الرئيسية » مقالات » المتنبي في المسرح الألماني في ميونيخ – 19 –

المتنبي في المسرح الألماني في ميونيخ – 19 –

إلتقينا على تمام السادسة عصراً أمام المسرح الألماني Deutsches Theater حيث جاءت فرقة إسبانية من الغجر كي ترقص وتغني على ألحان أوبرا ” كارمن ” للموسيقار الفرنسي ” بيزيه “. فضلا عن عروض موسيقية راقصة تمثل مقاطع من الرواية الشهيرة ( دون كيخوت ) للروائي الإسباني المعروف ” سرفانتس “. يتخلل هذه العروض باقات منوعة من رقصة ( الفلامنكو ) الواسعة الشهرة .
قبل العرض طلب المتنبيء مني أن أشرح له بإيجاز ما ستقدم الفرقة الإسبانية من عروض. حين سمع إسم ( كارمن ) قال يعجبني هذا الأسم كثيراً. قلت لكن كارمن فتاة غجرية لعوب. ورّطتْ الجندي ( خوسيه ) فترك خطيبته راكضا وراءها. ثم ورذطت الضابط المسؤول عنه. قتل المجند خوسيه ضابطه غيرة منه عليها. طُرد من الخدمة فأصبح مثلك عاطلا عن العمل. ثم تركت الإثنين ووقعت في غرام مصارع ثيران إسمه
” إسكميللو “. قال ذلكم أمر طبيعي. فالغجر أقوام متوحشة … حسب تعبير إبن خلدون. ومصارعة الثيران عملية قتل وحشية. وعليه لا أجد أية غرابة إنْ مالت غجرية إلى مصارع ثيران مثلها وحشي الطبع والإعداد والمهنة. شبيه الشيء منجذبٌ إليه. عاد أبو الطيب فسأل وما كان مصيرها ومصير من أحبت في نهاية المطاف؟ قلت الموت البربري. قال ماذا تقصد؟ قتل خوسيه كارمن قريباً من أسوار حلبة مصارعة الثيران الخارجية إذ كانت تنتظر خروج حبيبها المصارع منتصراً على خصمه الثور المسكين. قال وهل خرج المصارع منتصرا في معركته مع الثور؟ لا يا أبا الطيب. سقط صريعا أمام خصمه البهيمة. قال لا حول ولا قوة إلا بالله. توافق غريب. وكيف تفسر موت الإثنين في يوم واحد، بل في غضون بضع دقائق؟ ذهبت كارمن إلى حلبة المصارعة كي تكون قريبة جداً مما سيجري تحت هاجس غريب ينبئها أنَّ مَن تهوى سيهوي قتيلا في هذه المعركة. أما المصارع الذي فتنها فقد كان قلقاً عليها دائم التفكير بها وبعلاقة الحب التي جمعتهما وبإحتمال أن ينالها أذى من غريمه العسكري خوسيه. لم يستطع التركيز بالشكل المطلوب ففقد السيطرة أمام خصمه المُثخن بالجراح وسط صيحات الإستهزاء منه والسخرية به .
حان وقت العروض فدخلنا قبيل الساعة السابعة المسرحَ وإتخذنا أماكننا في المقاعد التي حجزنا. لم يبق لبدء العروض إلاّ دقيقة واحدة .
