الرئيسية » الآداب » فصول من تاريخ المسرح العراقي

فصول من تاريخ المسرح العراقي

ابتلى العراق على امتداد تاريخه بموقعه الجغرافي الوسط الذي يشكل رابطا بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ، وكان على الدوام مجالا سهلا لغزو متواصل وعرضة لااجتياحات متعاقبة من قبل الاقوام القوية والطموحة ، أقوام ان كانت من جيرانها ، او قادمة من الاسقاع البعيدة .

وكانت بسبب هذا الوضع ، لاتتوفر لطقوس ديانات حضاراتها المتعاقبة الفرصة الزمنية بان تعمر طويلا ، تنبثق وهي تحمل معها منذ البداية امكانية دمارها وتوقفها في أي لحظة وهي في اوج نضوجها دون ان تأخذ مداها الى النهاية ، على يد الأقوام الاقوى منها والمتربصة بها دوما ، ذات الحضارات النقيضة ، في أحوال كثيرة.

ونتيجة لهذا الوضع ، تكون تدريجيا المجتمع الرافديني عبر القرون من المواطنين الاصليين والقادمين مع الزحوف الخارجية ، وشكلوا رقعة اجتماعية واسعة لفسيفساء بمختلف الوان من الاعراق والاقوام والثقافات والاديان ، عاشت جنبا الى جنب ، في حالة تفاعل متواصل بين شد وجذب ، مرة يظهر هذا التعايش في حالة توافق و انسجام تام فيما بين هذه الاجزاء دون ان تصل الى درجة التوحد الا في الظاهر ، ومرة يأخذ الشكل العنفي والدامي فيما بينها عندما تحاول عادة المجموعة السائد منها ، عند توفر الظروف المواتية لها (السلطة وأمتلاك القرار) ، ألغاء هوية الضعيف الاخر والسيطرة عليه ، واستمر التوازن والسلام الاجتماعي في العراق يتحقق وفق هذ ا المنوال على الدوام الى اليوم ، وسيبقى المجتمع العراقي على حاله الحالي ، يفتقد الى الاستقرار الحقيقي ، ان لم يعاد بناء أسس هذا المجتمع ، بحيث يضمن توفر النظام الديمقراطي الحقيقي فيه الذي يكفل نمو الفرد العراقي المختلف الجديد ، ويفسح المجال لنمو واسع ومتناسق متساوي لكافة الثقافات الوطنية ، الكبيرة منها والصغيرة ،

منذ الفتوح الاسلامية ، لم ثبرز وتتسيد في العراق غيرعادات وطقوس الثقافة الرسمية الخاصة بالقطاع الاجتماعي الذي يتسيد السلطة ، الذي لايبيح لطقوس ثقافة الآخر ان تعلوا على تقافتها ، الا ما لايتعارض ويقوي من مركز الثقافة الرسمية ( الثقافة الاسلامية في الفترة الاخيرة التي تمتد الى اليوم منذ اكثر من ألف واربعمائة وخمسون عاما ) ، باعتبار دين الاسلام هو الدين الحق الواحد ، دين الختام ، والثقافة الاسلامية ثقافة شاملة جامعة ، وهي صالحة لكل البشر الى يوم الدين ،

وقد تواصلت ممارسة طقوس الثقافات الشعبية المهمشة التي تتعارض مع تعاليم الاسلام بشكل سري باطني ضيق عند بعض الطوائف والجماعات الدينية التي رفضت الدخول الى الاسلام وفضلت دفع الدية البدل ثمنا لهذا الرفض وانسحبت الى الظل ، لم تمت هذه الطقوس وتنتهي تماما في وجدان الناس كما كان يراد منها ، بل أستطاعت ان تتماهى خلف قناع الأسلام ( عند المسلمون الجدد ) ، وأنبعثت بقوة في العادات و الفنون والاداب الفلكلورية الاسلامية المختلفة للعصر الوسيط ، في الحكايات والملاحم وسير الابطال ،والأغاني والرقصات، وتغلغلت حتى في الطقوس الدينية الاسلامية التي أستحدثت في هذه الفترة لاسيما رواية وترديد سيرة ومعجزات الرسول ( ص ) ترتيلا ، وسير الصحابة ( ر ) فيما بعد ، واسطرة الاحداث الاسلامية الكبرى ، وظهرت الأحتفالات الطقسية لدراويش الطرق الصوفية ، والتعازي الحسينية التي كانت تقدم سرا عند الشيعة ، وتمظهرت في فنون واستعراضات الاسواق والشوارع ، التي لم تكن تلاقي ترحيبا كبيرا من السلطة من ايام الرومان، وكانت تقمع احيانا بشدة ، وتدرج هذه الممارسات ضمن النشاطات الهدامة التي يتهم بالوقوف ورائها ، الخوارج والمرتدين والزنادقة والكفار ، يقوم بها العيارون والصعاليك واللصوص وأفاق الطرق ومن لف لفهم .

