الرئيسية » مقالات » نعمتان ابتلي بهما العراقيون ..النفط والثقافة !

نعمتان ابتلي بهما العراقيون ..النفط والثقافة !

أما النفط فله قصه حكيناها نعيد موجزها لمن فاتته :
في (10) أيلول عام (1943) رفع ( هارولد ايكس ) المختص بشؤون البترول تقريرا الى الرئيس الأمريكي ( روزفلت ) جاء فيه : إن الحضارة مرت بأربعة عصور هي : الحجري ، والبرونزي ، والحديدي ، وأخيرا عصر البترول ، وأن أمريكا من دون البترول لا يمكن أن تكون بالشكل الذي هي عليه .
وفي الأربعينات أيضا، وتحديدا عام (1945) قال ( جورج والدن ) رئيس شركة بترول أمريكية كبرى : إن إدارة شؤون البترول تختلف عن إدارة شؤون أية سلعة أخرى ، من حيث أن 90% منها سياسة و 10% منها بترول ! . وأضاف ما صار بعد ذلك نبوءة : اذا كان الأمر يحتم على أمريكا أن تدير شؤون البترول في العالم ، فإن عليها أن تفعل ذلك حتى خارج حدود سيادتها الإقليمية ، وخارج القانون الدولي إن تطلب الأمر .
وكان البترول هو الذي أنطق لسان أمريكا لتقول لحكومة التاج البريطاني قبل نصف قرن : ((كش ملك)) فأزاحتها من هيمنتها على بترول العرب . وفي ذلك قال رجل القرن العشرين البريطاني (( تشرشل )) : (( إنني مضطر الى أن أصارحك القول (يخاطب روزفلت) بأن سياسة الولايات المتحدة بشأن بترول الشرق الأوسط تبدو لنا في مجلس الوزراء البريطاني محاولة لأن ترثوا تركة رجل ما يزال على قيد الحياة !)).
وكانت الخطوة الحاسمة لأمريكا أن قامت بتصفية ثورة مصّدق عام (1953)، فأخذت شمس بريطانيا بالغروب وبدأت شمس أمريكا بالطلوع على بترول الشرق الأوسط . وصار القرن العشرون – كما وصفه بوش الأب – قرنا أمريكيا ، وحّمل ابنه ( أمانة) أن يكون القرن الواحد والعشرون أمريكيا أيضا ، وقد وفّى الابن وكفّى ، وسيحّمل الأمانة لمن بعده في لعبة بريد الى أن يجف البترول في العالم .
ومنطق السياسة الأمريكية يقول ، إن الدولة الأقوى في العالم لا تضمن ديمومة تفردها إلا بضمان ديمومة سيطرتها على البترول . وما دام حكام العرب بين : لاهون وساهون ومقامرون وطائشون ومهوسون بالجنس وملء البطون ، وما دام العراقيون يتذابحون فيما بينهم على السلطة والثروة وخلافات متحجرة في خلايا أدمغتهم من ألف عام ، فلا بأس أن تعيش الدولة الأولى في العالم على بترولهم نصف قرن آخر.
والنفط كان هو السبب المادي في ما أصاب العراقيين من كوارث ومآس . فهو الذي مكّن الحاكم من شن حروب ( مخبولة ) وتشغيل ماكينته العسكرية التي كانت تحرق في اليوم ملايين الدولارات ، وهو الذي مكنّه من ديمومة دكتاتوريته لثلاثة عقود ، وهو الذي أغرى الدول الرأسمالية والتقدمية أيضا”! في أن تمنح الحاكم النفطي ( وليس العراق ) ديونا” بلغت اكثر من مائة وعشرين مليار دولار . وبالنفط أيضا” استطاع الحاكم أن يفسد أخلاق الناس بـ ( مكرماته) ، وبسببه فرض الحصار على الناس فأكلوا خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصير، فيما الحاكم يـأكل لحم الغزلان المطغّم برائحة الهيل ، وبسببه ما يجري الآن من أحداث لا معقولة تدمي القلوب وتذهل العقول ، لشعب مبتلى بمصائب الدنيا والآخرة .
