الرئيسية » مقالات » رسالة مفتوحة الى الدكتور اياد علاوي: أيدناك.. فخذلتنا

رسالة مفتوحة الى الدكتور اياد علاوي: أيدناك.. فخذلتنا

أحسب نفسي من متابعي مشوارك عن مسافة ليست بعيدة منذ ما يقارب العشرين سنة، واعرف بعضا مما لايعرفه الكثيرون عن معاركك وخصوماتك و”الاطارات” السياسية التي تحركت فيها ومنها، واحتفظ بقصاصات وفيرة من تلك الفترة، بعضها مما لا يصلح العودة اليه الآن، والاخر مما لا يمكن طيه بسهولة، واستطيع القول، إذْ اخفقتَ في ان تكوّن فريقا متواصلا معك من رفاقك واصحاب تجربتك وحلفائك، انك كنت اكثر جرأة ومناورة منهم، وربما، اكثر موهبة في التحرر من التزامات الشراكة السياسية(والحزبية) ولوازمها.. واكثر ازدراء للعمل على المكشوف.
واقطع اني لا اعرف إلا ما نشر وما اشيع من الاسباب التي دعت غالبية صحبة التسعينيات من شركائك الى الابتعاد عن جادتك التي بدت لهم وعرة ومكلفة، والنزول من مسارك الذي اعتبروه غامضا، وكان بينهم سياسيون معروفون، وعسكريون لامعون، ومثقفون وصحفيون وخبراء اقتصاد ودبلوماسية يشار لهم بالبنان، واعرف انك اخترت، بديلا عنهم، شخصيات اكثرهم لا يعترض، ولا يجيد غير تنفيذ الاوامر، وبعضهم يفتقر الى سجل له شأن، وحتى اكون منصفا، فان هذه المعابة تضرب صفوف الزعامة السياسية في العراق، إذ يفضل الكثير منها شركاء لا ينافسونهم على القيادة والامتيازات، ولا يقفون انداد لهم في صياغة السياسات والمواقف، وقد اجتهدُ قليلا لإقول ان هذه العاهة (الضيق من التنافس على الموقع القيادي) هي بعضٌ من سايكولوجية الاعجاب(والتأثر) الخفي بالاسلوب الاستبدادي للطاغية انتقلَ الى الطبقة السياسية العراقية من خلال الصراع الدموي المديد معه، وقد نجد ظلال هذا العيب في كثرة الانشقاقات في جميع الاحزاب، وإنْ بايات متفاوتة.
وفيما حل عهد التغيير في العراق، ورحل الدكتاتور، وتداخلت صفوف الكراسي ببعضها، وحل لاعبون محل لاعبين، وسقط الكثير من الفرضيات والاسماء، واختضت الخيارات والارادات والتحالفات، كنتُ من بين العديد من اصحاب الرأي الحر والبصيرة المستقلة نتهجأ دورك بالكثير من الحذر، وربما الاعجاب، وقد تواتر اقترابنا منك في خلال موقفك الصلب من المشروع الارهابي، ثم من صعود غول الطائفية البغيض، فوجدنا انفسنا امام صناديق الانتخاب الى البرلمان لنختارك عنوانا لصبواتنا الجديدة نحو عراق يخرج الى الهواء الطلق، لاطائفيا ولا طاليبانيا.
وكانت مربعات الاستقطاب وحافات الصراع الطائفية والخشية من انكفاء التجربة الديمقراطية الى نظام ديني قهري تدفع جماعة المثقفين الليبراليين وجمهورا واسعا من متعلمي المدن وشرائح مستقلة، الى المراهنة على زعامتك كصوت لرجاء الانتقال الى دولة المدنية والابداع، وكان الكثيرون منا يلتمسون العذر لبعض الاساليب والشعارات التي اعتمدتها في معركتك، ويتقبلونها على مضض في ظل التجييش الظالم الذي طالك من قوى العنف والطائفية ومن خيوط تتصل بالخارج، وايضا في مواجهة حملة الاغتيالات المنهجية التي طالت دعاة مشروعك وقائمتك الانتخابية، وبدلا من ان تقترب منا، اعني من الوسط الليبرالي الديمقراطي اللاطائفي، وتنصت الى مخاوفنا، فانك هربت الى الوراء وراهنت-كما يبدو- على المجهول.. فهُزمتَ، للاسف، وهُزمنا معك.
