الرئيسية » مقالات » الشباب والهجرة المتفاقمة من دول منطقة الشرق الأوسط

الشباب والهجرة المتفاقمة من دول منطقة الشرق الأوسط

سأتناول هذه المشكلة ومعالجتها في ثلاث حلقات , الأولى منها تبحث في الجانبين السياسي والاقتصادي من العوامل المنتجة للمشكلة, والثانية منها تبحث في جانبيهما الاجتماعي والثقافي, أما الحلقة الثالثة فتبحث في سبل معالجة المشكلة المهملة والمتفاقمة حالياً في دول المنطقة, ومنها العراق.

الحلقة الأولى: العوامل السياسية والاقتصادية الكامنة وراء هجرة الشباب
تتعاظم الحشية من تفاقم هجرة الشباب المتعلم والمثقف على نحو خاص من دول منطقة الشرق الأوسط إلى خارج المنطقة, رغم وجود هجرة داخلية في ما بين الدول العربية وخاصة نحو دول الخليج , ولو بصورة محدودة. إلا أن هذه الخشية لا تتجلى في سياسات حكومات هذه الدول, بل لدى الشباب أنفسهم ولدى الفئات المثقفة وبعض القوى السياسية الديمقراطية التي تدرك حجم الخسارة الكبيرة التي تتحملها دول المنطقة من هجرة الشباب من أوطانهم والعيش في الغربة من جهة, وحجم الفائدة الكبيرة التي تعود على الدول المستقبلة لتلك الهجرة بشكل عام, مع بروز بعض السلبيات والمشكلات التي تقترن عموماً بمثل هذه الهجرات والتي يحملها معهم هؤلاء الشباب بسبب التعقيدات النفسية والعصبية التي تبدو في سلوك ونشاط الشباب اليومي في الدول المستقبلة للهجرة من جهة أخرى.
والأسئلة التي تؤرق الجميع تتبلور فيما يلي:
ما هي العوامل الكامنة وراء هذه الهجرة الشبابية الواسعة والمتنامية بحيث أصبحت تشكل مشكلة فعلية قائمة؟ وكيف يمكن التعامل معها؟ وهل من سبيل إلى الحد منها؟ وكيف يتم ذلك؟
على هامش انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في منطقة البحر الميت في عمان (الأردن) في نهاية الثلث الثاني من شهر آيار/ مايس 2007 أقامت “قناة الفضائية العربية” ندوة فكرية حول موضوع شديد الأهمية يتعلق بـ “الشباب والهجرة المتفاقمة في الدول العربية”, حضرها عدد من السياسيين والاقتصاديين المسؤولين في الدول العربية, كان من بينهم الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى ونائب رئيس الوزراء العراقي الدكتور برهم صالح وآخرون, إلى جانب حضور جمع من الشابات والشباب الذي شارك في المنتدى الاقتصادي الذي يعقد سنوياً في عمان.