رُفعتْ الستارة فصدحت موسيقى إفتتاحية أوبرا كارمن المعروفة ثم ظهرت كارمن الغجرية بشعرها الفاحم الأسود وجيب ثوبها المفتوح إلى منتصف صدرها. غنّت أمام معمل للتبوغ وصنع السجائر. وغنّت معها جوقتها ثم ظهر الأطفال يهزجون. إختفت كارمن لتظهرالفتاة الريفية ( ميكائيلا ) التي أرسلتها أم المجند خوسيه كي تتعرف عليه حاملة له من والدته رسالة وبعض النقود. وفي الرسالة توصيه أمه أنَّ حاملة رسالتها هي المرشحة أن تكون زوجاً له. ما كان ساعتها خوسيه موجوداً مع رفاقه فأضطُرتْ ميكائيلا أن تنتظر قدومه إلى الثكنة العسكرية القريبة من مصنع السجائر. كان الجنود الآخرون يتحرشون بها ويغازلونها كعادة كل الجنود وفي كل مكان. جاء أخيراً خوسيه إلى نوبة خفارته فإلتقى ميكائيلا وإستلم منها ما أرسلت أمه معها له. طار فرحاً بأخبار أمه وبالنقود وبالزوجة المرشحة. لكن الأفراح لا تدوم في الحياة. الحزن هو الوجه الآخر للفرح. كانت كارمن على الطرف الآخر من الخط. كانت تراقب خوسيه الوسيم وخطيبته الطارئة التي برزت على مسرح الأحداث بشكل فجائي. حضرت كرسالة مُسجَّلة تمشي على قدمين دونما طوابع بريد، ورسولٍ حاملٍ رسالة. صيد كارمن إذن في خطر. وكارمن وجدت نفسها بغتة تواجه غريماً طارئاً جديّاً.
الإنسان حريص على ما مُنِع. خوسيه مكتوب لكارمن. إذن لا بدَّ من التخلص من الغريم الغريب الطاريء. نصبت كارمن الحبال لإيقاع خوسيه. كانت تغني وتوحي إليه إنه رجلها المفضّل الأوحد. رمت إليه وردة حمراء فجن بها ولم يدرِ إنها ستكون له نذير شؤم.
غادرت كارمن خشبة المسرح وسط تصفيق حار مستمر، فجاءت إلى المسرح ثانية وثالثة لتردَّ تحية إعجاب الجمهور بأحسن منها. كانت تقبّل بواطن أنامل يديها وتنشرها بإتجاه الحاضرين مصفقين وقوفا أو تنحني حتى منتصف الجسد .
ظهرت فرقة الفلامنكو ترقص وتغني وتصفق صفقات إيقاع الفلامنكو الخاصة. النساء بملابس جذابة الألوان تتسع كثيراً كلّما إقتربت من الأرض. غرسن – كعادة نساء الأندلس – في سود شعورهن الورد الأحمر. الرجال مع آلاتهم الموسيقية مشدودة إلى صدورهم. كانوا جميعاً يتبادلون الغناء دوريّاً نساءً ورجالا. كان المتنبي لا يصدّق عينيه، حتى إنه حين ينتهي الجمهور من التصفيق فإنه يظلُّ واقفاً يبالغ في التصفيق وحيداً. كنت أطلب منه أن يجلس وأن لا يبالغ في تصفيقه. كان جوابه إنه لم يرَ في حياته شيئا كهذا الذي يرى في المسرح الألماني. كان شديد التلهف لرؤية كارمن ثانية. لقد سحرته الغجرية فخُيِّل إليه أنه قد وقع فعلاً في حبها. كان يلحف بالسؤال متى تظهر مرة أخرى؟ قلت إصبرْ أبا الطيب قليلا. ستأتي بعد قليل. كان يردد ( صبراً جميلاً وعلى الله المُستعان ).
إنسحبت مجموعة الفلامنكو فظهرت كارمن لتنفّذ الجزء الأخير من الأوبرا: مصرعها بطعنة خنجر كان يخفيه خوسيه بين ملابسه ساعة كانت تنتظر خروج ” إسكميللو ” منتصراً حسب توقعاتها على خصمه الثور. بعد مصرع كارمن بقليل ظهر إسكميللو قتيلا محمولا على نقّالة الموتى. مرّ به حاملو جثته حيث كانت كارمن مطروحة على الأرض وسط بركة من دمائها. سقط العاشقان قتيلين في زمن واحد. هو حيث كان يمارس مهنة حياته، وهي حيث كانت تنتظر خروجه منتصرا متوّجاً بأكاليل النصر والزهو والكثير من المال.