ثم، دعني اصارحك، اخي ابا حمزة، ان جزءا كبيرا من ثمن خسرانك للسلطة، ثم الانتخابات، دفعناها نحن، ابناء الجسم الثقافي الليبرالي المدني، وجميع المتشبثين بخيار الاعتدال والفصل بين الدين والسياسة والحاق الهزيمة بقوى البربرية الارهابية، على الرغم انك لا تحتفظ بعلاقة ودية مع هذا الطيف العراقي الواسع، بل وبينك وبينه ريبة قد تكون متبادلة. في هذا، كما اعتقد، مفارقة الاشياء، وخيط المرارة.
وقد ننكأ الجراح حين نفتح ملف مواقفك السلبية من محنة الادباء العراقيين، إذ اغار عليهم، وعلى اتحادهم النهاشون، من كل جانب، وطاردهم، بخسة، فرسان الثقافة الرسمية لدى دول الجامعة العربية، وحاصرتهم قفازات حكومة الدكتور الجعفري واهدرت دماءهم فضلات الارهاب والمليشيات المنفلتة، ولولا لفتة الرئيس جلال الطالباني الاخيرة لألقي بكراسي وطاولات الاتحاد المتداعية الى الشارع.. وانت، كأنك لا تعلم بما حل ويحل بهذه الجمهرة التي تبدع وطنا نقيا ونزيها ولا طائفيا هو الوطن الذي تتبنى الدعوة اليه، وقد اخبرني صديق من الاتحاد انهم حاولوا عبثا تحريك نخوتك يوم كنت في السلطة، ثم حين كنت خارجها، فلم تستجب مع انك احوج ما تكون الى هذه الجمهرة، حاكما او معارضا.. انك، باختصار، لم تفعل سوى انك زدت في حيرتنا حيرة.
ثم، ان سياسيا مثلك لا بد ان يكون شديد الاعتزاز بهذه الكوكبة اللامعة من السياسيين الذين سموا فوق الانانية الفئوية وغبار الطائفية وقبلوا زعامتك عن طيب خاطر، الباجه جي. حاجم الحسني. غازي الياور. حميد موسى. مهدي الحافظ. وائل عبداللطيف. خير الله البصري. صفية السهيل. حسين الشعلان، عزت الشابندر وآخرون، لكنك، للاسف، خسرتهم، وغيرهم الكثير، واحدا بعد الاخر، فلا يصح انهم جميعا كانوا على خطأ في الشكوى من انك كنت تنفرد في اتخاذ المواقف، وتصر على تمشية الرأي الذي تعتقد، في مرحلة شديدة التعقيد والتضارب والتنوع والتداخل وجوب مزيد من التشاور والتأني والاقناع واستمزاج الاراء.
وهكذا ضاعت تجربة طيبة، كنت على رأسها، وكانت ستسجل دالة رائدة في شراكة العمل السياسي في العراق الجديد، وتقلب، بشئ من الحكمة والصمود، الكثير من الاقدار السياسية ومعادلات الامر الواقع. بالضبط حين كانت الحاجة ماسة وضرورية الى اختبار صبرك في ادارة الرأي والاختلاف وبناء المواقف على اساس الشراكة.
