الرئيسية » مقالات » لماذا لا نقتدي بالمثقفين (المشاغبين)؟! مشاغبون في متاحف الجليد!

لماذا لا نقتدي بالمثقفين (المشاغبين)؟! مشاغبون في متاحف الجليد!

في المتحف التاريخي لثورة اكتوبر 1917 في روسيا هناك عدد من الوثائق المعروضة في قاعة شعوب الشرق، والمتعلقة بمرحلة الغزو البريطاني الأول للعراق ، في مطلع القرن الماضي..وبين تلك الوثائق رسالة كتب فيها احد القادة العسكريين البريطانيين الى قيادته توصية ، يدون فيها اسماء اول مجموعة من (الشباب العراقيين – المتعلمين المشاغبين!- الذين يثيرون العامة ضد جيوش صاحبة الجلالة) وهؤلاء الشباب المتعلمين هم: أولئك الذين سيصبحون فيما بعد رموز العراق الوطنية والثقافية..ومنهم شاعرنا الخالد محمد مهدي الجواهري ، والمفكر والمناضل حسين الرحال ، ورائد الرواية العراقية محمود احمد السيد ، والمناضل الديمقراطي المحامي حسين جميل..


“أبو فرات” مندوبنا للسلام وسط حمى التحضير للحرب الباردة!

· في عام 1948 وبعد ان خربت الحرب جل مابناه الانسان، تنادى مثقفوا العالم لتأسيس حركة السلام العالمي في مدينة بروكلاو ببولندا.. ولم يجلس في هذا المؤتمر التأسيسي الى جانب بيكاسو وجوليو كوري وبابلو نيرودا أي مثقف عربي ، سوى الجواهري الكبير.. فيما كانت الدسائس تحاك في بغداد ، وحول بغداد ، وبعيدا عن بغداد .. لإنشاء (حلف بغداد) كأحد مقومات الحرب الباردة والحروب الإقليمية ، وكانت أولى وثائق المؤتمر تؤكد على حق الانسان في العيش الحر الكريم والآمن..بعيدا عن كل أشكال الاستغلال والاستعباد والعدوان والاحتلال..



الشاعرعلي جليل الوردي صادحا؟!

· في الصرح الأكاديمي عندما يسمعون اسم على الوردي لن يشك أحدا بان المعني هو عالم الاجتماع الكبير علي الوردي ..لكن في ساحات الشعر والنضال الوطني الديمقراطي والدعوة للسلم والتسامح يذهبون دون شك إلى الشاعر الوطني ورجل السلم والديمقراطية علي جليل الوردي..الذي أول من تغنى بثورة تموز 1958 غداة انطلاقها:

كل شيء بعد تموز جديد ..السما والأرض والفجر الوليد..

وصارت أغنيته تلك ترنيمة على شفاه أطفال العراق الفقراء على امتداد مدارس الحجر ، والقصب ، والطين في كل العراق..في أبهى مراحل الوعي الوطني الشعبي الذي أعقب الثورة .. قبل أن تستبيحه الإيديولوجيات والمصالح والمطامع والصراعات والتدخلات الأجنبية.

وفي مقاطعته لخطاب الزعيم عبد الكريم قاسم في قاعة الشعب عام 1961 ، والذي أسرف في استخدام “إنني” في ذلك الخطاب مثلما في خطبه الأخرى..أوقفه شاعرنا الوردي : مذكرا ،ومنبها ، ومحذرا ، وناصحا ، وسط الصمت الذي يخيم على القاعة المصغية ..فيما الملايين خارج القاعة تهتف للزعيم:

لولا الصدور الحانيات على اللظى.. ما كان تموز ولا من ينصروا!

ولم يتعض العقلاء من المفكرين والسياسيين من صيحة شاعرنا الوردي المحذر من تنامي وباء عبودية الفرد التي أصبحت ميزة حياتنا السياسية والعامة..وتفشى ذلك الوباء ذو الجذور التاريخية ..حتى شاعت عبادة الأصنام السياسية في حياتنا السياسية والعامة على حساب حقوق وحرية وكرامة الإنسان العراقي!.

ومازال شاعرنا الوردي رغم تتالي النكبات عليه .. متماسك الموقف.. فصيح العبارة.. جلي الرؤية ..كما كان قبل أكثر من نصف قرن:

· نصيرا للسلم والتسامح..

· وداعية للديمقراطية..

· ومبدعا وعاشقا للشعر..

· وفصيحا في قول الحق..

· وممتطيا صهوة الكبرياء..

· وكادحا للرزق..

· وسخيا في العطاء..

وهو اليوم ابن العقد التاسع (أتمنى له العمر المديد..وهو يرقب من عزلته ..اهتراء الشعارات ، وريبة النوايا ، وعسف المطامع ، ووحشية الأفعال وتبدد الأحلام، وغطرسة الغزاة، وتلويث الغرباء لنقاء الوطن).

ومنذ ذلك الحين والسجون العراقية في العقود والعهود المتعاقبة تغص بخيرة مثقفي العراق من مختلف القوميات والاديان والطوائف والاحزاب :

يا نخلة في سجن بغداد أتذكرين..

