الرئيسية » مقالات » دردشة مع الطاهر بن جلون على ضفاف خليج بوتاميا *

دردشة مع الطاهر بن جلون على ضفاف خليج بوتاميا *

الكاتب والمفكر طاهر بن جلون والكاتب يوسف ابو الفوز في هلسنكي 6 ايلول 2007 عدسة سالي يوكيلا


هلسنكي ـ
هي المرة الاولى التي التقي بها الطاهر بن جلون وجها لوجه . تابعت سيرته وما يكتب عنه ، وقرأت له العديد من مؤلفاته الروائية . كاتب غزير الانتاج ، ظهرت ترجمات لكتبه في العديد من لغات العالم ، ناضل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية ، وطالما اثارت افكاره جدلا ونقاشا حاميا من حوله . لذلك فان الانفراد بدردشة جانبية معه كانت متعة اكتشفت معها بعض كوامن هذه الشخصية التي بقيت ملتبسة على كثيرين . يرى الطاهر بن جلون ، اذ يعالج موضوع الهجرة الى فرنسا كمجتمع علماني ، الخلاص من منظور إنساني ، متحرر من تدخل الدين في السياسة ومن الموروث الثقافي الثقيل الذي يحمله المهاجرون إلى مجتمعاتهم الجديدة . كنت اتطلع دائما لقراءة كتابات هذا المبدع ، ولم يخطر لي يوما اني سألقاه ببساطة شديدة . كان اول ما قرأت له روايته “طفل الرمال” (1985) حيث يبحث بن جلون على نحو ساخر وشفاف في مكانة الذكور والاناث في المجتمعات الشرقية، فزهرة حين ولدت لاب له ثماني بنات ، وهروبا من نظرة أزدراء الناس يلجأ الاب الى تربيتها كولد تحت اسم ” احمد ” ، وتكون المصيبة اكبر حين يتزوج ” احمد ” بنت عمه فاطمة ، لكن رغبة “احمد ” في الانجاب تجعل شخصية زهرة تستيقظ ، ليواصل بن جلون رواية حكايتها لنا في كتاب اخر هو رواية” ليلة القدر” او ” الليلة المقدسة ” التي ترجمت الى 43 لغة ، وحاز عليها جائزة الغونكور ، وفي هذه الرواية تعثر زهرة على هويتها من خلال عشقها لرجل اعمى . وهكذا في يوم ممطر ، من ايام طقس خليج بوتاميا المتقلب ، وجدت نفسي مدعوا الى الحفل السنوي الذي تقيمه دار النشر الفنلندية “غوميروس ” بمناسبة ذكرى تأسيسها عام 1872 . وحين عرفت بأن بن جلون سيكون حاضرا ، الغيت كل برامجي الاضافية لاكون هناك . الحفل اقيم في واحدة من القاعات التاريخية ، في العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، وبحضور اكثر من مائتي كاتب. كان الطاهر بن جلون ضيف الشرف ، والمناسبة صدور الترجمة الفنلندية من روايته “الرحيل ” ، عن اللغة الفرنسية ، وهي كتابه السادس بالفنلندية ، ويروي فيه بن جلون مأساة شبان مغاربة مستعدين للمجازفة بحياتهم هربا من البطالة والاذلال في بلادهم ، وكل املهم قطع مسافة الـ 14 كيلومتر التي تفصل طنجة عن جنوب اسبانيا عبر مضيق جبل طارق ، من اجل ايجاد معنى لحياتهم .
وسط ازدحام الحفل وعدسات كاميرات المصورين ومراسيم التعارف ، لم اجد صعوبة في التحدث الى بن جلون . قدمتني اليه احد العاملات في دار النشر، وحالما سمع تحيتي باللغة العربية حتى اقترب مني هامسا :
ـ منأين ؟
اجبت مباشرة :
ـ من العراق .
عاد وصافحني بحرارة اكثر . وسرعان ما وجدنا فسحة جانبا لننفرد ، سالته :