بعد إستراحة قصيرة رُفعت الستارة على منظر طاحونة الهواء الشهيرة التى إرتبط أسم ” دون كيخوت ” بها، كتلك الطواحين التي رأيت منتشرة في هولندا طولا وعرضا. سألني صاحبي وهو يقول ( يا ساتر !! ) ما هذا؟
هذه طاحونة دون كيخوت. قال وما سيطحن لنا هذا ( الكيخوت ) في هذا المساء ؟ لا شيء. سوف لا يطحن شيئأ. قال إذن لماذا نصبوها أمامنا كالشيطان الرجيم على الشانو ( يقصد خشبة المسرح ) ؟ إنتظرْ قليلا وسترى لماذا نصبوها. ألا تطيق صبراً يا رجل ؟ أكثرَ من ترديد ( صبراً جميلاً ).
ظهرت الفرقة الخاصة بهذه الفقرة بملابس مغايرة لما رأينا في الفصول السابقة. البعض يرقص والآخر يغني وآخرون مصطفّون خلف الراقصين يصفقون التصفيقة المشهورة. النساء ترقص منفذات دورات مغلقة كأجمل فراشات حقول الربيع الإسباني فتخلب الألباب. ثم كانت المفاجأة بظهور راقص طويل القامة نحيلها يتقلد سيف خشبٍ يتدلى حتى يتماسَّ مع أرض المسرح. ذُهل المتنبي متسائلا مَن هذا البهلول القشّمر؟ هذا هو دون كيخوت … أجبتُ. قال ألم يجدوا شخصا آخر أفضل من هذا الكيخوت ؟ قلت هذا هو الشخص المناسب للدور الذي رسمه مؤلف الرواية ( الهر سرفانتس ). رقص الكيخوت فأذهل الجميع برشاقته وخفته وحسن أدائه وغنى مقاطع قصيرة باللغة الإسبانية ثم فاجأ الحضور بأن أشهر سيفه وتسلّق العجلة الخشبية الضخمة ملوِّحا بسيفه في كل إتجاه كمن يقاتل عدوا حقيقيا. في هذه اللحظات زاد حماس الراقصات والمغنين وإرتفعت أصواتهم قليلا حتى مسّت حرارةُ الأداء المذهل شغاف قلب أبي الطيب. سمعته يقول بصوت خفيض ( أحسنتَ، والله أحسنت ). أعجبه الكيخوت أخيرا. قال إشرح لي القصة بعد إنتهاء العروض. قلت حسنا، سأفعل. ثم كانت المفاجأة الأخرى : ظهور شخص قصير بدين على المسرح يمتطي ظهر حمار ضئيل. غصَّ القوم بالضحك وإشتعلت قاعة المسرح تصفيقاً. سأل المتنبيء من هذا ؟ هذا ( سانجا بانجا ) رفيق وصديق وخادم دون كيخوت. قال يذكّرني بأنيكدو صاحب جلجامش. قلت أنكيدو كان الند لجلجامش وهذا هو الضد لدون كيخوت. ضده حتى بما يركب واسطةً
للتنقل. ذاك يركب حصاناً هزيلا وهذا يركب حماراً مثله بديناً.

إنتهت العروض الساحرة فغادرنا المسرح الألماني حوالي الساعة العاشرة والنصف مساء وكان المتنبي غائباً عني وعن نفسه وعن كل العالمين. تركته سارحا كيما يستمتع بما رأى. ليته يقول شعرا في كارمن التي أحب وفيما شاهد أمامه من رقص وطرب إنتهى بمأساة دموية مروّعة راح ضحيتها بطلا الأوبرا كارمن ومصارع الثيران. وكان قد سقط قتيلا قبلهما أحد ضباط خوسيه. الكل فارق مسرح الحياة ما خلا الجندي السابق خوسيه، وهذا بدوره خسر ميكائيلا وخسر وظيفته مجنّداً وخسر كارمن.

كان المساء رخيا دافئا والشارع هادئا تغمره الأضواء الساطعة لكن صاحبي أضرب عن الكلام. أسأل فلا يجيب. كان ما زال واقعا تحت تأثير سحركارمن صوتا وقواماً وتمثيلا. كان تأثيرها في النفوس عميقا حقيقيا فلم ألُمْ صاحبي. أحب المتنبي الغجرية كارمن.
أمام سكنه قلت له سأراك غدا وسنناقش مشكلتك مع كارمن. أعِدْ جوابا لسؤالي كيف لم تذكر أو تكتب شعراً في الغجر وقد كتب لهم وفيهم كبار كتاب العالم ؟.