حاولت الندوة تشخيص الأسباب والعوامل التي تحرك الشباب وتدفع بهم إلى ترك أوطانهم والهجرة إلى بلدان أخرى, وأسباب إهمال حكومات الدول العربية ومؤتمرات القمة العربية التي تنظمها الأمانة العامة للجامعة العربية هذه المشكلة الكبيرة والمتفاقمة. وكطان الإحراج بادياً على وجه وإجابات السيد عمرو موسى وهو يحاول التملص من الإجابة الواقعية والصريحة حول فشل الجامعة العربية في البحث في هذه القضية طيلة العقود المنصرمة, في حين ألقى أغلب الحاضرين المسؤولية بحق على عاتق النظم السياسية القائمة في هذه البلدان وغياب الشعور بالمسؤولية لدى حكوماتها من أجل التوجه الجاد لمعالجة هذه المشكلة. وكانت إجابات السادة الذكور المشاركون في هذه الندوة عن تلك الأسئلة, إذ لم تكن بينهم أي امرأة رغم كون الشباب ليسوا ذكوراً فحسب, بل وأناثاً أيضاً, وكأن المشكلة القائمة ذكورية لا غير, متقاربة من حيث التشخيص العام للعوامل الأساسية, ولكنها مختلفة ومتناقضة أحياناً في التفاصيل المهمة. وأذ وجد المشاركون بأن العوامل الأساسية الكامنة وراء مثل هذه الهجرة تلتقي عندها جميع بلدان المنطقة, سواء أكانت دولاً عربية أم غيرها, فأن البعض منهم وجد الاختلاف يكمن في مضمون تلك العوامل وفي أسبقياتها من بلد إلى آخر وفي الفترات المختلفة, اي الاختلاف في العوامل يرتبط أيضاً في اختلاف المكان والزمان, كما اشار إلى ذلك السيد الدكتور برهم صالح, مشيراً إلى تباين العوامل بالنسبة للعرارق في فترة النظام الصدامي الدكتاتوري وفي الفترة الراهنة. ففي الوقت الذي يمكن الحديث عن أسبقية العوامل السياسية لعدد غير قليل من دول المنطقة بسبب طبيعة النظم السياسية غير الديمقرارطية السائدة فيها, يشار إلى أن العوامل الاقتصادية هي التي تكمن وراء الهجرة بالنسبة إلى غالبية الدول العربية, في ما عدا بعض الدول العربية في الخليج التي تستقبل الكثير من الأيدي العاملة العربية, إضافة إلى إيران وتركيا وإسرائيل التي تعاني من بطالة غير قليلة ومتزايدة. ووجدد الجميع بأن العاملين الاجتماعي والثقافي يشتركان في التشابك الشديد والعضوي مع العاملين السياسي والاقتصادي. فالتخلف الاجتماعي والدور الضعيف والرجعي في غالب الأحيان لمؤسسات التربية والتعليم والمؤسسة الدينية والتزمت الديني في عدد مهم من دول المنطقة مثلاً وتخلف المستوى الثقافي والضعف الشديد لدور المؤسسات الثقافية, كلها عوامل تلعب دورها في التأثير السلبي على حياة الشبيبة ويدفع بها إلى طلب الهجرة, أو يدفع بالبعض الآخر إلى متاهات الغيبيات أو التطرف الديني وممارسة العنف كرد فعل لما يعاني منه أو الغوص في القنوط الفكري والسياسي والانعزال. وسنحاول فيما يلي معالجة الجوانب السياسية والاقتصادية.
أ. العوامل السياسية
لا شك في أن دول المنطقة مختلفة في ما بينها في مستويات تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وفي طبيعة النظم السياسية السائدة فيها, رغم أن الاختلاف في ما بينها ليس كبيراً في الوقت الحاضر, مع وجود فارق نسبي ملموس بين جميع دول المنطقة من جهة, ودولة إسرائيل في عدد من الأمور بما في ذلك المستوى الثقافي والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والتقني والعلمي من جهة أخرى.
تعاني جميع دول المنطقة في الجانب السياسي من عدة مشكلات جوهرية, وهي:
1. طبيعة النظم السياسية السائدة فيها وغياب الحياة الديمقراطية بشكل عام وعدم تمتع الناس بالحرية وبالحقوق العامة المنصوص عليها في اللوائح والوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وحقوق القوميات وغياب المساواة بين المواطنات والمواطنين.
2. الدور السلبي الكبير الذي تلعبه المؤسسات الأمنية والبوليس في حياة المجتمع وتخلف القوانين المنظمة للعلاقة بين المواطن والدولة وأجهزتها من جهة, وسوء استخدام حتى تلك القوانين في التعامل مع المواطن من جهة ثانية. وما يميز التعامل الأمني والبوليسي مع المجتمع والشباب على نحو خاص هو أن ” المتهم مدان حتى تثبت براءته” , أي بعكس القاعدة القانونية العامة التي تعتبر “المتهم برئ حتى تثبت إدانته”. فيتعرض المتهم, وخاصة السياسي, إلى سوء المعاملة والمحاربة بالرزق والاضطهاد والاعتقال الكيفي والتعذيب والسجن دون وجه حق, وعالباً مكا يقوده ذلك إلى الموت في ظل نظم معينة, كما كان يحصل في العراق, مما يدفع بالإنسان إلى الاعتقاد بضرورة ممارسة ذات الأساليب في مواجهة السلطة الظالمة والقمعية. إن مجتمعات هذه الدول تفتقد في الغالب الأعم إلى جميع الحريات الأساسية, ومنها حرية التعبير والنشر والتنظيم والتظاهر …الخ.