ـ كيف هي متابعتك ورؤيتك لاحداث العراق ؟
نظر الي مبتسما :
ـ اتدري ، لا اعرف تماما ما الذي يجري هناك . الامور تبدو مختلطة تماما . بالله عليك ، انت من هناك هل يمكن ان تحكي لي وتوضح بعض الشئ ؟
وهكذا بدل ان اوجه الاسئلة ، وجدتني اتلقاها ، واخوض في حديث مكثف عن الاوضاع في العراق ، واحاول ان اقدم صورة عما يجري في بلادي ، وليعقب بن جلون بحسرة :
ـ الشعب العراقي ، لا يستحق هذا . كنت في بغداد عام 1975 ، شاركت في مهرجان الفارابي ، وكتبت مقالات للصحافة الفرنسية عن العراق ، كانت هناك فسحة من الحرية ، وكانت الحركة الادبية بعافية ، واليسار نشطا في الشارع العراقي .
قلت له ، لو كتبت شيئا عن لقاءنا ، فلن اسميه لقاء ، وانما دردشة سريعة ، وانا اعرف اجوبة كثير من الاسئلة التي تخطر في البال ، لاني من متابعيك الدائمين ، ولكن ثمة سؤالا يلح على الذي يقرأ كتبك : اين تضع نفسك على خارطة الكتابة ، هل انت كاتب مغربي ، فرنكوفوني أم فرنسي ؟
اجابته كانت سريعة :
ـ انا من اصل مغربي متحرر من ازمة الهوية ، لغتي الام العربية ، ولكني لست كاتبا عربيا ولا فرنكوفونيا ، انا كاتب فرنسي من نوع خاص ، فلطالما اكتب باللغة الفرنسية ، فأنا اعتبر ان اللغة هي هوية الكاتب .
واذ قطع حديثنا احد الاخوة ، ودار كلام عن موضوعات تخص الاسلام ، واصدار بن جلون كتبا مخصصة للاطفال ، يفسر فيها مفهوم الاسلام والعنصرية . قال بن جلون لمحدثه : انه حاول في كتاب “العنصرية كما اشرحها لابنتي” (1998) ، الإجابة عن أسئلة تطرحها عليه ابنته ذات العشر سنوات حول العنصرية. وفيه عرّف العنصرية بكلمات بسيطة واعتبران العنصريين يعانون من أزمة نفسية عميقة ويخشون من كل من يختلف عنهم . اما كتابه ” الإسلام مشروحا (2002)” ففيه اتبع نفس النمط في طريقة ” سؤال- جواب “. وفي هذا الكتاب الذي صدر عقب هجمات 11 سمبتمبر حيث يسعى بن جلون إلى توضيح تعاليم الإسلام الأساسية وتسليط الضوء على العهد الزاهر للثقافة الإسلامية والمبادئ السمحة التي يتأسس عليها الإسلام.
ووجدتني اسأله :
ـ وكيف ترى واقع الثقافة العربية مع طغيان موجة الاسلام السياسي ، والتيارات الدينية المتطرفة؟
مد ذراعيه على سعتهما :
ـ في حالة انحطاط كبير ، والحكومات تساهم بذلك ، والمثقف العربي محاصر تماما .
وطاهر بن جلون من مواليد فاس في الاول من ديسمبر 1944 . انتقل إلى مدينة طنجة مع أسرته عام 1955 حيث التحق بمدرسة فرنسية. وكان قد اعتقل عام 1966 مع 94 طالب آخر بسبب تنظيمهم ومشاركتهم في مظاهرات 1965 . وهي تجربة دفعته بحماس إلى تبني نوع آخر من المقاومة أساسه الكلمة لا الفعل . ثم درس الفلسفة في مدينة الرباط إلى غاية 1971 حين إعلان الحكومة المغربية عزمها تعريب تعليم الفلسفة. ورداً على ذلك ، غادر المغرب صوب فرنسا حيث حصل على شهادة عليا في علم النفس. وبدأت مسيرته في الكتابة ، حيث عمل كاتبا مستقلا لصحيفة “لوموند” وبدأ ينشر الشعر والرواية.