الرئيسية » مقالات » أكليل الورد

أكليل الورد

– ستوكهولم –

أكليل الورد، مسلسل تركي مدبلج إلى اللغة العربية وباللهجة اللبنانية عرض على قناة ال أم بي سي الفضائية طيلة الشهرين الماضيين. تألف من 74 حلقة بزمن 50 دقيقة للحلقة الواحدة، مسلسل يختلف تماماً عما تعودنا عليه من المسلسلات المدبلجة، بل وحتى المسلسلات العربية التي تغرق سماء البث الفضائي، هذا العمل عكس التاريخ الحديث لتركيا وانعكاسات الوضع العالمي من حروبٍ باردة وحارة عليها، لم يترك المخرج وكاتب السيناريو وهو الأستاذ كيكان أرماك شيئاً لم يتناولاه من كل جوانبه، عاكسين الواقع بأبسط تجلياته، كانت حلقات ممتعة خصوصاً الدبلجة الموفقة بلهجة محببة لنا وبأسلوب عكس ذوقا رفيعا لمن أشرف عليه فنياً كونه أستعير من الأغاني العربية اللبنانية والأمثال التي نعرفها ليقرب الصورة لنا، خصوصاً وأن تركيا تجمعها معنا العديد من الخصائص الثقافية والتاريخية المشتركة، كانت الحبكة ما أمتاز به المسلسل رغم أنه جمع عدة مواضيع فيه، ورغم أن الفترة التي يتحدث عنها شهدها الجميع ولازال العديد منهم أحياء، لكنه عكس معظم الإرهاصات التي حدثت من زوايا المتبصر العارف وأعطى لكل حقه، ورغم أن المسلسل يدور ويتحدث بصوت بطله اليساري أمجد وزوجته سمر لكنه سمح للجميع بالتعبير عن آرائهم بحرية تامة، فقد عكس تصرفات اليمين واليسار و اليمين المتطرف واليسار المتطرف، فأظهر ضعف البعض ولم يخفه، وعكس أخطاء اليسار ولم يجملها وشاهدنا كيف تتصرف السلطات والبرجوازية بأنواعها، لم يظهرها بالشكل البشع جداً، بل لا بد من مسحات إنسانية تحملها، صراع الأفكار والأيديولوجيات، الوطني، الليبرالي، اليسار…الخ. ولم نشاهد الجميع بنفس القوة والإندفاع أو الحماس بل شاهدنا مواقف مختلفة لكل فرد من أفراد المجتمع الصغير الذي أختاره لنشاهد من خلاله الإعصار الذي مرت به تركيا والمنطقة ، كانت الأحداث حقيقية أو هكذا أراد المخرج أن يظهرها لنا لكنها الحقيقة على أية حال.



شاهدنا الصراع بين الأجيال المختلفة وخصوصاً الجيل الجديد التي يمتاز باللامبالاة والعجلة في التفكير واتخاذ القرارات المستعجلة ونمط الحياة العصرية الجدية سعياً وراء المال والكسب السريع حتى الغير المشروع، بعيداً عن القيم الموروثة والإصالة التي تعود عليها الأجداد، شاهدنا مآسي عديدة وضحايا سقطوا بأشكالٍ مختلفة بالرصاص وبالعوز وبالإغراء والخداع وغير ذلك.



المسلسل كان عبارة عن أرشفة واقعية وصادقة للتاريخ وللموروث الثقافي والاجتماعي بل ولكل الفولكلور والعادات والتقاليد في المجتمع التركي، الدينية والقومية، صورها بأسلوب مشوق، فيه الطرافة وفطرية التعامل، كما عكس الحب والألفة التي تسود بين مكونات المجتمع العرقية والطائفية ففي المسلسل كان الجميع، حتى البيت الذي تملكه إمرأة يونانية وكأنه أراد أن يعكس لنا أصل هذه البلاد وتاريخها العريق تستأجره عدة عوائل تركية من مختلف الطبقات والمكونات الاجتماعية، وفي الحي تجد الألفة والتعاون بين الجميع خصوصاً في الأزمات، والنكبات السياسية والاجتماعية وكيف تجد الجميع متآلفين بوديعة، الهجرة من أجل العمل بسبب الوضع الاقتصادي الصعب وإنعكاس ذلك على العوائل التي تفرقت حتى عن أبنائها، شخصية كينان كانت نموذج الطفل الضحية لذلك.