وبشكل عام شهدت فنون الشارع في العراق بعد سقوط الدولة العباسية ادنى انحطاط لها ، أرتباطا بانحطاط الفنون عموما في اوربا في ظل البابوية الورعة ، وبعد ان توفر للشرق فرصة الاختلاط المباشر والواسع بالغرب بعد فتح الاندلس وأثناء الحملات الصليبية فيما بعد لاسترجاع بيت المقدس، وتأثرنا عميقا بما يمكن ان نسميه مجازا بفعل تسيد الثقافة ( الرومانية ) العالمية المنحطة في العصر الوسيط ، التي كرست اجتماعيا عندنا تحريم قيام المسرح حتى منتصف القرن التاسع عشر ، ومن المحتمل ان سكان الشرق الاسلامي قد شاهدو بعض الطقوس الغربية الاستعراضية لآلام السيد المسيح التي كانت تقدم في المناطق العربية التي احتلها الصليبيون ، او المدن العربية التي فيها اغلبية مسيحية على الأكثر ، ولربما اخذ منها من رأها من شيعة ايران شكل عروض طقوس التشابيه المعروفة في عاشوراء المتواصلة لحد هذا اليوم ، ولم تتحول طقوس آلام المسيح الى اصل المسرح الاوربي الحديث كما هو معروف ، الا بعد عصر النهضة وتسيد العقل في اوربا ، فقط في هذا العصر جرى التمهيد لعزل الكنيسة عن الدولة والسلطة ، وأنخلق الظرف الذي مكن المسرح في العالم أن ينفض عنه الرماد ، ويقوم بقوة من جديد .

ولو رجعنا و تناولنا فنون الشارع الاصلية في العراق قبل الاختلاط والتفاعل المباشر مع الغرب في الحروب الصليبية ، ومنذ الفتح الاسلامي الذي أدت اجرائات الفاتحين الاوائل القليلي الخبرة بحياة المدن المتقدمة ، في قمع طقوسها المختلفة التي تتعلق بمعتقادتها القديمة وفنونها المتوارثة في البداية الى نتائج عكسية فيما بعد ، فقد قويت هذه الطقوس عمليا بين الناس عندما اخذت ما يكفي من الوقت لتنهض وتفرض انتشارا واسعا في وجدان الناس من جديد ، ووجودا أجتماعيا مستفزا أوجع رأس السلطة وفرض عليها منذ الفترة العباسية التراجع الغير معلن والتهادن مع الموروثات الراسخة للشعوب المفتوحة ، وانفتحوا على تراث العالم الانساني المتقدم و المدون وترجموا ونقلوا الى العربية العلوم المختلفة عند هذه الشعوب من علوم الطب والطبيعة والهندسة والكيمياء والفيزياء وغيرها، وطوروها فيما بعد ، وفنونهم في الموسيقى والشعر والفلسفة والادب والمسرح (الذي لم يعرفوه وفهموه بشكل غامض) .