– 20 –

زرته في بيته في الثانية عشرة منتصف نهارٍ ساخن الحرارة قليلا. إستقبلني نشطا نظيفا حليقا عارضا أن أشرب معه شايا قبل أن نتجه إلى طرف المدينة الآخر المسمى SCHWABING . شربت قدح شاي واحدا ً فيما شرب صاحبي قدحين. تركنا شقته آخذين أحد قطارات تحت الأرض المتجهة صوب ( شفابينغ ) U Bahn 6 . وصلنا هدفنا فإنتبه المتنبي أن هذا الطرف يمثل عالما آخر متميزاً قليلا عما ألفه في وسط المدينة.لاحظ المقاهي الأنيقة تملأ الأرصفة ومحلات بيع الملابس والأحذية والمطاعم ودور السينما متصلة ببعضها. المنطقة حيوية دائماً، ليلا ونهاراً. يقع أحد أطراف الحديقة الإنجليزية وراءها تماما. والمنطقة الجامعية ليست بعيدة عنها . قال صاحبي إلى أين تمضي بي ؟ قلت سنرتاد مقهى تُسمّى ( مقهى الواقف ) أو الوقوف. قال وفي البصرة سوق يسمى ( سوق الواجف … أي الواقف أيضا ). قلت ذلك سوق وإنما هذه مقهى. نشرب فيها قهوتنا وقوفا، ليس فيها كراسٍ أو محلات للجلوس. قال ولماذا إخترتَ لنا هذه المقهى دون سواها وأنا كما تعلم لا أطيق الصبرعلى الوقوف. قلت ( كُبُرْ … الكبر يا أبا الطيب ). قال لا فُضَّ فوك، الكُبُر. جئنا هذه المقهى لكي نلتقي بصديقنا مترجم أشعاري. قال تقصد دكتورهامان ( عفواً… ماهان )؟
أجل. إنه يرتاد هذه المقهى بين فترة وأخرى ويلتقي فيها بالبعض من أصدقائه. لقد عوَّد نفسه عليها ويجد فيها راحة رغم الوقوف شاربا وآكلاً. قال أظن أن هذه المقهى أنسب ( أرخص ) من سواها ؟ قلت أجل. لا فض فوك. أرخص لأنك تشرب واقفاً. أنت تجلب ما تود أن تشرب من البائعة. تهلّل وجه صاحبي ثم قال : حتى هنا تخدمنا النساء وقوفاً ؟.
لم نلبث في مقهى ( الواقف ) سوى بضعة دقائق حتى أطلَّ صديقنا هامان كعادته باسماً يحمل تحت إبطه حقيبة من الجلد البنّي صغيرة يضع فيها نقوده وبعض الأوراق. عرّفته على صاحبي على أنه (أبو جاسم السماوي).
أتى بقدح قهوة ومعه قطعة كيك ثم قال سيأتي بعد قليل الدكتورعبد الرحمن،
وسنزور جميعاً صديقنا حسين زيدون في بيته. عاد لتوّه من المغرب حاملا كعادته الكثير من أفلام الفيديو حول الكثير من المدن المغربية. وسيضع أمامنا كعادته على المائدة كل ما في ثلاجته من طعام وشراب. سيحبّه أبو جاسم لأنه شخصية فريدة في بابها، إنه يشبه دون كيخوت. أراد المتنبي أن يعلق لكني عاجلته بلكزة خفيفة من مرفقي ففهم مرامي وأحجم عن الكلام. أراد أن يقول شاهدنا أمس هذا الكيخوت على خشبة المسرح الألماني.
لم نطل المكوث في مقهى ( الواجف ) فإعتذرنا من هامان لأن أمامنا – قلت له – الكثير الذي ما زال ينتظرالإنجاز. رجوته أن يبلِّغ حُسيناً وعبد الرحمن سلامي وتحياتي الحارة.
