الرئيسية » مقالات » هل سيتحوَّل البرلمان العراقي الى حسينية !؟

هل سيتحوَّل البرلمان العراقي الى حسينية !؟

أجدني مضطرّاً في أحايين عديدة الى تكرار أني من حيث المولد شيعيٌّ قُحٌّ لأنًّ أصابع الإتهام بكونك موالياً للسنَّةِ ! كانت منذ ستِّ سنواتٍ وما زالت تترى ضدَّ أيِّ قلمٍ شيعيٍّ حُرٍّ
ولكنَّ شيعيَّتي أستطيع أن أطلق عليها شيعية ( معاصرة ) أي إبنة عصرها إنطلاقاً من أنَّ لا شيءَ ثابتٌ وحتى أفكاري هنا والتي أعتقد بصِحَّتها قد لا تصلح في المستقبل القريب فيتمُّ تخطِّيها لصالح أفكارٍ أكثر ملائمةً لحالة ذلك العصر وهكذا أمَّا اذا كنتَ تدير إسطوانة واحدة منذ أكثر من الف عامٍ بينما العالم لم يعُدْ يتعامل مع الإسطوانات حيث وضَعَها في المتحف ودخلتْ أقراص السي دي وغيرها وتسمّي ذلك إيماناً فوالله هذا أمرٌ لا يرضى عنه الحسين بن علي ولا العشرة المُبَشَّرة !
إذاً أيٌّ منّا المؤمن الصحيح ؟ انا الذي ينزف قلبي وقلمي حرصاً على الدين المُتحضِّر الناصع ام ذلك الذي يأبى الى الآن أن يستخدم في حديثهِ مفردة ( ثقافة ) او ( ديمقراطية ) ويعتبرها استيراداً غربياً ؟
يقول أدونيس ما معناه ( إنزعْ من العرب كلَّ ما هو غربيٌّ فماذا يتبقّى منهم ؟ لا يتبقّى شيءٌ منهم ما عدا الجَّمَل والصحراء ) هذا هو العقل الصحيح , إذاً فلماذا المكابرة ؟ وأدونيس شيعيٌّ بالمناسبة ولكنهُ أكبر من هذه التفاصيل . لماذا المكابرة ؟ هل تعرفون سادتي أنَّ المكابرة كفرٌ شَرعاً ؟ ام إنني بحاجةٍ الى أن أفتحَ معكم كُتَبَ الفقه الإسلامي لأثْبتَ لكم ذلك ؟
ثُمَّ هل إنَّ الدِّين تحزُّباتٌ ام خدمةُ الناس ؟ وما هي الخدمة ؟
إنَّ أفضلَ خدمةٍ تقدِّمُها للناس هي إعلاء قيَم التربية والمحبّة وتركُ السياسة بكلِّ تعقيداتها ومناوراتها لأهلها .
إنَّ من المواد التي تُلقِّنُها الحوزةُ او تجيزها وإنْ في إطارٍ لا يخرج عن ( الثوابت ) هو المنطق .
أيُعقلُ أنْ يكون هناك منطقان ؟ اذا كان لدينا منطقان فهذا يعني أننا نعيش انفصاماً .
الواقع أننا نعيش انفصاماً بالفعل فنحنُ نعيشُ عصرَنا جسديّاً فقط أمّا عقولنا فمُمَرَّغةٌ حتى القاع برمال الصحراء وأطلال قريش , ووليُّ أمرنا ما هو إلاّ حادي عيسٍ فَحَسْب
وهذه وثنيةٌ ما بعدَها وثنيةٌ لأنَّها تُؤَلِّهُ الباطلَ وتَدَّعي أنهُ الحق .
كانت هناك محاضرةٌ للسيد ضياء الشكرجي قبل شهور هنا في مدينة كولونيا تكلَّم فيها عن كثيرٍ من الأمور بوضوحٍ وصراحةٍ وبيَّنَ أسبابَ انفصالهِ عن حزب الدعوة وقضايا سواها وقد أعطيتُهُ الحقَّ علماً أنني أعرف حزب الدعوة منذ عام 1984 حينما كُنّا لاجئين في طهران وأعرف مَدى تزمُّتِ الكثير من مُنتسبيهِ , هذا التزمُّت المقرون بالجهل .
لقد سألَ انسانٌ بسيطٌ , وكان خائفاً شاكّاً , سؤالاً منطقياً : اذا كان كلُّ ما نؤمنُ به صحيحاً فلماذا تخلَّفنا وتقدَّمَ الغرب ؟
