الرئيسية » الآداب » في أمسية عراقية بلدية مقاطعة سبونغا تكرم الشاعر العراقي جاسم الولائي

في أمسية عراقية بلدية مقاطعة سبونغا تكرم الشاعر العراقي جاسم الولائي


الشاعر جاسم سيف الدين الولائي 






محمد الكحط – ستوكهولم –



في الثلاثين من آب/ أوغست، اليوم الأول من أيام الثقافة الأجنبية (سوق تينستا) في مقاطعة سبونغا الواقعة شمال غرب العاصمة السويدية، كانت الأمسية عراقية مائة في المائة، حيث استضاف الشاعر العراقي جاسم محمد وهو أحد المنظمين الرئيسيين للمهرجان الذي يقام في نهاية شهر آب ومطلع أيلول من كل عام، استضاف الشاعر جاسم سيف الدين الولائي والفنان المبدع علاء مجيد القادم حديثاً إلى السويد. جاءت الأمسية تكريماً للشاعر الولائي بمناسبة صدور روايته الأولى (لعبة الشيخ) عن دار الكلمة في دمشق. الرواية تتحدث عن واقع العراق قبل وبعد سقوط النظام السابق بأسلوب هو خليط بين السخرية والغضب في 191 صفحة تتصدر غلافها صورة قديمة لجسر من جسور بغداد وبضعة من المارة فوقه. جرت الأمسية في مقهى بغداد الثقافي في مركز المقاطعة حيث قدم الشاعر العراقي إبراهيم عبد الملك الرواية الجديدة وتحدث عن ضيفه جاسم الولائي وسط حضور كان أغلبه من العراقيين والعرب. في المقهى نفسه أتحدث مع جاسم الولائي بعد أن هنأه الجميع:




الشاعر جاسم سيف الدين الولائي



لم يعد الشعر يكفي.. هذا ما سمعته منك حين سألك الشاعر عبد الملك السؤال الذي كان يدور في أذهان الجميع: لماذا هذا التحول من الشعر إلى الرواية؟ لقد شاركت في نفس المهرجان في السنة الماضية بأمسية عن الشاعرة (إديث سودرغران) وترجمت بعض قصائدها إلى اللغة العربية وتحدثت عنها، وكانت أمسية عراقية شاركك فيها الفنان جعفر الخفاف وحضرها بعض النقاد والمختصين وبعض الصحفيين السويديين الذين دعاهم جاسم محمد وقتها.


وقبلها بعام كانت الأمسية بمناسبة صدور أول رواية للروائي السويدي المعروف (هيننغ مانكل) باللغة العربية، وهي اللغة السادسة والثلاثون التي ترجمت إليها أعمال مانكل، الذي يعيش نصف حياته هنا في السويد ونصفها الآخر في موزنبيق. شاركت مترجماً في ذلك المهرجان. الرواية كانت (سر النار) التي تتحدث عن الألغام المنتشرة في أفريقيا وقد نقلتها إلى اللغة العربية وصدرت ذلك العام عن دار المنى في ستوكهولم. أما حول سؤالك عن عدم كفاية الشعر. فلأن الشعر هو لغة الإيجاز، ومصائبنا كعراقيين قبل وأثناء وتحت ظل الاحتلال وفي غمرة حنانه الأميركي الذي يطوقنا وحتى هذه الساعة، لا تنفع معه لغة موجزة. أحوالنا عبارة عن ثرثرة دموية منقطعة النظير، أبطالها مجرمون عتاة محترفون وأصحاب مواقع سابقون وحاليون في دولة يحكمها سياسيون ضعفاء كسالى ومهملون، يمارسون مهامهم السياسية في الحكومة والبرلمان في نزهاتهم وأوقات فراغهم ويعملون بقية يومهم في أعمال إضافية أخرى. كنا نأمل أن تغني الديمقراطية ويعزف الجمال والأدب والفن في عراق جديد، لكن الدم العراقي المزعج صار يثرثر على الأرصفة وفي الطرقات وداخل المدارس والجامعات وحافلات الركاب. آتني يا صديقي بشعر يستوعب هذه الكارثة هذا الرعد المثرثر الذي لم يسمعه أولئك الذين (في آذانهم الرعد) رسميين ومعارضين. آتني بقلب، لغة، شتيمة، أذان تستوعب صراخ هذا الدم العراقي المسفوح، هذا الدم المزعج ثقيل الدم. حتى البذاءة لم تعد تكفي، لم تعد تفي التوصيف الحقيقي لخرافة الدم العراقي. عليناً أن نعود إلى بذاءات النظام السابق وبذاءات المحتلين والوصوليين وأبطال المرحلة الجدد وأن نشتري بذاءات الآخرين كلها لنستخدمها، علّنا نرتاح قليلاً.