في طريق عودتنا مشياً خلال شارع LEOPOLD STRASSE تحت شمس آواخر شهر مايس متجهين صوب مركز المدينة فتحت موضوع كارمن ودون كيخوت كما وعدت. أراد أن يتهرب من الموضوع فأدار الحديث حول هامان وصحبه متسائلا لِمَ لمْ نلتحق به وبجماعته الآخرين. قال إنها فُرصة قد تكون جيدة للتعرف على بعض الناس الأخيار في هذا البلد. قلت له لا تنسَ ما قد قلتَ يوماً … وقبل أن أنهي ما أردتُ أنْ أقول سارع قائلا : وما الخيل الا كالصديقِ قليلة … ، أحسنتَ، لا فُضَّ فوك.
إقتربنا من المبنى الهائل لمكتبة بافاريا الحكومية فقلت له هذه هي المكتبة التي أردت يوما أن أريك لكنك فضّلتَ البقاء في مقهى الشباب اليافع وطلبة الجامعة التي سحرتك وأفقدتك صوابك. قال لكلِ مقامٍ مقال. فضّلتُ آنذاك البقاء في المقهى أما أليوم فإني أريد التعرف على مكتبة بافاريا وما فيها من مخطوطات وكتب ومجلات باللغة العربية. دخلنا المكتبة الضخمة وإتجهنا نحو المصعد الكهربائي ليقلّنا إلى الطابق الثالث حيث القسم الذي نريد. لم يرّ المتنبي مكتبةً كهذه في حياته لا في العراق ولا في ليبيا ولا في ( مخيم رفحا ) الصحراوي. لفت الهدوء المطلق إنتباهه وطريقة تنظيم الكتب على الرفوف وعدد أجهزة الكومبيوتر التي تخزن أسماء وأرقام الكتب فيها لتيسير الحصول عليها. نظام نظام ! أخذ صاحبي يردد مع نفسه. جلسنا بالقرب من رفوف الصحف والمجلات العربية فإختار وأخترت بعضاً منها.
جلسنا نقلِّب الصفحات آنا ونقرأ عناوين الصحف محاولين الإلمام السريع بكل ما فيها. كان صاحبي بشكل خاص مهتمّا أن يعرف أكثر ما يمكن من أخبار البلاد العربية وبأسرع وقت. قلّبَ الكثير وقرأ الكثير حتى شعر بألم في عينيه. ليس مع الرجل نظارات طبية. ثم الكُبُر، الكبر. سألني عن جريدة ( الزمان ) التي تصدر في لندن. قلت إنها لا تصل إلى هذه المكتبة. قال لا وجود هنا للزمان وهذه الرفوف ملأى بالجرائد السعودية والسورية والإيرانية وأخرى بلغات لا أفقه منها شيئاً. قلت له علمي علمك. محرومون منها. علّقَ قائلاً : لا حول ولا قوة إلاّ بالله .
لقد شدت المكتبة إنتباه المتنبي وأعادت إليه رغبته القديمة في القراءة وإعادة تثقيف نفسه. قال سوف لن أفارق هذه المكتبة. ثم سأل هل في الإمكان إستعارة بعض الكتب التي رأى معي على شاشات أجهزة الكومبيوتر ولا سيما ديوان أشعاره. قلت ذلك ممكن ولكن يلزمك إستحصال هوية خاصة لإستعارة الكتب. الشروط غير متوفرة فيك الآن. إنتظر حتى يمرعليك عام في هذه المدينة إقامةً دائمةً. بعد ذلك سنأتي لطلب هذه الهوية.
سيطلبون منك صورة صغيرة لهذه المناسبة فهيئها. قال ليس الآن، بعد عام.

غادرنا المكتبة في الساعة الخامسة وإتجهنا نحو ( مارين بلاتس). ذكّرتُ صاحبي أن أمامنا جولة جادة أخرى تخص حبيبته الغجرية كارمن. قال لا تذكرني يا صاح بها. لقد وقعت في غرامها حقا. أريد أن أنساها. قلت لا بأس أبا الطيب عليك. ستنساها وتنسى هواك إذا ما أوقعتَ نفسك في هوى سواها. تضاحك مرددا شعر نزار قباني الذي سمعه قبل أيام مني (( مثلما تطرد الغيومُ الغيوما / الغرامُ الجديدُ ينفي القديما )). قال ساخراً : بفضل الله وفضلك سأحاول فعسى أن يحالفني حظي أو بختك فأنسى.