وقد قام بعض خلفائهم من اللذين عرف عنهم التساهل والميل الى اللين وتشجيع الثقافة والفنون ، والنهل الشره من متع ولذائذ يذخ العيش التي توفرت لهم بسهولة في حياتهم وهم في سدة الخلافة ، فخفضوا من ثقل ضغوطهم وغضوا البصر عن ما يجري في الشارع من فنون المساخر، رغم التابوهات الدينية التي كانت تمنع تداولها، بل فتحوا لهذه الفنون ابواب قصورهم ومنتزهاتهم وحدائقهم في احتفالاتهم الخاصة لينهلوا من جميع انواع هذه الفنون التي كان يغلب عليها اللهو ، واغدقوا عليهم العطايا التشجيعية والهدايا السخية ، حتى انه قد وصل وله قسم منهم بالفنون والألعاب ، جعلهم يشاركون بانفسهم الجواري والغلملن في بعض هذه الالعاب ، ويذكر ان أحدهم كان يحرص في ان يصمم بنفغسه ديكور الحفل الذي يقيمه بتزيين اغصان وفروع اشجار حدائقه بصفائح صغيرة من الذهب والفضة ، متى ما صفرت بها الريح تصدر اصواتا اشبه بالألحان ، ( 3 ) .

وخلفاء آخرون لم يكونوا من هواة الاستمتاع بالخمرة و اللهو المجون والرقص وتذوق الطرب والموسيقى فحسب ، وانما قربوا منهم الى حد كبير الروات و الشعراء والندماء والمهرجبن المسلين بحيث لم يكونوا يفارقونهم الا بعد ان ينعسوا تعبا وتحل ساعة النوم ، وقد مارس معظم الخلفاء بأنفسهم نظم الشعر ، وبعضهم التلحين والعزف على العود ، وتصميم وتنظيم الحفلات الاسطورية الباذخة كما ذكرنا .

ان أحتفالات الاسواق والشوارع والتسالي الشعبية في العصور الوسطى كانت بمثابة منبر للتعبير المزاجي و الفني والسياسي الغير رسمي للآقوام والطوائف والكتل الاجتماعية الاسلامية وغير الاسلامية ، وصوت معبر بهذا الشكل او ذاك لمن لاصوت لهم كما يقولون ، يقوم به ( كما وصفوهم ) حفنة من المنبوذين من السلطة والمجتمع ، يقدمون فنونهم المختلفة التي لم يكتب لها ان تتطورالى مسرح فيما بعد ، وبقي التمثيل مجرد مساخر هزلية تعرض ارتجاليا بمعية نمر مسلية اخرى ، كالراقصين على الحبال ، من البهلوانيين والمتشقلبين في الهواء ، ومدربي القرود ، ولم يعثر لحد الان على أي نص مسرحي يعود الى هذه الفترة ، عدا نص يتيم مشهور تناوله بأعجاب جميع الباحثين عن جذور المسرح العربي في بطون الكتب التراثية القديمة ، النص ذكره أبن عبد ربه ، في (العقد الفريد) ( 1 ) ،

النص يحكي ويصف ماكان يقوم به زاهد صوفي متحامق على ايام الخليفة المهدي في يومي الاثنيين والخميس من كل اسبوع ، اذ يصعد على تلة في احد بساتين بغداد و يقيم عليها محكمة ، ينصب فيها نفسه قاضيا ليحاكم كافة خلفاء بني امية ويرسلهم واحدا تلو الاخر الى جهنم ، ولايستثني منهم الا الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي يرسله من دونهم الى الجنة ، عدا هذه الاشارة الوحيدة لخبر هذا الصوفي ، ليست هناك أي اشارات اومصادر اخرى تؤكد او تذكر انه كان هناك اكثر من صوفي متحامق يقدم عروض مشابهة في بغداد ، مما يدلل على ان ماكان يقدمه الصوفي ، لم تكن ظاهرة مسبوقة وممارسة عادية شائعة وواسعة ، ولم يكن يقوم بها احد آخر غير هذا الصوفي بالذات الذي من المحتمل ان يكون واحدا من الدعاة السياسيين من اللذين لايتقاطعون مع توجهات السلطة آنذاك ان لم يكن مرتبطا بها، فالشتم موجه على الخصوص لآل امية اعداء العباسيين الالداد ، وكان في هذه الفترة يوجد الكثير من الدعاة السياسين السلطويين والمعارضين من كل الملل ، المبثوثين في محتشدات الشوارع والاسواق ، الا ان الصوفي انفرد عن هذا الكثير بأسلوبه التشخيصي الجذاب (يتقدم الصوفي الى التلة ممتطيا قصبة او عصا ويحمل سيفا خشبيا ، فيتبعه جمهورعظيم من الرجال والنساء والصبيان ، يتحلقون حوله وينصتون لآحكامه ، فأذا ركب في هذا اليوم فليس لمعلم على صبيانه حكم ولا طاعة ،) ( 2 )