هل تسخر، أم أنك غاضب؟ قبل قليل كنت سعيداً وسط أصدقائك؟


كلنا ينزف يا محمد، ننزف بلا موت. لكي أصف حالي الآن أقول أنا خجل. كيف أرى نفسي، رجل في الرابعة والخمسين أفلت قبل 12 سنة من إصابة خطيرة في القلب، يعيش آمناً في السويد، يدخن وينتظر أبناءه وبناته كي ينهوا دراستهم الجامعية ومن ثم يعملون ويتزوجون ويفكر في بيوتهم الجديدة في وقت يسقط أجمل شباب العراق ومنهم شباب من أسرتي وأسرة زوجتي صرعى بيد الطائفية أو الخطأ أو الإهمال أو الصدفة أو صفقة من الصفقات، ويرقص المجرمون على جثثهم الممدة في الشوارع قبل أن تبرد. أنا من أسرة محظوظة وجدت جثث قتلاها من الشباب ودفنتهم وتستدل الآن على قبورهم. الحمد لله على قبورهم. ألم يكن هذا الموت أولى بآباء وأمهات عبروا الخمسين بدل هؤلاء الأطفال والصبية والفتيات المساكين الذين لم يتموا العقد الثاني من أعمارهم. أليس في ذلك مدعاة للخجل؟ أصبحت شيبتي تخجلني يا محمد، شيبتي وشيبة جيلي العاجز الكسيح. من أسرتي وأسرة زوجتي قتل محمد، قتل صادق وعمر، عمار وعثمان، وحسن وهشام. أظنك حضرت مجالس عزائهم الباذخة التي أقمناها وأنفقنا عليها في ستوكهولم حيث كنا نجلس بأطقمنا الأنيقة والأصدقاء يدورون في خدمة المعزين.


لقد صادرت مني كلمة مبروك التي كنت أنوي تقديمها، أفسدت علي جمال التهنئة.


لا بالعكس، أريد هذه المبروك. من حقي أن تقولها لي. هل رأيت أصدقائي؟ الذين حضروا إلى الأمسية واستمعوا لي ولإبراهيم والتقطوا الصور، كلهم من الأصدقاء، جميعاً ينصتون وعيونهم تلمع بكلمة مبروك. إنهم أصدقائي. ينتظرون مثلي بقية الطرد القادم من دمشق يحمل 200 نسخة من الكتاب. أنا أستحق كلمة مبروك على أصدقائي أكثر من الرواية ذاتها التي لا أدري كيف سيكون رد فعل القارئ عليها.


لذلك قلتَ: إنك مليونير بعدد أصدقائك.


لذلك قلتُ: إنني مليونير بنوعية أصدقائي. إنهم أشبه بالكنز. كل واحد منهم قطعة ثمينة، جوهرة أو ماسة حقيقية نادرة. هم الندرة وخيار عمر طوله 54 سنة.


كنت أنوي أن يكون سؤالي عن الأصدقاء هو الأخير، لكنك سرقتنا من الرواية إلى السياسة التي عزفت عنها وعن الصحافة سنوات طويلة. لا تقاطعني وأريدك أن تتحدث عن: كيف كتبت روايتك (لعبة الشيخ) وهي نتاجك الأول في هذا الفن. ما هي الأجواء الخاصة التي عشتها قبل الكتابة وحفزّتك على خوض هذه التجربة؟ عن بيئة الرواية وشخصياتها. وبعد ذلك هل ننتظر عملاً روائياً آخر، أم ستعود إلى الشعر كما ألفناك؟