لقد كانت مشيئاتك السياسية الاخيرة موضع تساؤل وحيرة في صفوفنا، نحن انصارك، او هكذا يفترض، اشير الى الاستقواء على استطرادات الحكم القائم بادوات خارجية مطعون بسلامة نياتها إزاء التغيير في العراق، وبالاستطراد في التعريض بمعسكر حاكم(الائتلاف) تتهمه بالطائفية واعتماد المحاصصة قدما نحو التحالف مع معسكر معارض (التوافق) متهم هو الاخر بالطائفية، ومتمسك، بل ومقاتل لتكريس المحاصصة، ثم، واخيرا، بالاتصال مع فلول حزب البعث، وكان هذا بمثابة رصاصة الرحمة على مشروع الليبرالية اللاطائفية المنشود، وعلى تجمعٍ علقنا على صدره أهلّة المستقبل، حين اختزلت القضية كلها كما لو انها صراعا على الكرسي.
من جانبي، لا اناهض، من حيث المبدأ، فكرة الحوار مع اعضاء الحزب الحاكم السابقين، وحتى مع حملة السلاح منهم، لكن ليس قبل ان يراجعوا، علنا، وبالصوت والصورة، ما ارتكبه حزبهم بحق العراق، وبحقنا، نحن الضحايا إذ لا تزال آثار سياطهم على جلودنا.
وفي كل الاحوال، من حقك، أخي الدكتور أياد، بل من الواجب، كما أظن، أن لا تستسلم لمشيئة الامر الواقع، وان لا تجلس على “طاولة اللئام” ريثما يمنّون عليك بفتات طائفية مغشوشة، وكنتَ –في الحق- محقا في التشويش على محاولات استئصالك من اللوحة، كما كنت موضع إعجابي في بعض(أقول: بعض) حركات الالتفاف على ما كنت تسميه الخطوط الحمر التي تزايدت في طريقك، وأظن، مع ذلك، ان أكبر غلطة أرتكبتها تتمثل في أبتعادك عن الحليف الكردي، كظهير، في وقت لم تكن القيادة الكردية لتفرط بدورك، ولم يكن ليسرها، لإسباب تعرفها ويعرفها المتابعون، ان تكون ضعيفا على لوحة التجاذبات، وفي هذا الملف كلام كثير، قد تكون جزئيا على حق فيه.
غير ان الذي لا يُفهم هو خذلانك لحملة التصدي لطائفية في الحكم بالتقرب الى طائفية في المعارضة، ويحار من يراجع مسلسل الاخبار، ولقاءاتك الفضائية، في رصد مغزى حديثك عن جبهة تضم قوى طائفية، هي نفسها، تعد للقصاص منك، وقل –إذا احسنا الظن- تريدك ساعي بريد لنقل رسائل الى جهات امريكية، كما يحار في تأويل خلفيات اتصالك بقيادة عزة الدوري البعثية، فيما تعيد هذه القيادة يوميا انتاج فكر الثأر والكراهية والقتل، واستطيع ان اوفر على نفسي الحديث عن غيّ هذه القيادة وعدم اتعاضها مما حدث ويحدث، فاقترح عليك الاطلاع على موقعها الالكتروني (البصرة-نت) وهناك ستقرأ ما كتبوا عنك بالذات القول نصا: “ان حزبنا يؤكد بانه يرفض باي شكل وصورة عودة اياد علاوي للحكم لانه كبير الجواسيس واحد المجرمين الذين مهدوا للاحتلال ودمار العراق”.
وإذ أكرر القول إنني مع محاورة اعضاء حزب البعث، وضد نهج الاستئصال والاجتثاث، ومع بناء ارادة لطي صفحات الماضي، ومع خيار العفو، والتسامح، لكن لا استطيع ان ارى جدوى من خطوتك هذه إن لم تتزامن مع قيام تلك القيادة بمراجعةٍ جادة ونقدية لمرحلة حكم الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد البغيض، وقد استمعتُ وقرأت الكثير من التبريرات عن تفاوضك مع قيادة الدوري، لكني، للأسف، خُذلت للطريقة التبسيطية التي دافع بها السيد اياد جمال الدين عن هذا الخيار، وكان بودي لو استمعَ الى ما ذكره لي قيادي بعثي وسفير سابق كان قد التقى رفاقه القدامي في عاصمة عربية وناقشهم طويلا، واجملَ رأيه بالقول: “الجماعة لا يريدون ان يتخلوا عن لغة الدم والقتل، وكأنهم ما زالوا في السلطة”.