وصلنا ساحة مارين بلاتس فكانت كما هي دائما مكتظة بالبشر. وجدنا لحسن حظنا كرسيين خاليين فجلسنا نمتع الطرف مبتهجين بما حولنا وبالجو الذي شرع في الإعتدال مع مجيء ساعات المساء. أخرج من جيبه سجائره وإبتدأ التدخين. ما كان يشعر بالتعب ولا بالجوع. بعد وقت قصير إعتدل مزاجه وقويت معنوياته فقال هيا أخبرني عن كارمن وعن دون كيخوت، ما خطبهما ؟ قلت قبل أن أفيض في الحديث عنهما أود أن تخبرني لِمَ لمْ تتطرق إلى ذكر الغجر في أشعارك ؟ لقد ذكرهم بالإعجاب الكاتب الروسي العظيم تولستوي. وكتب الشاعر الإسباني لوركا عنهم شعرا كثيرا ممجدا شجاعتهم وعشقهم للحرية. كما كتب عنهم كتاب آخرون. ولدينا في العراق الحبيب مغنية معروفة تسمى وحيدة خليل التي غنت ( عليمن يا قلب تعتب عليمن ) وأخرى تُدعى حمدية صالح. أضاف و سعدي الحلي الذي غنى ( تناشدني عليك الناس وأتحير شجاوبه ). قلت كلا، سعدي من بابل وليس غجريا. إنه قريب حمورابي ونبوخذنصر ثم آكل الأفاعي الفردوسية وماضغ الزجاج الهبش الحلي. فكر المتنبي طويلا وبالغ في إبتلاع دخان سجارته. لم يجد جوابا لسؤالي مناسباً. لم يفكر فيه قبلا. ما مر يوما بباله. ألححت عليه أن يقدم جوابا ولججتُ. رمى عقب سجارته على الأرض وتظاهر بالدخول في سبات عميق. أعرف أن الرجل يجيد التمثيل في الوقت الذي يشاء. لا غرابة فإنه في الأصل شاعر. كان ما زال في يقظته صاحيا لم يلجْ ملكوت الكرى. غياب الشخير أكبر فاضح لمراوغة المتنبي وإن الكرى لم يمارس بعد سلطانه الطاغي عليه. تركته يتمتع بهذا الضرب من الحرية. حرية الهروب من أهون إلتزام أمام الأصدقاء ومن هم بحكم الأصدقاء. لم يطل هروب المتنبي كثيراً. تثائب ثم فتح عينيه وتساءل أين نحن ؟ قلت ما زلنا حيث كنا وكانوا. قال من؟ الغجر. إبتسم إبتسامة غامضة المعنى وعقّبَ قائلا حسناً سأجيب على سؤالك. أنفرجت أساريري وقلت مشجعا هيا أجب فالوقت يمضي سريعا وما يمضي لا يعود. أجبْ، فلقد إنفتحت أخيرا أبواب السماء. قال لم ألتقِ غجراً في حياتي لا في الكوفة ولا في بادية سماوة بني كلاب ولا في بلاد الشام ولا في مصر. ما كانت كلمة
( غجر ) معروفة يومذاك. كانت جوارينا والقيان يمارسن الغناء والعزف لذا لم نعرف ظاهرة الغجر. والكلمة – لعلمك – ليست عربية. قد تكون فارسية الأصل أو تركية أو ربما هندية. قلت له إنَّ في بلاد فارس قبيلة معروفة تدعى ( قاجار ) , فلعل كلمة غجر هي تعريب لكلمة ( قاجار). قال ذلكم جد محتمل خاصة وإن الشعوب تبدل بعض الحروف ببعض. ففي هذه الحالة إنقلب حرف القاف إلى حرف الغين، إبدال حرف بحرف. ولقد مارستُ القلب والإبدال في بعض أشعاري التي تعرف. قلتُ أجل، لقد قلتَ مرة ( طاسم ) بدل ( طامس ) وقلت ( غلت ) بدل ( غلط ). قال وتعرف كيف ينقلب حرفا القاف والجيم في مصر. قلت إنها ظاهرة شائعة ومنتشرة من نجد إلى يَمنٍ… فعلّق على الفور قائلا : ومن مصرَ لتطوانِ.