ولهذا تولّد لدى العراقيين كره نفسي لهذه الثروة الضخمة ، فبدل أن تكون نعمة لهم صارت نقمة عليهم بأن تحولت الى بارود احترق فيه الأحبة والوطن ، واسودّ بدخانه مستقبل جيلين أو اكثر . ولهذا تجد كثيرا” من العراقيين يتمنون لو انهم يستيقظون ذات صباح على خبر يقول لهم : ( أن كل ما في العراق من نفط قد تّسرب الى مكان آخر ) ، وأظنهم سيهنئ بعضهم بعضا ، وإن بألم ، لأنهم يرون بذهابه أن المحتل سيذهب أيضا”، وسيغلق باب الشر المفتوح على العراق .
وأما الثقافة فاعتقد أنني على صواب إذا قلت انه لا يوجد وطن في الأرض فيه من التنوع الثقافي والمنتج الإبداعي والثراء الفكري والسبق التاريخي مثل ما في الرقعة المعمورة في العراق . يكفي أن نلمّح بإشارات إلى أن أرقى الثقافات البشرية ما تزال فيها الآن نكهة من ثقافة العراق .. البلد الوحيد في زمانه الذي تنوعت فيه الحضارات : السومرية ، الأكدية ، الآشورية ، البابلية …، والأديان : اليهودية ، المسيحية ، الديانات الفارسية ..والإسلام ، والأعراق : عرب ، روم ، فرس ، إغريق ، مغول ، أتراك…
وفي تاريخه الإسلامي ظهرت أعظم مدرستين واكثرهما تأثيرا” في تاريخ ثقافة العرب والمسلمين ، هما مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة ، ففيهما نشأت تيارات فكرية ومذهبية وفقهية .. ومسائل خلافية لا حصر لها، منها مثلا” أن أهل البصرة اعتمدوا منطق العدل
( القياس ) وليس السلف فيما عارض أهل الكوفة وجعلوا الرواية عن ( السلف ) هي الحكم وليس العقلانية التي اعتمدها البصريون. وفي البصرة ذاتها ظهر التضاد الفكري بين المعتزلة والخوارج في مسألة الذنوب الكبيرة ، وفيها ظهر ” العلاف ” شيخ المعتزلة وتلميذه ” النظام ” الذي تفوق على أستاذه والحسن البصري وواصل ابن عطاء الذي اعتزل عن شيخه البصري ، والأصمعي وابن سيرين والجاحظ ورابعة العدويه .. وقائمة طويلة من رجال الفكر والثقافة . وما يعنينا هنا أن أهم المسائل التي كان الجدل يدور حولها هي ( حرية الإرادة ومسؤولية الإنسان عن فعله ) لأنها كانت تعزف على وتر سياسي وأخلاقي يربط علاقة السلطة بالفرد ومفهوم ( العدل ) عند كليهما .
وكانت البصرة أول مدينة عراقية تظهر فيها الأحزاب بعد معركة ” الجمل ” التي نجمت عنها مشكلات فكرية كبيرة كانت في النهاية تحدد الموقف الأخلاقي والسلوكي للفرد من السلطة : هل يكون مع حزب ” العثمانية ” الذي تقوده عائشة أم مع أنصار علي الذين منهم نشأ حزب ” الشيعة ” أم يكون على الحياد ؟
وليت الناس اصطفوا على هذه المواقف الثلاثة فليس في الأمر مشكلة كبيرة لكنهم تفرقوا بشكل عجيب ، فالشيعة توزعوا فيما بعد على أكثر من سبعين فرقة ، ومن المحايدين نشأ ” الخوارج ” الذين تفرقوا في أحزاب فرعية بلغت العشرين يتوزعون ـ بالمصطلحات الحديثة ـ بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.