والان، ثمة الكثير من الخواطر كنتُ، اخي ابا حمزة، ساتعرض لها في هذه الرسالة المفتوحة، مما يشغلني، ويشغل الكثير من اصحاب الكلمة ورسالة الثقافة، والصبوات الطليقة غير المتحزبة، غير اني حاذرت من الاستطراد الى التفاصيل، واخترت التأشير على مشغوليات ساخنة، وهي مشغوليات – كما ترى- ليست ذاتية، ولا هي من فائض ردود افعال، او تخطيطات من خارج لوحة الصراع والمخاوف التي تعصف بنا.
وإذ اخاطبك، بهذه الصراحة، فاني احاور المشروع المدني اللاطائفي بامتداده العربي والكردي الذي اؤمن به، وافترض انه مشروعك قبل ذلك، حيث كان له، من بين امكانات اخرى، ان ينقذ البلاد من اهوال الحرب الاهلية، ويجنب العراقيين مآل الاقتتال العبثي، وكنت اعتقد ان الحياة وضعت هذا المشروع في قلب احتمالات التغيير.. وقبل بضعة اشهر كنتُ قد قلت لك هذا المفصل من الكلام امام اصدقاء.. واتذكر انك اومأت برأسك علامة الموافقة.
وبالامس ذهلتُ من تصريحك (بالتلفون) الى محطة سي ان ان وتعلن فيه انك لست ضد تسييس الدين، وتقول بالضبط “ان تسييس الدين حق طبيعي” وقد تساءلتُ عما بقي من علمانية اياد علاوي بعد ان جرى تمزيق مشروعه اللاطائفي في حمية معارضة الحكم، في وقت جر الاسلام السياسي بلادنا الى المحرقة الطائفية والمجهول بعد ان عُرف على نطاق واسع، حتى بالنسبة للسذج، بان تسييس الدين في العراق ليس سوى عنوان لتوظيف الدين في خدمة الطائفية (اطروحة اياد جمال الدين المعروفة).
بل ان مراجع وعلماء دين ومصلحين اسلاميين عراقيين معروفين، من الطائفتين، صاروا يتلمسون خطر تسييس الدين على السلم الاهلي، ويراجعون خطايا السنوات الاربعة الماضية اذ الحق هذا الخيار الضرر الكبير بالاسلام والشريعة وتسبب في احراق وهدم الاف المساجد ومقتل مئات العلماء والوكلاء والخطباء والمؤذنين ليس على ايدي علمانيين (طبعا) بل على ايدي مهووسين بالاسلام السياسي واحزابه ومنظماته التكفيرية، وقد اصدر اية الله السيد اسحاق الفياض نداء رمضانيا الى المبلغين والمبلغات بوجوب الابتعاد عن تسييس الدين والحذر من توظيف مساجد الله في خدمة الزعامات السياسية.
لقد ساعدني احد المحللين السياسيين بالقول ان اجازة الدكتورعلاوي تسييس الدين محسوبة بدواعي تطمين جهات خليجية تتحسس ازاء فكرة فصل الدين عن السياسة، ولما كنتُ محصنا ضد نظرية المؤامرة فقد استبعدت هذا التأويل ولم اتبناه، غير اني سابقى بحاجة ماسة لرصد المنفعة السياسية من وراء هذه الاستدارة، او من وراء هذه الرحلة المضنية “الى الحج والناس عائدة” كما يقول المثل.
واخيرا احسب، عزيزي الدكتور اياد علاوي، ان الهاوية المخيفة التي نقف على مشارفها تسمح لنا جميعا ان نتصارح، فليس ثمة وقت للمجاملة فيما نسمع صوت الدوي، من بعيد.