أعلنت ساعة برج بناية مارين بلاتس السابعة مساء فقال صاحبي هل سنواصل الحديث هنا في هذا المكان الرائع أم نواصله في بيتي أو في بيتك؟ قلت بل هنا. فلليل هنا مزاج متميز ومذاق خاص. سنخوض هنا في الحديث عن دون كيخوت. أما ( القاجارية ) كارمن وأوبرا كارمن فلسوف أريك في بيتي يوما أفلام فيديو خاصة. لديَّ منها ثلاثة مختلفة الإنتاج والمنشأ. سترى كارمن تغني أمامك قرابة الثلاث ساعات. ستمثل وتغني الأوبرا كاملة. الفيلم يا أبا الطيب غيرالمسرح. قال وما خطب الكيخوت ؟ قلت تقصد دون كيخوت ؟ قال نعم. قلت كنتُ رأيتُ الرواية مرة على المسرح تمثيلا فأعجبتني شخصية الرجل. ثم رأيت الرواية في فيلم روسي نادر الإخراج. ولقد قرأت عنه حديثا مقالة طريفة كتبها الأديب الروائي
( محسن الرملي ) في مجلة ( ألواح / العدد 12 للسنة 2002) الصادرة في مدريد، أرسلها لي مشكورا الصديق الدكتور الفنان كاظم شمهود خبير الحفر البارز والعميق على المعادن. ورأيت في زيارة لمدريد تماثيلَ كبيرة في وسط المدينة تمثل دون كيخوت على ظهر حصانه الهزيل وخلفه صديقه البدين سانجا بانجا على ظهر حماره. قال ألم تقرأ الرواية؟ قلت كلا، للأسف لم تقع في يدي ترجمة لها إلى العربية ولم أبحث عنها في لغات أخرى. قال قصّرتَ. قلت أعرف ذلك. قال وما قال عنه الروائي محسن الرملي ؟ قلت إنَّ السيد محسن يعمل ويدرس في مدريد. وإنَّ دون كيخوت إسباني الأصل والنشأة. وكان يعرف العرب والمسلمين بشكل جيد حتى إنه وضع في روايته جملة على لسان فتاة عربية أسماها ثريا. نص الجملة هو (( الله ومريم أمهُ يكون في حفظك يا سيدتي )). قال وما الطريف في الأمر؟ الطريف – كما كتب محسن الرملي – أن دون كيخوت كتب كلمة ( الله ) بلفظها العربي الإسلامي. قال بارك الله فيه. قال وماذا بعد عن هذا الدون كيخوت ؟ ترجم محسن بعض ما جاء في الرواية على لسان دون كيخوت الذي قال (( إنَّ رجال الدين بكل سلام وكسل يكتفون بأن يطلبوا من السماء الخير للأرض. أما نحن الجنود والفرسان فإننا نقوم بتنفيذ ذلك الذي يطلبونه. إننا وزراء الرب في الأرض )). ويضيف محسن
(( فينبه غارودي – كاتب ومفكر فرنسي – إلى أن هذا هو تماما شعار المرابطين في الأندلس والذي إستعاروه من القرآن، من حيث أن الإنسان خليفة الله في الأرض. وهذا يتطابق أيضا مع ما جاء في القرآن من تفضيل الله للإنسان على الملائكة المكتفية بالتسبيح له. ثم قد أمرها بالسجود له )).
شرد المتنبي عن حضوره مردداً مع نفسه (( إننا وزراء الرب في الأرض.