ومدرسة الكوفة معروفة بأعلامها من المفكرين والمثقفين ، يكفي أن نقول عنها أنها اختارها علي ابن أبى طالب لتكون مقرا له ، ثم كانت مقر الخليقة العباسي المنصور إلى أن ثارت عليه ” الراوندية ” فغادرها إلى حيث اختار بغداد ليتخذها عاصمة لملكه .
وكانت بغداد عاصمة الدنيا في الثقافة وأكبرها حجما من حيث عدد سكانها الذي زاد على المليونين فيما كانت لندن وباريس مدينتين صغيرتين ولم تكن واشنطن حينها موجودة على الأرض . ومنذ تأسيس بيت الحكمة فيها (832 م) دخل تيار فكري جديد على التيارات الفكرية العربية والإسلامية تمثل بالثقافة اليونانية ، أسهمت في أن تجعل الإنسان يعيد التفكير في قضايا كثيرة في مقدمتها علاقته بالسلطة ، وتنوعت الثقافات والمواقف الفكرية في العراق بين محافظة ومعتدلة ومتطرفة والحادية.
ما يعنينا هنا هو استنتاج الآتي :
إن التنوع الثقافي في العراق ، بعد أن تحول الى تعدد ثقافي ودخول السلطة طرفا فيه ، كان أحد الأسباب الرئيسة في إشاعة العنف بين العراقيين على مدى أكثر من ألف عام ، وان أسلوب العنف وليس الحوار هو الذي ترسّب في اللاشعور الجمعي لديهم في المسائل الفكرية الخلافية ، التي هي في محصلتها الأخيرة تتعلق بالسلطة . وأنه لم يصاحب هذه الثقافة الواسعة والمتنوعة والثرية في الاختصاصات الإنسانية ثقافة توازيها في الاختصاصات العلمية تعقلن الغلو في الرأي وتوجه الاهتمام نحو الواقع ومعالجة مشكلاته بمنهجية العلم ، فنجم عن عدم التوازن بين الثقافتين انشغال الناس بثقافة الاختلاف ، التي انشغل بها حتى باعة الخبز كما يذكر الجاحظ ، وإشغال السلطة لهم بها لتلهيهم عن التفكير بتغيير واقعهم . وأنه بفعل ذلك كان العراقي يميل الى التمرد على السلطة حتى لو كانت عادلة .
وليس عندي أرقام إحصائية أو دراسات ميدانية تدعم قولنا أن مستوى الثقافة وتنوعها عند العراقيين أعلى وأغزر بالموازنة مع شعوب المنطقة . إلا أن الثابت أن العراق هو موطن الشعر والفقه والفلسفة والأسطورة والفن والثقافة العامة . فبعد سقوط النظام- كشاهد – في التاسع من نيسان 2003 ظهرت في الساحة الثقافية أكثر من 170 صحيفة ( في كردستان العراق فقط يوجد حاليا” واحد وأربعين إذاعة وواحد وأربعين محطة تلفازيه وأكثر من مائة صحيفة ). وظهر في الساحة السياسية أكثر من مائة حزب وتنظيم سياسي وأكثر من ألف وخمسمائة منظمة غير حكومية ، والمتصفح للمواقع الإلكترونية – التي صارت مقروءة أكثر من الصحف الورقية – يجد أن أغلب هذه المواقع العربية يديرها أو يكتب فيها مثقفون عراقيون ، وان المثقفين العراقيين في الشتات ( أكاديميون ، شعراء ، مسرحيون ، مفكرون ، تشكيليون …) لهم حضور في معظم دول العالم . ولك أن تأخذ أية مدينة عراقية ستجدها في الثقافة كما لو كانت بستانا عامرا بما لذّ وطاب : الموصل ،الحلّة ، السليمانية … فالناصرية – كمثال – أنتجت قادة سياسيين شيوعيين وبعثيين وقوميين ورجال دين وعلمانيين وشعراء وفنانين ومطربين ( أول ثلاثة مطربين غنوا في الإذاعة العراقية لدى تأسيسها عام 1936 هم : حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم ، وثلاثتهم من الناصرية) . حتى مدنه الصغيرة ، عانه مثلا .. أنتجت أكاديميين مميزين وسياسيين مميزين ، عامر عبد الله مثلا” ، أو هيت التي أنتجت الفيلسوف الحاد الذهن ( مدني صالح ) الذي لو كان في بلد آخر لعملوا له تمثالا” بوسط عاصمتهم ومكتبة لمؤلفاته الأصيلة . فالعراق وطن منتج للمبدعين والمثقفين ينجبهم في أوقات فرحه واستقراره وفي أزمنة مصائبه وفواجعه وإرعاب السلطة لعقول رعيتها !.والعجيب أنه لا يتوقف عن إنجابهم حتى في محنته اليوم التي لا يحتويها وصف ولا يستوعبها خيال ، حتى لتحسب أن الإبداع وتنوعه في أهله ظاهرة طبيعية كالرطب وتنوع أصنافه في نخيله !.