أنت تنتشلني من حزني مشكوراً. الرواية باختصار تعالج لجوء الأنظمة الدكتاتورية إلى الدين حين تستفحل أزماتها وتحاصرها بمخاطر كبيرة، وبعد أن تخوض هذه الأنظمة سلسلة من المغامرات والحروب الفاشلة التي تتكلل بهزائم صريحة لا تنفع الأكاذيب والأساليب الديماغوجية والدعاية لتغطيتها، وحين يتحول التزويق إلى مادة تزيد على قبح وجوهها قبحاً جديداً. تتحول من دكتاتوريات علمانية لها تاريخ طويل في اضطهاد الدين إلى دكتاتوريات مؤمنة نصيرة له. تُخرج الدين من السجون، المكتبات القديمة ومن المتاحف إذا تطلّب الأمر وتمنحه وظيفة تصل إلى درجة وزير، حسب الحاجة والدور، وربما تغلفه بالخرافة، ومن ثم تستخدمه. شخصية الرواية الرئيسية هو شيخ مزيف اسمه (الولي هيبة الدين أحمد بن عبد النعيم ذو الجرار) ومعجزته جرة ماء يحملها أحد مريديه، ويمكنه قطع نصف المسافة ما بين بغداد وسامراء بغمضة عين. يرسمون الشيخ الهيبة وجرته الخالدة وفق مزاجهم ويحولونه إلى مؤسسة مالية هائلة، بل ويمنحونه رتبة عسكرية ونياشين رفيعة وراتباً تقاعدياً، ثم يصدقونه ويؤمنون بمعجزاته بعد أن يفبركوا له تاريخا جديداً وشجرة عائلة تربط نسبه بأشرف بيت عربي. ثمة أساطير متقنة تروى عن ظهور الشيخ هنا وهناك كتبت خصيصاً للرواية، وهي أساطير مزيفة بدورها، لكنها مرتبة وقابلة للتصديق والجريان على الألسن. بعد الاحتلال وانهيار النظام ومؤسسة الشيخ معه، يظهر مغامرون جدد ليعيدوا تأهيل الشيخ من جديد ويلفقوا له معجزات وأساطير جديدة تتناسب مع الوضع الجديد. أما كيف كتبت الرواية، فبيدي هذه ودون عدسات مكبرة، لأن كل شيء واضح ويفصح عن نفسه. أما عن الأجواء التي سبقت الرواية، فجاءت بعد تكليف الصديقين الفنانين بهجت ناجي العاني وريام الجزائري بإعداد حلقات برنامج إذاعي يتحدث عن الثقافة والتراث العراقيين في كل مراحل تاريخ العراق وعن شخصياته وأعلامه منذ نبوخذ نصر حتى نصير شمّة. فاحتجت لأن أقرأ بإفراط في مصادر كثيرة، جمعت الكتب وبدأت أقرأ لشيوخ وعلامات الفكر العراقي والعربي: علي الوردي، إبراهيم السامرائي، على جواد الطاهر، مصطفي جواد، عزيز جاسم الحجية، عباس بغدادي، جمال الآلوسي، شوقي ضيف، مير بصري وغيرهم كثيرون، فاجتمع ما اجتمع لي فشعرت بحاجة لأن أكتب من كل تلك الحصيلة شيئاً يستحق الجهد. أضف إلى ذلك كله ترجمتى لأكثر من رواية عن الأدب السويدي، نشرت واحدة منها هي رواية مانكل وتشجيع الأصدقاء بعد أن صارحتهم بفكرة خوض هذه التجربة وتعهدهم بقراءة ما سأكتب متحصنين بالصبر والتحمل حتى لو اضطرهم الحال إلى تناول أقراص مضادة للضجر، إن هم عانوا منه أثناء القراءة. أصدقائي يتصفون بالجلد وقوة التحمل والصبر على الملمات والروايات كما تعلم. فكتبت روايتي أو حماقتي الأولى. من المؤكد أن الحكم سيأتي فيما بعد. وبعد الحكم أما أن أشرع في كتابة رواية جديدة فكرت في تفاصيلها مطولاً أو أعود نادماً معتذراً للشعر الذي سيرفضني ربما، وأكون قد ضيعت اللبن في الصيف. شخصيات الرواية هي شخصيات حقيقية عاصرتها في مدينتي الوشاش في طفولتي وشبابي. هي شخصيات حية تحمل نفس أسمائها في الرواية، خشيت أن أخلط فيما بينها مع مشوار فصول الرواية الثمانية والعشرين إن أنا غيرت أسماءها، من هذه الشخصيات: صويلح أبو تنقة الذي يصبح اسمه صلاح الدين ذا الجرار فيما بعد وهو حفيد شيخ الرواية، شاكر السامرائي، محسن حمد العاني، فاضل الحلاق، الطبيب جاسم العاني، كامل أبو دهينة، الأشقاء عباس وفاضل وفرحان الجبوري، الأستاذين قاسم السهروردي ونعمان الدوري. ومن الشخصيات النسائية الخيزرانة أم فاطمة والعلوية سليمة زوجة السيد يحيى الكعبي. الشخصيات الحقيقية لم أبحث لها عن جذور عراقية لأنها واقع على الأرض. أما الشخصيات المصنوعة فلا أمنحها اسماً أو اسم عائلة ولا أمنحها بيتاً، تظهر فجأة مثل نبات غريب في شجار أو أمام مقهى، لكنى أبحث لها عن جذر تاريخي، لأن المزيف هو الذي يحتاج إلى أصل. من هذه الشخصيات المرأة الشتامة البكاءة صباغة البيض التي رزلتنا عند المقهى وطالبتنا أن نرقص للسيد الرئيس. أما بيئة الرواية فهي مدينة الوشاش التي فيها وُلدت وعشت نصف عمري وغادرتها إلى المنفى قبل سبع وعشرين سنة. لا تخرج الرواية منها إلا عند ظهور الشيخ ومريديه وجرته المباركة لترافقه في أسفاره إلى تكريت وسامراء والبصرة ومضارب قبيلة شمر في أطراف الموصل ونجد والقفقاس وكوردستان وقاطع شلامجة وغيرها حيث تدور أساطير الشيخ ومعجزاته.



شكراً أيها العزيز جاسم الولائي، وألف مبروك روايتك البكر، ننتظر منك المزيد والمزيد من الإبداع في كافة المجالات.