نحن الجنود والفرسان نقوم بتنفيذ ذلك الذي يطلبونه. إننا وزراء الرب على الأرض )). ثم أتبع نجواه الخافتة بقراءة الآية (( وإذْ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى / سورة طه )). ثم (( فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس إستكبر وكان من الكافرين/ سورة ص )). ثم رفع صوته قليلا ليقرأ (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّسُ لك قال إني أعلم ما لا تعلمون / سورة البقرة )). خمد صوته برهة ليرتفع قليلا ثم ليقول إننا معشر الشعراء حقا إننا وزراء الرب على الأرض. منا السفراء والوزراء والفرسان. قلت كلكم ؟ قال أجلْ، ولا سيما اللاجئون والمشردون والمنفيون قسرا رغم آنافهم. إننا السفراء والوزراء وفينا الأنبياء والملوك. قام فجأة قائلا إنما نحن الفرسان، ثم أنشد بصوت جهوري (( الخيل والليل والبيداء تعرفني…)). قلت كفى أبا الطيب، كفى، هيد، إهدأْ، إجلس، لا أحد يعرفك هنا في أوربا. ثم قد ولّى زمن الفروسية والفرسان وزمن السيف والرمح . قال فما الذي تبقّى إذن؟ قلت القرطاس والقلم ثم قنبلة الذرة والنيوترون وسم الثاليوم وغاز الخردل والأعصاب والبريد الألكتروني وفضائية الجزيرة وفيصل القاسم وجميل عازار و … و… الخ. قال لا أفهم هذا الكلام، هذه رطانة معقدة لا أفهم منها شيئاً. قلت أحسب إنك فهمت الآن الفارس دون كيخوت. قال لم أفهمه بما فيه الكفاية. قلت بإختصار شديد كان الرجل طيباً إلى حد السذاجة. يحب البشرية كأي نبي. وكان يقاتل بسيف خشبي طواحين الهواء إحتجاجا على ما في الحياة من مظالم وعسف. يحارب الطواحين لأنه كان عاجزا عن قتال من هم أهل للقتل والقتال. ما كان يملك مالا ولا سلاحا ولا جيوشا جرارة ولا أجهزة مخابرات وإستخ ( بارات ) ولا أجهزة أمن وأمن الأمن وأمن أمن الأمن. قتال الطواحين ثورة رمزية مزدوجة : هي صرخة بوجه الإنحراف عن الطبيعة السوية، ونداء واضح صريح لبني البشر كي يرفضوا الظلم الواقع عليهم وأن يهبّوا وأن يثوروا من أجل الحرية والإنعتاق وتحطيم قيود الذل والعبودية. الذي لا يستطيع رفع السلاح ضد الحاكم المتعسف علناً وصراحة عليه أن يحتج بلسانه وهو أضعف الإيمان في نظري. عليه أن يعبّرعن رفضه لما هو واقع عليه ولو بالصورة الكاريكاتيرية الساخرة
( قتال الطواحين ) و بالوسائل الأخرى المتاحة لديه حتى لو إستخدم سيفاً من خشب وركب حصانا هزيلا ليس لديه ما يطعمه. تكلموا أيها الناس. إحتجوا. إصرخوا فلقد صرخ أبو ذر قبلكم فاضحا الإنحراف وقبل النفي إلى صحراء الربذة. أبو ذر واحد منك فيكم وليس إستثناء ناشزاً. وسائل القتال كثيرة. إختاروا ما يناسبكم منها. لا تتأخروا فالزمن يجري سريعاً. الزمن لا يلتفت إلى الخلف ولا يجري ماءٌ في نهر مرتين. تعلموا من دون كيخوت ولا تخنعوا ولا تذلوا ولا تقبلوا هواناً فإن (( من يهُنْ يسهل الهوانُ عليه )).
سألني صاحبي بعد أن ملَّ خطبتي الطويلة كم الساعة الآن ؟ الحادية عشرة قبل منتصف الليل. قال بقيت لديَّ بعض الأمور أود لو تنورني بشأنها. ما هي يا أبا الطيب ؟ قال وهو يعتدل قائماً سنناقشها غدا أو بعد غد. أشعر بالتعب وقد حان وقت الإيواء إلى الفراش. سنلتقي غداً. قلت كلا، بل سنلتقي بعد غد. سيزورني غداً صديق ليعيرني بعض كتبه ولأقول له رأيي في آخر ما نشر من أشعار. قال وأين نشر صديقك هذه الأشعار؟ في مجلة تصدر في الأردن، تحررها نخبة من أدباء الشُتات في عمّان. قال إذن سنلتقي بعد غد فأعد لنا برنامجاً طموحاً. قلت وهو كذلك.