الرئيسية » مقالات » لغة البطون ولغة العيون

لغة البطون ولغة العيون

كما للعيون لغتها التي أبتكرها العشاق،وصورها الشعراء،وتغنى بها المتيمون،”وتكلمت لغة العيون وصافحت عيناي في دنيا الهوى عيناك” كذلك للبطون لغتها التي يفهمها من هام بالطعام كما يهيم العاشق بعشيقته،ولها حضورها في كل زمان ومكان،وأخذت من تفكير الإنسان مديات شتى،والفت عنها الكتب ،وأنشأت لها الموسوعات،وجاءت في الأمثال الشعبية معبرة عن طبائع الإنسان في شهوة الطعام وتأثيره على تفكيره،فقالوا ويا لصدق ما قالوا”عند البطون تعمى العيون”و”أطعم البطن تستحي العين”وفيها الكثير من المعاني التي يستطيع استخلاصها الإنسان،فهو يعني فيما يعني أن إشباع البطن يجعل الإنسان يتجاوز الكثير،ويغض النظر عن التجاوزات،ويجانب الحقيقة،ويبرر الخطأ مقابل مأدبة فاخرة،تنسيه المبادئ والقيم والقوانين،ويبدوا أن الساسة العراقيين أجادوا لغة البطون،أكثر من أجادتهم للغة السياسة، ولا يستطيعون التفاهم وحل المشاكل إلا على موائد الطعام،التي تحوي ما لذ وطاب من طعام وشراب،ف “العزايم” تشد” العزائم” لذلك تكثر المآدب الباذخة لقادة العراق الجديد،وهم لا يستطيعون التفكير والحديث في السياسة دون أن يملئوا أجوافهم بالطعام،ولا يلتئم شملهم إلا إذا جمعهم الزاد،حتى قيل والعهدة على من قال أن ميزانية الطعام لرئاسة الوزراء تزيد على المليار شهريا، وربما ميزانية السيد رئيس الجمهورية أكثر ضخامة، لما يدل عليه جسمه البدين من اهتمام بالطعام،والكثير من قادتنا العظام والحمد لله يتميزون بالرشاقة المفرطة بسبب ما يعانوه من سوء التغذية،وتأسيهم بأبناء شعبهم في تناول الزهيد من الزاد،وقوامهم أكثر ليونة من غصن ألبان حتى بتنا نخاف عليهم من الانصهار،ويأتدمون بالخبز والملح تأسيا بالسلف الصالح الذي يسيرون على نهجه ويهتدون بهدية، وربما عناهم أمام الزاهدين علي أبن أبي طالب بقوله”شيعتي خمص البطون عمش العيون” في الوقت الذي يتميز مدعي تشيعه بالكروش الكبيرة وتخمة الطعام.
وآخر المآدب التي سمعنا عنها في وسائل الأعلام،مأدبة الرئيس طالباني للدكتور أياد علاوي،الذي يبدوا أنه وجد الطريقة المناسبة لإقناعه عن طرق بطنه،ولإجادة سيادته لغة البطون،تراه لا يكلم الناس إلا من خلال بطونهم،وهذا ابتكار عراقي في عالم السياسة،يتلاءم وتسميته بالعراق الجديد،فالجدة يجب أن تكون في كل شيء،حتى في التعامل بلغة السياسة البطنية التي يبدوا أنها أثبتت جدواها هذه الأيام،وانتشارها على جميع المستويات الرسمية وغير الرسمية،وكم كنت أتمنى لو أولم السادة المسئولين الولائم الرمضانية لفقراء الشعب العراقي الذين يفطرون في رمضان الكريم،بأطعمة أقل ما يقال فيها أنها لا توفر الحد الأدنى للعيش الكريم،ولعل الوجبات الحكومية الدسمة تنسيهم مرارة الجوع،وأمراض فقر الدم،أو يتبرع القادة بأثمان هذه المآدب لمن لا يجدون أدام في رمضان،أو للعوائل المهجرة التي هجرت بسبب السياسات الخاطئة للقادة السياسيين، بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل جنوني لإقبال الناس على شراء البضائع على عادتهم في هذا الشهر الفضيل،والاستغلال البشع لتجار هذا الزمان الذين أصبحوا يصولون ويجولون دون رادع أو رقيب،بفضل الانفتاح الاقتصادي والسياسة الحرة المتبعة هذه الأيام.
وإذا كان قادة العراق الجديد يعتقدون أن لغة البطون هي الناجحة في التعامل ،فأتمنى عليهم أن لا يتناسوا أن هناك شعبا بحاجة إلى الطعام،وأصبح بفضل أدارتهم البائسة في انحدار مستمر في مستنقع الفقر،وأملي أن يتأسوا بالزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الذي كان يتناول طعامه من المطاعم الشعبية التي يرتادها الفقراء في الميدان،وكان (الصفر طاس) الأثير يصاحبه في حله وتر حاله،وقد زاره وفد ياباني ذات يوم للتوقيع على عقود نفطية،وعندما أزف موعد الإفطار،جيء له بطعامه الذي لا يزيد على الشوربة والتمن والمرق،وغيرها من الأطعمة العراقية،لذلك يحق لنا أن نقول(عرب وين طنبوره وين)وهاهو أسم الزعيم خالد في ضمير العراقيين لعفته ونزاهته وإخلاصه ووطنيته التي يفتقر إليها الكثيرون هذه الأيام،فهل يتعظ الآخرون.