غناءنا الحزين!؟*

وهم يلتفون حول رؤية واضحة التوجهات ( طرد المستعمرين وإقامة حكومة ديمقراطية في العراق تمنح الشعب الكردي حقوقه القومية المشروعة).. وقضى العديد منهم شهداء على طريق حرية الوطن والإنسان..

واليوم مثلما كانوا قبل ثمانين سنة مازال (المثقفون المشاغبون) يطلقون أرواحهم قبل أصواتهم من اجل ذات الأهداف..



أحلام رشاد حاتم ..وثعالب المحتلين..

في زيارة نادرة للفنان الرائد رشاد حاتم قبل وفاته (1912-1976) روى الفنان الراحل جانبا من تجربته النضالية والإنسانية والإبداعية في السجن ، عندما كان محكوما مع يوسف سلمان يوسف(فهد) ورفيقيه حازم وصارم: في تلك الآونة استقدم الانجليز فرقة للسيرك – للترفيه – عن السجناء، وكان السجناء متحلقين حول الفرقة يتابعون باسترخاء فقرات البرنامج الساخر الذي تقدمه الفرقة..لكن رشاد حاتم وحده كان يلاحق الثعالب بمرح لفت انتباه رفاقة واستغرابهم ..دون أن يجدوا تفسيرا لـ_ خفة _ الرفيق رشاد حاتم الذي عرف بالرصانة.. وبعد انتهاء الزيارة بدد الفنان دهشة رفاقه عندما اخرج حفنة من شعر الثعالب بقبضته من جيب سرواله وهو يقول منتشيا: لقد غنمت ما يكفيني لصنع عشرات الفرش للرسم!..

كان رشاد حاتم واحدا من أولئك المثقفين الذين أبدعوا في تصديهم للاستعمار أساليب نضالية تنظيمية مختلفة ، وقدموا نتاجات ثقافية شكلت احد اسس الثقافة والعلوم والاداب والفنون الوطنية العراقية التقدمية الحديثة.. واسهموا بشكل جوهري في تهيئة الظروف السياسية والثقافية والنفسية والتنظيمية التي مهدت وشاركت في انتصار ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958 بقيادة الزعيم الوطني المرحوم عبد الكريم قاسم.



عبد الجبار عبد الله بين الحقيقة العلمية والعدل الاجتماعي

لقد عرف عن العالم العراقي الكبير عبد الجبار عبد الله إلى جانب نبوغه العلمي ، ثبات مواقفه الوطنية ، وسطوع قيمه الإنسانية ، ووضوح مواقفه الاجتماعية التقدمية ، والتي دفع ثمنها سنوات من عمره الجليل،انتزعت من فرصة شعبنا للتنمية والتقدم ، لان حياة عبد الجبار عبد الله وغيره من مبدعي العراق هي فرص وهبت لشعبنا لكي يتقدم بها . لكن الوحوش انتزعوها من بين إضلاع تاريخنا ، فدمرونا بإقصاء هؤلاء المبدعين عن مواقع إدارة التنمية الشاملة ، ومازالوا يستأصلون مصادر الإبداع ويطحنون المبدعين تحت عجلات التخويف والعوز والتهميش والتضليل والإقصاء، لان عبد الجبار عبد الله لم يكن إلا باحثا عن الحقيقة ، العلمية منها والاجتماعية .



ثقافة متنوعة الجذور .. تقدمية المضامين

· إن من بين أهم مميزات نتاجات المثقفين العراقيين هي: المضمون الاجتماعي التقدمي والبعد الإنساني الحميم النابع من تركيبتهم المنبثقة عن تنوع وتعدد مكونات شعبنا والتي جعلتهم أكثر من غيرهم يتوجهون بنتاجاتهم ومواقفهم نحو استقراء واستقصاء هموم الانسان، واستنطاق مكنونات أحلامه المكبلة بالتعسف المتوارث والمتراكم والمتواتر، وتفهم والتضامن مع ضحايا الاضطهاد والاستعمار في كل انحاء العالم..وسيجد المتصفح لنتاجات مثقفينا من العرب والكورد والتركمان والكلدواشوريين، ومن المسلمين والمسيحيين والايزيديين والصابئة والشبك واليهود ..سيجد دون عناء إن (ثقافتنا الوطنية العراقية) تتجلى في ذلك الاداء الانساني والقيمي والاخلاقي السامي المتضوع في كل نتاجات هؤلاء المثقفين والمبدعين العراقيين المعادين لمختلف اشكال الاستعمار والاستبداد والتمييز والاضطهاد وقمع الحريات وتجويع الشعوب..



البياتي المجدد.. يُحرِّض جرح الاستعباد على العصيان..

فهذا شاعرنا البياتي الرائد..يحرض جرح الاستعباد الغائر في قلوب الشعوب على العصيان:

العار للجبناء،للمتفرجين..

العار للخطباء من شرفاتهم،للزاعمين..

للخادعين شعوبهم ،للبائعين..