كانت الاسواق والبساتين والفسحات المزروعة في بغداد في ايام الدولة العباسية ، تتحول في ايام احتفالات رأس السنة الجديدة (نوروز) عند اتباع الديانة الزرادشتية والاكراد الى مكانات تكتض بالمواكب المحتفلة بهذا العيد ، واعياد اخرى في نفس الفترة من الفصل ، الذي هو الربيع تعود الى طقوس ( سومرية – بابليه ) كالسهر أحتفالا حتى الصباح في ليلة رأس السنة الجديدة ( ليلة المحية عند الاطفال) وايقاد الشموع في الصواني التي تحمل أعواد البخور و الشموع ورطب التمر والحلويات الشعبية ( التي عرفها العراقيون منذ أن نشاء المطبخ السومري الاول ) مثل المدكوكة و اللوزينة والعلوجه والسمسية والكليجة والمكسرات كالجوز واللوز والفستق والموالح ، الى جانب صف من الاباريق الفخارية الصغيرة المزروعة بنبتات سنابل الحنطة والشعير وباقات أغصان الآس المزهر احتفالا بعودة الخضر الغائب (تموز) ، ويجرف مياه دجلة والفرات في هذه المناسبة ومناسبات تقديم النذور وتحقيق المراد ، في اوقات الغروب كرب النخيل بعد ان توضع عليها الشموع المتقدة ، وتترك فى جرف النهر لينساب بها التيارالهاديء بعيدا الى المجهول ،

ولم تكن تمر الليالي التي ينخسف فيها القمر دون أسترجاع طقوس رافدينية دينية سحيقة مرتبطة بهذه الظاهرة الكونية يقوم بها الناس جماعيا في هذه المناسبة منذ القدم ، بهدف طرد الحوته او التنين او ( تيامت السومرية ) التي تطبق على القمر و تحاول ان تبتلعه ، باحداث الضوضاء والضجيج بالطرق على الصواني والاواني المعدنية وقرع الطبول والدفوف والنفخ بالمزامير والصراخ والتوسل والعويل لازعاجها لتطلق سراحه ، و تقام في نفس الوقت الصلوات الخاشعة ، وترفع التكبيرات من مآذن الجوامع والمساجد ، تتوسل و تطلب الرحمة وزوال الشدة و الشر وحلول الفرج .

وشهدت خانات بغداد في مرحلة الانتعاش التجاري في فنرة الازدهار العباسي ، والتي كانت تؤدي في بعض ما تؤديه من خدمات ، وظيفة الملهى والكباريه ايامنا الحالية ، تقام فيها حفلات الرقص والغناء ، يقوم بها الغلمان والمخنثون و الجواري من جنسيات مختلفة الارمنية والتركية والفارسية والرومية والحبشية والشركسية وغيرهم ، يعني هذا انهم يقدمون فنونا مختلفة المصادر ، لها علاقة بخلفيات ولغات الفنانيين الثقافية الاصلية من العبيد والجواري عادة ، ورواية الحكايات والقصص والملاحم الشعبية والمناظرات الشعرية ، وغيرها من فنون السمر ، وكانت هذه الخانات مكانا لألتقاء التجار ، المحليون منهم والاغراب ، ومحجا لمقتنصي المتع وعلية نخبة القوم من وزراء وشعراء ومرتزقة مداحون ، وخلفاء متخفون بزي التجار أحيانا ، والكثير من الشرطة السرية والعسس .

