذي ينطلق في مجتمعه بعد سنين طويلة عاشها في كنف أبويه في الوهلة الأولى بالحرية ويغرق في نشوتها حتى يخال له أن باستطاعته أن يسيطرعلى العالم ويعبث به كيفما شاء .

الشاب بطبعه متهوروشجاع ،يحب المغامرات أكثر من الطعام ، إن يحب القيام بأفضل الأعمال وأصعبها وأكبرها ، لأنه يمتلك طاقة كبيرة ويسعى بجدية إلى تحرير هذه الطاقة ، لذا فهو يحب كل عمل جديد محفوف بالمخاطر .
ويقاس المرء بحجم المخاطر التي يقدم عليها . إن الشاب يرضخ مكرها ً للقوانين والأنظمة ، فهو حينما يجد مضطرا ً للصراخ تدعوه القوانين والآداب إلى التزام الهدوء ، وحينما يجد نفسه مندفعا ً للقيام بنشاط ما تدعوه تلك القوانين إلى التعقل وعدم الانفعال ، وعندما يكون غارقا ً في نشوته تدعوه إلى الصحوة وعدم الغفلة.
إن مرحلة الشباب هي مرحلة الفلتان من القيود والحدود ، وشعار هذه المرحلة (الإسراف سر النجاح) فالشاب لا يعرف الكلل أو الملل ، وهو يحيى ليومهِ دون أن يتحسر على أمسه أو يخشى غده إنه يتسلق بروح مرحة ونفس مطمئنة مرتفعا ً تحجب ُ قمته ُ الطرف الآخر من المرتفع عن ناظريه .

الشباب مرحلة المشاعر الحادة والرغبات الجامحة . حيث لا يعكر التكرار الممل واليأس والقنوط صفو الحياة ، وما هو مهم عند الشاب حماسه وندفاعه ، واللذة عند الشاب هي في حرية غرائزه .
ويرى غالبية الناس أن المرحلة الحقيقية للحياة هي مرحلة الشباب ، فهم في سن الأربعين ليسوا سوى ذكرى وخاطرة ورماد لنار كانت متأججة يوما ً ما ، والمؤسف في هذه الحياة أن الإنسان لن يبلغ الحكمة والعقل قبل أن يفقد شبابه (ليت الشباب كان يعلم والشيخ كان يستطيع) .

إن مرحلة الشباب هي مرحلة عدم الاستقرار والتطرف ، والتمرد والعصيان . فالشاب يرغب في تجاهل الحدود والضوابط الاجتماعية وضرب كل الآداب بعرض الحائط والتمتع بالحرية المطلقة إشباعا ً لميوله ورغباته ووصولا ً إلى أهدافهِ الباطنية وأهوائه النفسية ، لأن الحرية القائمة على الضوابط والقوانين الاجتماعية لا تلبي أمانيه ، كما أن إرضاء الميول الغريزية ضمن حدود العقل والمصلحة لا يسره ولا يرضيه.
إن أحاسيس الشاب وعواطفه هي حادة وملتهبة بطبيعتها ، لذا فهو يرى أن الحرية ضمن حدود المصلحة والقوانين الاجتماعية ناقصة وغير وافية لأنها تعجز عن إشباع غرائزه ورغباته الجامحة .

قال امام المتقين عليا ً (ع) إقمعوا هذه النفوس فإنها طلقة ٌإن ْ تطيعوها تنزع بكم إلى شر غايةٍ …

امريكا .ميشغن