فأتاهُ جوابٌ دَعْوَوِي ( من دعوة ) ( العلَّة ليستْ في ديننا فدينُنا يدعو الى التقدُّم والعلم ولكنَّا تخلَّفْنا لأننا تخَلَّينا عن ديننا ) !
هل يصمدُ هذا القول الطوباوي اللامسؤول أمام الحقيقة الصارخة التي تقول إنَّ الدِّين , أيَّ دينٍ لا يمكن له أنْ يقود سياسةَ دولةٍ حديثة ؟ وما للدين وألاعيبَ السياسة التي تتطلَّب أوَّل ما تتطلَّب المُكر ؟ وكيف يتصرَّف رجل الدين مع العقيدة العالمية ( الغاية تبرِّر الوسيلة ) ؟ ألا تكفي إيران مثالاً ؟ فهي من أُولى البلدان المنبوذة في العالم مع أنَّ إيران لو توفَّر فيها نظامٌ ديمقراطيٌّ لكانت جنةً على الأرض ولكنَّ الملالي قد حوَّلوها الى جحيمٍ حيث كان مثلاً عشراتُ آلاف اللاجئين العراقيين لا يحلمون فيها إلاّ بجواز سفرٍ ليهربوا منها ؟ فَنِعْمَ الضيافة الشيعية الإسلامية !
لم يكن المستفيد من النظام الإيراني المتخلِّف إلاِّ منتسبي حزب الدعوة والمجلس الأعلى ومنظمة العمل الإسلامي من العراقيين .
إنَّ قيادة الدولة الحديثة سياسياً يجب أن تُترك للسياسي المثقف الذكي المرن ابن عصره فهو الذي بيده الدفَّة لقيادة سفينة النجاة أمّا الدين فهو لله وللمجتمع ويتمُّ تعميم مبادئهِ السمحاء بالإقناع والمحبة , هكذا تفعل الشعوب الحريصة وفعَلَتْ .
إنَّ أهمَّ ما يجب إعادة الإعتبار اليه في الدين هو ما اصطُلِحَ عليه بالناسخ والمنسوخ وجعلهُ مبدأً وهذا يتطلَّبُ رجلَ دينٍ متنوِّراً قوي الشخصية محبوباً من الناس , ودون شكٍّ سيجازيه الناس على الأرض بالتكريم والخلود ويُجازيه الخالق كذلك بألف خيرٍ
ويصدق هذا الأمر بالطبع على الطائفة السُنيّة فهي أحوَج ما تكون الى قياديٍّ متنوِّر وكم تمنَّيتُ لو أنَّ السيد المالكي رئيس الوزراء يضطلع بهذا الأمر كذلك من خلال تخصيص كلمةٍ مُتلفزةٍ ولو مرةً في الشهر للمساهمة في ترسيخ قيَم المساواة ونبذ الطائفية التي لم تكن معروفةً في العراق , كلمةٍ مُتلفزةٍ تنقلها باقي الفضائيات فإنهُ لأمرٌ لا يمكن تصديقُهُ أنْ لا تزال في بلادنا هذه العقلية البغيضة التي اسمها الطائفيات ولدينا هذا الكم الكبير من المثقفين وهذا ما يجعلني أفكر بأننا اذا لم نستطع حلَّ هذا الإشكال الطائفي فماذا سنفعل مع ترسيخ مبادىء التسامح الديني مع المسيحي والأيزيدي وغيرهما والتسامح القومي أيضاً .
إذا بقيتْ هذه التجاذبات والتنافرات , هذه الهزليات فلا عجبَ أنْ يتحوَّلَ برلمانُنا الى طوفانٍ من العمائم الشيعية , تبرق وترعدُ فوقهُ سُحُبٌ تكفيريةٌ سُنيِّةٌ كثيفة وحينذاك ستبحث سفينةُ نوح نفسها عن منقذٍ لها !
بل ستصبح هي وطننا الصغير الطافي أبداً على الغمر !!

******************************************
أيلول – 2007 – كولونيا