ان الكثيرين من الباحثين الذين انشغلوا في التفتيش ببطون كتب التراث عن وجود فن مسرح في العراق منذ نهايات ستينات القرن الماضي ، توصلوا الى ان هذه المظاهر الاحتفالية الشعبية هي نوع من المسرح الذي عرفه العراقيون له خصوصيته وفرادته المحلية التي تختلف عن اسس وخصوصية المسرح اليوناني الذي لم يحتاجوه في يوم من الايام ( حسب زعمهم ) ، واستراح بالهم عند هذا الاكتشاف . .

ان هذه النتيجة التي توصلوا اليها بعد ان اعياهم البحث اللامجدي عن وجود مسرح للأجداد الاوائل ، هي نتائج بطبيعة الحال خاطئة و تبريرية بعيدة كثيرا عن الصحة و العلمية ، فالتمثيل وحده والملامح الدرامية في الطقوس الدينية ، والالعاب والاغاني والرقص والتسالي الفلكولورية الشعبية موجودة عند كل الشعوب والتجمعات البشرية ، ان كانت بدائية او متقدمة ، التي عرفت المسرح أ و لم تعرفه ، وتتشابه فيما بينها كثيراكعناصر فولكلورية تكونت على حده بالتراكم عند كل الامم ، وهي بمعية الطقوس الدينية أشبه بدرجة من السلم الذي يؤدي الى منصة الفن المسرحي في آخر المطاف ، والذي لم نستطع نحن لاسباب موضوعية ان نتسلق درجاتها الى النهاية ، تكمن في الجوهر الاسنبدادي الشرقي الراسخ للأساس الذي تقوم عليه العلاقات الاجتماعية بدئا من أصغر دائرة هي العائلة ، وحتى الدائرة القصوى الاكبر الدولة وشكل النظم السياسية التي تكرر نفسها بجمود ( ذكرنا هذه الاسباب في اكثر من موضع في فصول هذا الكتاب ) أي ان الاستبداد الذي يكبل كل انواع الحريات الشخصية والعامة ، من شأنه ان يقمع نمو هذه الطقوس والفنون بشكل طبيعي ، ويمنع أنتقالها النوعي الى فن المسرح ، ويرتبط كل هذا بتطور المدنية والعصرنة المتواصلة وتحرير العقل .

ان الاديان التوحيدية الشرقية لاسيما ( اليهودية والمسيحية ) عرفت من دون شك نوعا من الطقوس الدرامية ، وهناك قصائد غزلية شهوانية محيرة في العهد القديم ، من مثل نشيد الانشاد للملك سليمان ، وايضا مزامير داوود ، تذكرنا بالقصائد الابتهالية عند السومريين والبابليين والآشورين التي ترفع لألهي الخصب ( عشتار وتموز) ، مما يدل على قوة تأثير المصدر الرافديني على بنية الطقوس التعبدية للديانة العبرية ، فكما ان القصائد التي تبجيل تموز وعشتار لم تخرج من دائرة طقس المعبد والاحتفالات السنوية المقدسة ، ظل نشيد الانشاد والمزامير عبارة عن قطع ادبية محفوظة في دفتي كتاب العهد القديم .

واذ يخلوا التراث العبري والمسيحي من أي اشارة عن قبولهما بفكرة فن المسرح الذي زامنوه مزدهرا منذ عهد الأغريق ، وانحطاطه فيما بعد في زمن الرومان التي وقفت موقفا مناهضا تجاهه بعد سقوط الامبراطورية الهيلينية وتفتتها ، ومحرما له في فترة روما وبيزنطية المسيحيتين باعتبار المسرح يمجد الالهة في الاولمب ، التي كفرت به الديانتين .