وتسألون ما اذا كان الخلل في النعمتين ، النفط والثقافة أم في أهلهما ، فأقول : لا في هاتين ولا في هؤلاء . فبخمس ما تنتجه البصرة من نفط بنت دولة الإمارات العربية نفسها ( قال لي ابني المهندس في الإمارات أن 17% من كرينات العالم موجودة الآن في دبي وحدها ! برغم تقدمها العمراني) . وليس الخلل في العراقيين كما رأى علي الوردي الذي صرف الانتباه عن السلطة وعزا تخلف المجتمع العراقي إلى ازدواجية الشخصية العراقي ، إنما الخلل في السلطة (راجع مقالنا : نظرية الوردي لم تعد صالحة ). فمن ألف وأربعمائة عام تعاقبت على حكم العراق سلطات ظالمة كانت ، مع تفاوتها في قساوة ظلمها وفي إسرافها بإنفاق المال العام في الترف السفيه وترك الناس جياع ، تشترك جميعها” في أنها وظفّت الثقافة لخدمتها واستخدمت السيف لا الحوار وسيلة للتعامل مع من يحتج على ظلمها. فالعرب في السلطة كانوا أشرّ أمّة وليس أخيرها بدليل أن القائمين على أمر الرعية فيها كانت في قصورهم خزائن يحفظون بها رؤوس من يحتج على ظلمهم وترفهم السفيه حتى لو كانت تلك الرؤوس لأرفع من في الأمة علما وثقافة وخلقا و..إسلاما !.(كان قطع الرؤوس عملا عاديا عند العرب ، فقد بعث النبي محمد عبد الله بن أنس ليقتل سفيان بن خالد الهذلي من بني لحيان فخرج إليه وقتله غدرا ، وقدم المدينة على النبي برأسه . أنظر : كتاب الشخصية المحمدية لمعروف الرصافي ، ص 308 ).
والأمر المحيّر الذي يحتاج الى دراسات معمّقة ( تركّز في المسكوت عنه والملغوز في التاريخ ) أن العراق في عصوره الذهبية لم يشهد اقتتالا طائفيا وأنه كان لآلاف السنين موطنا لحضارات وثقافات وأجناس وأديان متنوعة ، وأن من شأن هذا التنوع تعميق الشعور في الانتماء للوطن أكثر منه الانتماء الى قومية أو طائفة أو مذهب أو دين ، وهذا ما تجسّد في العراقي قبل أربعة آلاف سنة ، فالعراقي البابلي كان في تعامله مع الذين يختلف معهم يتصرف بسلوك مهذّب أرقى بكثير من العراقي البغدادي في قرنه الواحد والعشرين !.
وليت هذا يكون مشروعا لندوة ثقافية تهدف الى أن تعقلن السلطة والناس في أن يجعلوا ( الثروة – النفط ) و ( العقل – الثقافة ) نعمتين عليهم لا نقمتين .