الرئيسية » الملف الشهري » يوتوبيا الحكمة في شعر محمد البدري

يوتوبيا الحكمة في شعر محمد البدري

محمد البدري شاعر كوردي من مواليد بدرة عام1937 واليها نسب فلقب بالبدري شغل الساحة الادبية والثقافية ومن نشاطه الثقافي والوظيفي رئيس تحرير مجلة الاديب الكوردي (نووسه ري كورد) والنائب الاول للامين العام لاتحاد الادباء في العراق الى 1980.. الخ. يقول حسب الله يحيى عن محمد البدري (اطيب من الطيب واعذب من نبع في قلب كوردستان واحلى من الشهيد واعطر من نرجسة تتفتح من جوف صخرة جبلية (جريدة، 1 آب، ع:2، اوائل تشرين الاول، 2006) وللبدري شعر رائع فيه محاورة للذات ومع الاخر كشعر المناظرات السومرية (وهذا الضرب من الشعر يمتد بجذوره الى ادب وادي الرافدين فقد سعى العراقيون القدماء والباحثون المحدثون الى الخوض في تفاصيل هذا الضرب مسهمين بعطاءات متنوعة نظراً لاهميته المتميزة كونه يعكس المفاهيم والمعتقدات الفكرية والروحية للعراقيين القدماء الذين تركوا لنا تراثاً ضخماً من المدونات تسرد آراءهم بخصوص مجمل القضايا التي شغلت بالهم عبر مسيرة تاريخية طويلة) (ادب الحكمة في وادي الرافدين، الدكتور صلاح الجبوري، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 2000 ص:61) ومن امثلة هذا الادب مناظرة الغلة والماشية ومناظرة الصيف والشتاء ومناظرة الراعي والفلاح وهو خير من يمثل صور هذا الادب الرافديني، (م.ن،ص:128) ويعد هذا الشعر ايضاً بداية لادب الحكمة عند العرب الذي تبلور على يدي زهير بن ابي سلمى وابي تمام وابي الطيب المتنبي وابي العتاهية وغيرهم.
ولعل عدم قدرة الشاعر على المواءمة بين النسيج اللفظي والمضمون من اكثر ما يعترض هذا الشعر ويصيب قائله بالاحباط، وحين يستطيع الشاعر ان يوفق بين اللفظ والمضمون ينتج ادباً رائعاً كالشاعر محمد البدري.
يقصد بـ(يوتوبيا الحكمة) في شعر محمد البدري تلك الحكمة الشاعرية التي انتجها عقل محمد البدري وكانت ذات صلة بالمناظرات السومرية التي تطورت فيما بعد الى ادب الحكمة (وان اكثر اصناف ادب الحكمة شيوعاً هي الامثال، وهناك نصوص ذات مضامين تشبه الامثال في الروح، لكنها تتميز عنها بالشكل وهو ما يسمى النصائح والحكم، وهي سلسلة من الجمل البليغة تحمل النصح والارشاد حول السلوك والاخلاق (ادب الحكمة، م.ث.ص:71) ومن بواعث هذا الشعر البيئة اذ ان للبيئة اثراً في التكوين الفكري للشاعر ومحمد البدري شاعر مرتبط فكراً وعاطفة بمحيطه الجغرافي كوردستان ذات الطبيعة الخلابة والينابيع المتفجرة ماء زلالاً وذات الاشجار المنتصبة التي تموت وهي واقفة، وبيئة كهذه حين تعتمل في عقل الشاعر تتوقد حكمة وامثالاً شاعرية لان التأمل والتفكير من صفات هذه البيئة.
يقول محمد البدري:
قالوا
لم تبدو الانهار عكرة كئيبة وهي تنحدر جنوباً
ولماذا اراها محطمة الانفاس متألمة
قلت
لانها تغادر الينابيع واشجار الجوز.
وهي ترتدي ثياب الحداد (ديوان شذرات جبلية متوهجة من منشورات اتحاد الكتاب العرب،1998، ص:18). ونلاحظ في شعره القدرة على توجيه ضربة مباشرة في نهاية القصيدة تشبه ضربة (بو) في قصصه، وتأتي هذه الضربة المفاجئة نتيجة لمقدمات قبلية ذات واقع بعدي باسلوب شعري خيالي او واقعي يكثف فيه الشاعر شعره ويضغطه خوف الترهل فالحكمة والامثال لا يشترط فيهما القصر فقد تكون الحكمة طويلة وقد تكون الامثال طويلة ايضاً، كما يرى الباحثون ومحمد البدري ينقب عن هذه الحكمة خلف متاريس المعنى باسلوب (اليوتوبيا):
اذكر وانا في الثامنة او التاسعة من عمري
حين كنت اخرب اعشاش الطيور
واعود الى نفسي مزهواً مفتخراً
كان ابي يقول:
ان من.. مخرب عش طائر
او يهدم مأوى حيوان
يلعنه الله ويبليه بالجرب
والخراب ويدمر هيبته
فلماذا ياترى نرى الله ساكتاً (ديوان شذرات جبلية متوهجة م،ن،ص:21).