وعندما جاء الاسلام ، جاء في الفترة التي كان فيها المسرح غائبا و محضورا ممارسته في كافة ارجاء روما والقسطنطينية ، بعد سقوط روما الهيلينية وتفتتها عام ( 276 ق – م ) ، لم تتوفر فرصة ان يتعرف عليه المسلمون اطلاقا ( لانه كان مغيبا عن الناس منذ حوالى الف عام تقريبا قبل ان يدخل الاسلام الى العراق )، الا ان المسلمين واصلوا تقليد نهج الاديان التوحيدية السابقه في منع ممارسته مع فنون الشوارع والاسواق ، ولنفس السبب ( الخوف من الشرك بالله الواحد ) ، بل شدد فيما بعد بعض المتزمتين من فقهاء المسلمين من خريجي الازهر الشريف في القرن الماضي على منع ممارسته بالاطلاق ، ومناهضة التمثيل ، باعتباره بدعة دخيلة جاء بها الكفار المحتلين منذ الحملة الفرنسية على مصر ، لذا عدت من الكبائر والمعصيات .

ان هذه الفتاوى الموجهة لشعب امي بنسبة تزيد عن ( 90% ) عند صدور هذه الفتاوي لابد ان يجد تجاوبا كبيرا عندها وقبولا أعمى ، لمصدرها القداسي ، ( رجال الدين المربوطون بالعالم القديم الراكد وقيمه والذين وقفوا تقليديا بوجه تحديث وتجديد المجتمع منذ البداية )، كان مازال لقول رجال الدين دورا مؤثرا و حاسما في صياغة وتوجيه الرأي العام الشعبي ، يفوق دوروكلمة الدولة العراقية الحديثة التي جاء بها الكفار و الاحتلال ، و التي كانت العلاقة التي تربط الناس بها ، علاقة شك وريبة وعدم ثقة ، وقد وقف الناس موقفا مناهضا غير متبصر تجاه جميع أجرائات الدولة ألأصلاحية الجديدة المفيدة لهم ولتقدم العراق، كأقامة المدارس الحديثة والمستشفيات وشق الطرق وتحسين المواصلات ومكننة الصناعة وغيرها من كل ما له شأن أن يحرك الارض الراكدة من قرون ويربكها من تحت اقدامهم ، وتوقضهم من سباتهم الذي غيبهم عن العالم المتحرك حولهم بعد سقوط الامبراطورية العثمانية.

لقد احتاج المسرح العراقي الى اكثر من ثلاثة ارباع القرن ( حتى ثورة 14 تموز 1958 بالتحديد ) حتى يتمكن من ان يهادن ويعقد صلحا مع الموروث الشعبي من عادات قديمة وطقوس.وديانات ، وبعد صراع مفتعل ضارى تمكن تدريجيا من ازالة المعوقات التي كانت تعيق التجذر في الارض الشعبية والتعايش بسلام مع اعراف العراقية الاخرى ويتحول الى جزء منها ،

لقد كا ن الأنتصار الحتمي للمسرح العراقي الغريب والوافد على الموروث العراقي ، مرتبط بانتصار التقدم الاجتماعي على التخلف ، وأستطاع المسرح ان يفرض نفسه و يترسخ كمنجز تقدمي صعب من منجزات العراق الحديث ، بعد طي العالم القديم في العراق الى الابد و الذي كان يمثله العهد الملكي وقاعدته الاجتماعيه ، الاقطاع ومثلها المعرقلة.
_________________________________________________

1- العقد الغريد – الجزء السادس ، (راحع ص 152- 154 ) – ابن عبد ربه – تحقيق أحمد امين وابراهيم الانباري وعبد السلام هارون ، – لجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة – 1967

2- المصدر السابق.

3- لاشك ان اخبار بذخ الخلفاء والسلاطين في حياتهم داخل القصور، الواردة في المصادر المختلفة المكتوبة في العصور الوسطى ، هي اخبار غير دقيقة تماما و مبالغ فيها بشكل كبير ، يلعب فيها الخيال الشعبي دورا كبيرا في صياغتها ، وهي مأخوذة عن ما كان يشاع بين الناس التي لم تكن تستطيع ان تقترب في يوم من الايام من جدران هذه القصور. وهي اخبار لاتنفع كما هي على حالها كمصدر ، لاكنها تعطي ملامح مضببة لما يمكن ان تبدو عليه صورة المجتمع آنذاك وما كان يدور فيه في الواقع من خلال تشذيبها من الروايات الاسطورية واللامعقولة في الوصف ، واعادة قراءة السطور علميا مجددا وبواقعية .