فكلوا، فهذا اخر الاعياد،لحمي..

واشربوا،ياخائنون!

· ان تنوع مصادر ثقافتنا الوطنية وعمق جذورها التاريخية .. جعل المثقف العراقي متميزا بثقافته (الوطنية التقدمية) ذات العبق (القومي الإنساني) والمدى (الاممي) المعبر عن معاناة وتطلعات الكادحين الواسعة في كل بقاع الأرض.



قبل نصف قرن.. كوران الخالد ، يحذر من فتنة تدور رحاها اليوم؟!

· لقد استشرف شاعرنا الخالد عبد الله كوران (ابن حلبجة الشهيدة 1904-1962) قبل اكثر من نصف قرن..الدروب الشائكة التي يقحمنا فيها ضيقو الافق من المحتلين والارهابين والعنصريين والمحاصصين اليوم..ورصد بوجدانه الانساني الغني وروحه الوطنية الحميمة وحسه الكوردي النقي..طبيعة الصراع وهوية الضحايا وقدرهم ..حيث يقول:

“اخي العربي..

لمع سيف..

وغرق بريقه في دماء..

سالت من عنق ابي..

على تراب التاريخ..

وفجعنا كلانا بأبوينا..

الهموم تعصر أعيننا قطرة ..قطرة..

فتعانقنا وبكينا معا..

فجعل البكاء منا اخوين”

كيف لا.. وهو القائل:

كنت بلبلاً، واود ان اغرد للشعب ما بقيت حياً وان اقتات على كسرة خبز يابس وارتدي رث الثياب..



رغم تلبد الظلمة .. شاعرنا الفصيح احمد مطر يوقد وجعا مضيئا في قرارة اليأس؟!

ورغم “طفح الليل” فان شاعرنا احمد مطر..يوقد وجعا مضيئا في قرارة اليأس :

وماذا غير نور الفجر بعد الظلمات..

حين ياتي فجرنا عما قريب

ياطغاة..

يتمنى خيركم ..

لو انه كان حصاة

اوغبارا في الفلاة..

او بقايا بعرة في است شاة..

هيئوا كشف أمانيكم من الآن..

فان الفجر آت..

اظننتم ساعة السطو على الميراث..

إن الحق مات؟!

لم يمت بل هو آت!!



شاعرنا الصراف يفقئ عيون الفتنة قبل عقود من الزمن ؟!

يقول الشاعر أحمد حامد الصراف في رثاء المفكر واللغوي العراقي الكبير الأب انستاس الكرملي(بطرس جبرائيل يوسف عواد):

وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا

جوامعنا في جنبهن الكنائس

وسوف يعيش الشعب في وحدة له

عمائمنا في جنبهن القلانس

وكأنه يوقد شمعة في الظلمة التي يستميت الوحوش من اجل عسعستها في عقول البسطاء من أبناء شعبنا.



أبو كاطع يحذر من الجرافة (كتر بلر)!

· ذات مساء في دار الرواد مطلع عام 1975 كان الكاتب الشعبي والإعلامي العراقي المرموق المنبثق من خارج مستنقع الإعلام السلطوي ، الراحل شمران الياسري(أبو كاطع) الذي عرف بـ(صراحته)- ، يستبدل نصا رفضه (الرفيق الرقيب) لفصاحته وانبثاقه من وجع العراقيين، ويقدم نصا آخرا (مخففا!!) في فضحه لعورة النظام وكشفه لرائحة الدم التي تنزف في جسد العراق، كي لا تتعثر (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)، وكان إزاءه الشخصية الوطنية الكبيرة (أبو يحيى) الراحل زكي خيري، يقرأ على عجل فقرات من النص البديل.. وفجأة أعاده إليه حازما وباسما:

o عندك غيره..لا يؤدي إلى غلق الجريدة ؟!

انتزع أبو كاطع حزمة أوراق من جيبه كتبت على ورق الجريدة ووضعه على الطاولة ..ضاحكا:

o هذا المقال البديل الثالث..وبعد هذا أبَطِّلْ إذا لم يُنشر..!

وبابتسامته الرصينة رد عليه أبو يحيى :

o من شنو تبَطِّل؟!

فرد (ابو كاطع ) بنبرة ساخرة :

o منكم ..بس مو من الجبهة!!!!!!!!!!

فانفجر الجميع بالضحك .. ثم اجتاح الجميع غبار من الحزن المثقل بالإحباط، وتلبدت غمامة ثقيلة من اليأس .. مازالت تتفاقم حتى يومنا هذا.

وبدد (أبو كاطع) الصمت بهدوء اليائس والوجل من المستقبل المفزع الذي طالما حدثنا عنه في جلساتنا الشخصية:

o راح توصل الجيفة للكوكة ومالها حل إلا جرافة كتر بلر..

ونحن اليوم نتنافر لنجمع ضحايانا أمام ، وخلف ، وعلى جانبي الجرافة كتر بلر التي تُخَوِّضُ بأحشاء العراق.

—————————–
*للشاعر عبد الوهاب البياتي.