الرئيسية » مقالات » محاكمة حرق الرايخستاغ …إتهام ديمتروف

محاكمة حرق الرايخستاغ …إتهام ديمتروف

لن تنسى البشرية مأثرة جيورجي ديمتروف البطولية في محاكمة حرق الرايخستاغ . ففي هذه المسرحية الملفقة التي دبرتها النازية ضد الحزب الشيوعي الألماني والكومنترن ، سدد ديمتروف اول ضربة قاصمة للفاشية وازاح القناع عن الوجه القبيح لطبيعتها المعادية للوطنية والإنسانية .

في ليلة 27 شباط ( فبراير ) 1933 كان ديمتروف في طريقه بالقطار من ميونخ الى برلين ، وفي صحف الصباح قرأ عن الحريق الذي شبّ في مبنى الرايخستاغ . وقد إمتلأت الصحف بعناوين بارزة تزعم أن الحريق قد ارتكب من قبل الحزب الشيوعي الألماني . ولقد كان واضحا لديمتروف بأن النازيون هم الذين دبّروا هذه المؤامرة عشية الأنتخابات البرلمانية التي كان من المؤمل أن تجرى في الخامس من آذار ( مارس ) 1933 بغية الفوز بالأكثرية المستقلة في هذه الأنتخابات . وقد ادرك النازيون بأنهم بدون ضرب القوى المعادية للفاشية وبدون سحق الحزب الشيوعي الذي يشكل الجزء الأهم في هذه القوى ، سوف لن يستطيعوا بلوغ اهدافهم . وتنفيذا لهذا المخطط الدنيء تقوم السلطات النازية في المانيا بإلقاء القبض على جيورجي ديمتروف وإعتقاله اثناء وجوده في برلين ملفقة ضده تهمة حرق الرايخستاغ .

لقد حرص فاشيو المانيا الهتلرية على أن يحولوا محاكمة جيورجي ديمتروف عبر فبركة الوقائع وتلفيق الأدلة الى وسيلة لتجريمه ومن ثم تصفية الحساب الشخصي معه من جهة ، ولإدانة الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وإلصاق تهمة الإرهاب الدولي بها ليتسنى لهم إستباحتها فيما بعد من جهة ثانية .إنهم لايتورعون حتى عن وضع سيناريو مسبق لمحاكمة لايبزغ سيئة الصيت والتي يبدأونها في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 1933 هادفين من وراء ذلك حبك خيوط مؤامراتهم الدنيئة بصورة افضل ، إلا أن ديمتروف أطاح بكل حساباتهم ومخططاتهم السوداء.وقاوم ديمتروف هذه المحاولة الدنيئة الرامية الى النيل من شرفه كشيوعي وثوري وذلك بتلفيق اكذوبة حرق الرايخستاغ .


وفي سجن موابيت إنكب ديمتروف على دراسة القانون والتاريخ الألماني والمراحل المختلفة لتاريخ العالم وطبيعة الحروب ، معمقا بذلك معارفه الفلسفية ومحسنا لغته الألمانية .فكان يقرأ بشغف افضل مصنفات الأدب الألماني والعالمي . فقرأ لغوتة وشكسبير وبايرن ودانتي وشيلر وآخرين بالإضافة الى مؤلفات سوفوكليس وهوميروس . ففي الوقت الذي اشعل النازيون النار في كتب المفكرين العالميين ، بحث سجينهم عن الإلهام في الكتب نفسها . فقد كان يجد راحة كبيرة في قراة قصائد غوتة التي تدعو الى الصلابة والشجاعة والأفكار النبيلة ،” تفقد المال تفقد قليلأ ، تفقد الشرف تفقد كثيرأ ، تفقد الشجاعة تفقد كل شيء ”

كان جيورجي ديمتروف يدرك أن امامه نضالأ شاقا .فهو لم يهيء نفسه للمحاكمة كفرد قادر على إثبات براءته ، بل اعدّ نفسه كشيوعي ومناضل بروليتاري لابد له أن يستفيد من المنبر الذي توفره له المحكمة كي يدافع عن قضية الحزب الشيوعي وشرفه الثوري . وبذل ديمتروف واصدقاءه جهودهم للفوز بمحام مناسب للدفاع عنه ، وكان هناك الكثير من المحامين البارزين من بلغاريا ، المانيا ، فرنسا وامريكا على إستعداد للمرافعة امام المحكمة للدفاع عن ديمتروف ، غير أن المحكمة النازية رفضت ذلك وعينت محاميا المانيا ليتولى الدفاع عن البلغار الثلاثة . وكان واضحا لديمتروف انه لايمكن الركون الى شخص عينته المحكمة ليتولى الدفاع عنه ، فاختط لنفسه نهج الدفاع السياسي المستقل وأجهد نفسه ليمثل امام المحكمة كمتهم وكذلك كمحامي دفاع .إن الخطة التي اعتمدها في الدفاع لم تهدف الى تبرئة ذمته بقدر ما كانت تهدف الى تعرية السياسة والممارسات النازية والدفاع عن الحزب الشيوعي وصرّح قائلا :” إن المجانين واعداء الشيوعية فقط بمقدورهم حرق الرايخستاغ .” و وجد نضال ديمتروف في المحكمة النازية رد فعل عظيم بين الشغيلة والمثقفين في جميع انحاء العالم .

وفي السادس عشر من كانون الأول ( ديسمبر )1933 ادلى ديمتروف بتصريح سياسي حاد قائلأ :” أنا ادافع عن نفسي كشيوعي متهم وانا ادافع عن شرفي الشيوعي الثوري ، ادافع عن افكاري ومبادئي الشيوعية ، ادافع عن معنى وجوهر حياتي .لذا فإن كل كلمة قلتها امام المحكمة ، هي قطرة من دمي وقطعة من لحمي ، وكل كلمة تفوهت بها تعبرعن سخطي العميق على الإتهام الباطل وعلى تلفيق جريمة معادية للشيوعية كهذه وتنسب الى الشيوعيين .”

وفي 23 كانون الأول ( ديسمبر )1933 تنتهي محاكمة حرق الرايخستاغ التي تمّ التخطيط لها كحملة معادية للشيوعية . ففي هذه المحاكمة فضح ديمتروف الفاشية امام العالم، ليس كعدوة للطبقة العاملة ، بل كعدوة لجميع الفئات الأجتماعية في المجتمع . واكدّ على ضرورة توحيد القوى الديمقراطية في جبهة موحدة واسعة للنضال ضد الفاشية. إن الأستنتاجات التي توصل اليها ديمتروف في نضاله غير المتكافئ مع النازية دوّت بقوة في كل انحاء العالم ولم تضعف حتى هذا اليوم .