وحين ينقب القارئ او الناقد عن جمالية هذا الاسلوب عند محمد البدري فانه يراه ككل وليس كجزء هذا اذا عرفنا ان تعريف الجمال غير متفق عليه، فقد يكون ايضاً في المضمون الفاضل يقول الشاعر في قصيدة (برقية قصيرة جداً):
الشلالات هي الاخرى مهمومة مثلي
الا تراها كيف تضرب رؤوسها
بالاحجار والاشجار عند تساقطها
وكيف تصرخ؟!
الثلوج مثلي تثور بسرعة وتهيج الا تراها كيف تنهمر من الذرى
اما انا فمازلت اترقب هذا الكون
ليهدهدني بنسمات آمالي
ذات يوم (ديوان شذرات جبلية، م،ن،ص:18). لقد ابتعد محمد البدري الشاعر الذي نظم شعره بالاسلوب العروضي المتوارث عن دائرة القديم لكنه لم ينسلخ عنه، ووقع في دائرة الحداثة ويأتي شعره بقصيدة النثر وبالنثر الشعري محطماً الوزن والقافية وهذه طبيعة قصيدة النثر الشعري او قصيدة النثر.
تقول سوزان بيرنار (قد يبدو باطلاً تماماً ان نتحدث عن (جمالية) نوع يرفض كل تحديد (مسبق) ويمقت اكثر ما يمقت ويصنف ويخضع لمعايير جمالية، فهو نوع متحرك هيولي، غير تطور نام معناه وبنيته تغييراً عميقاً (قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا، دار المأمون، بغداد، 1993،ص:130).
لذلك تأتي القصيدة عند محمد البدري كقطعة واحدة لا تلتزم بالاوزان المتوارثة وانما يشعر القارئ بايقاعها الصوتي ككل من خلال معان والفاظ شاعرية خلابة (ان القصيدة القصيرة، كيان قائم بذاته، مستقبل متكامل بينما المقطع في القصيدة المقطعية مفردة في جملة عضو في كيان متعدد الاجزاء يرتبط ويشترك مع المقاطع الاخرى بالفكرة وبالاطار الفني (مقالات في الشعر الكوردي المعاصر، جمال خضير الجنابي، ح:2003،1،ص:116).
اما التكرار في شعر محمد البدري فانه تكرار متجمع ومتنوع وهو عنده وسيلة لتوصيل القصيدة للقارئ اذ يجعل من مقاطع قصائده محطات راحة للقارئ او الناقد للوصول الى النهاية بضربة مفاجئة ومما يخفف من التكرار عند البدري عدم مساواة المقاطع الشعرية وهي (خطوة حاسمة حينما الغيت مساواة المقاطع اللفظية مع الابيات الشعرية وحينما تزامنت نهاية البيت الشعري مع توقف في المعنى وليس مع المقطع الثامن او الثاني عشر. وهكذا اصبح الشعر وحده شكلياً ومنطقياً معاً لم تعد العددية المقطعية تتدخل فيها) (قصيدة النثر، م.ن،ص:134) ومحمد البدري على الرغم من كونه شاعراً نظم الشعر العمودي الا ان الفاظه في ديوانه شذرات جبلية متوهجة تكاد تخلو من الاصطناع الاسلوبي فهو لايستخدم المحسنات البديعية وانما يعتمد مضمونه على المعنى بشكل حلولي، ليس بالمعنى الصوفي ـ ولكن الفلسفي، بين الشاعر والطبيعة بشكل اوضح تتداخل في قصائده حب الارض والسماء بين الاشجار والشلالات وبين الثلوج والمطر.
يقول محمد البدري:
رجل عجوز حاول تقطيع شجرة صاحت به.. اتركني يا سيدي..
انا في الاقل سأمنح ظلي..
لفقير معدم او عابر سبيل
ذات يوم..
او اكون عشاً وملاذاً لطائر متشرد..
اليس ذلك افضل من ان تصير في نار موقد لواحد من الطغاة
او تجعلني كرسياً او عصاً لواحد من جلاوزة التعذيب (ديوان شذرات جبلية متوهجة، م.ن،ص:8).
ولعل من نافلة القول ان محمد البدري استطاع ان يطوع الفكرة للخيال والعاطفة على الرغم من عنادها سواء اكانت من ميدان العامل الاجتماعي ام السياسي ام الاقتصادي ام الثقافي بشكل يتسامى عن قوقعة الذات ويذوب في حب الوطن والانسان.
تأثيرات ادب الحكمة الرافديني في شعر محمد البدري:
مناظرة النخلة وشجرة الأثل
تعد واحدة من المناظرات الطريفة، دونت هذه المناظر باللغة البابلية مستهلها مقدمة اسطورية قصيرة تشير لماضي الزمان عندما اقيمت الملكوية على الارض.. وللايضاح نجتزىء بعضاً مما قالته النخلة ـ الشجرة الاثل متفاخرة باعتزاز:
ـ ياشجرة الاثل انت من الاشجار التي لا نفع فيها
ـ ما فائدة اغصانك ـ انت خشب لا يثمر
ـ خشبك في يد الجزار بين الفضلات والدم ـ وها هو البستاني يجزل الثناء علي
ـ ثماري تجعل الطفل ينمو
ـ البنت اليتيمة، الارملة، الرجل الفقير
ـ يأكلون بلا حدود من ثمري الحلو
اما جواب شجرة الأثل:
ـ تأملي في اثاث القصر الملكي
ـ كل شيء اخذ مني، وقدم الى القصر الملكي
ـ الملك يتناول طعامه من على منضدتي
ـ الملكة تشرب من الكأس المصنوعة من خشبي (ادب الحكمة في وادي الرافدين، م،ن،ص:156).