قصص الحب العديدة الرائعة والجميلة التي شهدها المسلسل جديرة بالتوقف عندها، هذا الحب الذي جعل الفتاة “سمر” بطلة المسلسل تترك كل ملذات طبقتها لتقف جنب الحب الذي ومض بروحها قبل قلبها فكان حبها للناس البسطاء والمعدمين وللحبيب الذي أنتمى لهؤلاء، لم تنثن ولم تكسر رغم كل المصاعب التي مرت بها وهي كثيرة، قصة الحب العذري البريء لجمانة وحسين أبنة الريف الأبية الصامتة الصابرة، حب الطهر والبراءة الذي أستمر عقودا وعقودا عبرت عنه بكلمات بسيطة وقليلة لكننا كم شعرنا أنه يسري بروحها حتى الممات، حب الشابة أبنة جمانة (وهي شخصية “جميلة”) لأبن المحلة المراهق “وحيد” والصراع الدامي بينها وبين أبوها المتعجرف الصلف بل المجرم والشاب مأمون وهو أحد أقربائها الذي سيصبح زوجها فيما بعد، وصراع العادات والتقاليد الريفية وهدر الدم من أجل “الشرف” هذه العادات التي لا زالت موجودة للأسف في مجتمعات عديدة في بلداننا المجاورة لتركيا، حب حنان يوسف لعادل حب من نوع آخر حيث أحبها ووجدت فيه الحب ولكي تتطهر من حياة الرذيلة التي أجبرت عليها وصراعها مع المرض الذي أخذ الحبيب منها وتركت من جديد للمجهول وهي الملاحقة من قبل أهلها، قصة حب فرح وكينان بعد تجربة الحب الفاشلة مع حسن تعكس معاناة الجيل الحاضر وأزماته النفسية والاجتماعية التي تحتاج إلى الدراسة والتمعن، كل هذه القصص كانت مشوقة ونادرة.



أروع ما في المسلسل هو صورة المرأة، فكل النماذج التي عكسها للمرأة كانت إيجابية، لم نشاهد المرأة الضعيفة المكسورة اليائسة، بل شاهدنا نساء عبقريات بحكمتهن مثل أم سمر التي كانت من الحكمة والذكاء بحيث لم تفرط بأبنتها ولا بزوجها المغامر المتهور، بل منحت النصائح السديدة للآخرين كي لا يقعوا في الخطأ، نموذج “سونيا” الرائع هذه الشخصية الراعية للجميع لوالدها ولحفيدها ولكل من في البيت والمحلة بقلبٍ كبير وحنون التي أحبها الجميع رغم عصبيتها المفرطة وأنفعالها السريع بل كانت تلك أحدى خصائصها الجميلة المحببة. شخصية “جمانة” من أهم الشخصيات التي تناولها المسلسل، تلك المرأة القادمة من الريف مع زوج مغرور صلف عنيف قاسي الشبه أمي العامل الذي يخون طبقته من أجل أمتيازات بسيطة أرتضى لنفسه المهانة، وهي الأمرأة الأمية التي لم ترتض أن تبقى هكذا فتسلحت بالعمل وجاهدت وأختارت أن تتعلم وثابرت وكانت الرمز الجميل لأشياء عدة، نموذج “سمر” صورة كبيرة للمرأة المناضلة التي وقفت إلى جانب الشعب تاركة كل أمتيازات طبقتها ومواقفها وحب الجميع لها بل حبها لهم قبل ذلك، نموذج “حنان” الفنانة المطربة التي تجبرها الحياة إلى ما لا تريده وكيف تتعامل مع قسوة الظروف. جميلة التي أحبت وضحت وتحملت الآلام والمعاناة وفقدان الحبيب والأم والأب لتصارع لوحدها آلامها الدفينة. “أم أمجد” تلك الأم المكافحة الصامدة الصبورة وحبها للعمل، صورٌ عديدة أخرى للمرأة كانت كلها إيجابية وتعطي لها القيمة الحقيقة فهي كالرجل أنها نصف المجتمع بل أنها النصف الأهم فيه. أبدع الممثلون بأداءِ أدوارهم حتى أحببناهم وعشنا معهم لحظات جميلة، لحظات الترقب. ومع نهاية المسلسل لم نستطع أن نمنع الدموع من أن تنهمر للحظات اللقاء بين تلك العينات التي عاشت في ذلك البيت البسيط الذي باعته صاحبته اليونانية إلى آخرين ليهدوه وليتحول إلى بناية تجارية كبيرة لتمحو كل تاريخ تلك المرحلة والتي كان ذلك المنزل شاهداً عليها فقد حصل كل شيء بين ثناياه. مسحنا الدموع مع بصيص أمل بفجر يوم جديد أكثر إنسانية أراد منها المخرج أن لا نحزن.