ويقول محمد البدري في قصيدة الحطاب:
قصد حطاب غابة بغية قطع الاشجار
وما ان خاض غمار القطع بفأسه
حتى اجهشت شجرة طرية الاغصان
بالبكاء.
صاح بها الحطاب:
ما جدواك ان لم تكوني مصدر دفء..
لخربة من خرائب الفقراء؟!
اجابت الشجرة كلا… ليس هكذا
انما اخشى ان تجعل من اغصاني
الطرية عصيات للجلاوزة والطغاة (ديوان شذرات جبلية متوجهة م،ن،ص:15)
ويقول محمد البدري في قصيدة خيانة:
ارادت الفأس ان تقطع شجرة
شنت هجوماً ضارياً عليها حتى ادمتها…
عندما امطرت الفأس
بسيل من الشتائم
بحيث اهتزت بسببها كل معاجم الكون…
وصاحت الشجرة ايتها الناكرة للجميل
الممتلئة بالحقد
هل كنت صاحبة هذه الشجاعة
ان لم يكن مقبضك جزءاً من هذا الجسد الجريح (الديوان م،ن،ص:16)
ان تأثيرات ادب الحكمة في بلاد الرافدين على شعر محمد البدري يتعدى التشابه الجزئي لهذا التأثير الى طريقة صياغة القصيدة حيث نجد نصوصاً قديمة من ادب وادي الرافدين تنتهي بضربة مفاجئة في نهاياتها.
ففي بعض نصوص وصايا الحكمة تماسك ملحوظ في انماط عملية الحياة اليومية وارتباطها بالالتزامات الاجتماعية والدينية:
ـ تحكم بفمك واحترس من كلامك
ـ فهنا تكمن ثروة الرجل، تذكر، ان شفتيك ثمينتان حقاً ـ اطع كلام امك كأنه امر الهي
ـ ان الذي يأخذ امرأة شخص اخر هو مذنب كبير
ـ الذي يقسم يميناً كاذباً هو منافق..
ـ اذا لم يعبأ الملك واقامة العدل، فستعم الفوضى شعبه وتخرب بلاده (ادب الحكمة، م،ن،ص:74).
هذه المقدمات القبلية لواقع بعدي نجدها كثيرة في شعر محمد البدري كما اشير اليها سابقاً.
ان محمد البدري بحكم ثقافته المعاصرة او القديمة يقترب شعره بالضرورة من ادب الحكمة في بلاد الرافدين. وان كان هذا التشابه من طرف غفي غير بارز للعيان فالشاعر محمد البدري يقيم مناظرة بين الاشياء تقترب من ادب الحكمة في بلاد الرافدين وتكون على شكل محاورة فيها نتائج بعدية لواقع قبلي فالمحاورة او المناظرة تكون على شكل حوار داخلي صامت او حوار خارجي سواء اكان هذا الحوار ثنائياً ام عاماً وتنتهي قصائده بضربة مفاجئة في احيان كثيرة مما يدلل على قدرة عقل محمد البدري وعاطفته على صياغة الشعر بدقة واتقان اذ يتضافر فيه الخيال والعاطفة والفكرة على اخراج قصائده الرائعة باسلوب فني جميل.
لاحظ الضربة المفاجئة في هذا الشعر الرافديني وقارنها بالضربات المفاجئة عند محمد البدري في نهايات قصائده:
يا سيدة النواميس الالهية كلها، النور الساطع،
ـ المرأة واهبة الحياة التي تكتسي بالاجلال، محبوبة السماء والارض.
كاهنة الاله آنو، ذات الحلي العظيمة
ـ انت التي رفعت النواميس الالهية وانت علقت النواميس الالهية في يدك.
ـ لقد ملأت البلاد بالسم الزعاف كالتنين ـ وانت عندما تزأرين على الارض يختفي كل ذي خضرة من سطحها.
ولاحظ الضربة المفاجئة في هذه القصيدة الرافدينية:
ـ كانوا يأكلون النبات بافواههم كالاغنام
ـ ويشربون الماء من الجداول
ـ ومن حظائرهما الطاهرة شرب الأنوناكي لبن (شم) الطيب
ـ فمن اجل حظائرهما الطاهرة الطيبة
ـ اعطى الانسان نفس (الحياة) (ادب الحكمة،م،ن،ص:121) وهناك قصائد كثيرة في الادب الرافديني تعتمد صيغة السؤال والجواب وهو ما نجده في شعر محمد البدري انظر قصيدة القاضي والمشنقة، ص:119 وقصيدة تساؤلات،ص:17. من ديوان شذرات جبلية متوهجة.

التآخي