3. إبعاد الشباب, من الأناث والذكور, عن الحياة السياسية وتهميش دورهم في المشاركة في الحكم وإدارة دفة البلاد, إذ لا يحق للشباب في الكثير من الدول العربية التي تجري فيها انتخابات الترشيح لانتخابات المجالس النيابية قبل بلوغ سن الثلاثين, اي الاقتراب لفترة ما بعد عمر الشباب تقريباً ً, في حين أن هذه المجالس هي الجهة التي تضع التشريعات والقوانين وتحدد وجهة تطور البلاد وتؤثر بشكل مباشر على سياسة الحكومة أو السلطة التنفيذية أو على حيوية القوانين والتشريعات التي تصدرها.
4. التمييز السلبي والسيئ ضد المرأة في مجالات التعليم والتوظيف والعمل من جهة, وفي الأجر أو الراتب من جهة أخرى, وفي مصادرة حقها ممارسة حقوقها الأساسية باعتبارها مواطنة, إذ أن الدولة والمجتمع يتعاملان مع المرأة على اساس أنها من الدرجة الثانية وأنها ناقصة العقل من جهة ثالثة! والكثير من التشريعات في دول المنطقة يؤكد هذا النهج التمييزي الخطر على المرأة والمجتمع. وهذه المسألة الذكورية ليست قضية اجتماعية فحسب, بل هي قضية سياسية واقتصادية وثقافية في آن واحد.
5. غياب الدولة العلمانية الديمقراطية التي تفصل بين الدين والدولة بشكل واضح وتحترم الأديان والمذاهب المتعددة فيها, كما أن الدولة لا تمارس دورها الحيادي في الموقف من جميع الأديان والمذاهب, بل تمارس التمييز وتشيع في التربية و التعليم في غالب الأحيان الكراهية ضد الأديان والمذاهب الأخرى, أي أنها تمارس سياسة مخالفة للقوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان التي ترفض التمييز بين البشر على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الجنس أو اللغة أو لون البشرة ..الخ, وأنها تضرب عرض الحائط المبدأ القائل “الدين لله والوطن للجميع”.
6. تنامي التطرف وممارسة العنف في حياة الشباب استناداً إلى واقع العلاقة بين الدين والسياسية والدين والدولة والأسس التربوية التي تمارسها أجهزة الدولة والمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية في العملية التربوية وفي مناهج التربية والتعليم وفي الحياة الثقافية والإعلامية اليومية. ويمكن للإنسان أن يعود إلى المناهج التربوية لعدد من الدول العربية, إضافة إلى الكتب والنشرات والبيانات والتثقيف’ ليتبين مدى صواب هذا الخلل الكبير والخطر في العملية التربوية في دول المنطقة.
7. ويمكن أن نضيف عامل الإرهاب الدموي المتطرف الذي تنامى وتفاقم منذ عقدين في الجزائر وتراجع نسبياً, ومن ثم في العراق من قبل النظام الصدامي قبل سقوطه, ومن قبل القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية والقوى الظلامية وقوى النظام الصدامي الدكتاتوري المخلوع, منذ سقوطه, والأوضاع العسكرية في فلسطين المحتلة وفي الصراع بين حماس وفتح والأوضاع الراهنة في لبنان ودور حزب الله في مجمل العملية الجارية.
وهذه الاتجاهات تحرك الشباب بالاتجاهات الخاطئة, سواء أكان نحو التطرف والعنف تحت أي واجهة كانت, أم الانعزال والتقوقع أم طلب الهجرة نحو الخارج أم الابتذال والتسكع أو البقاء كمواطنين طيبين لا غير! كتبت السيد أحلام مستغانمي تقول مامعناه أن الأم تبذل الجهد والسنين لتعليم الطفل النطق, في حين أن الحكومات العربية تبذل الجهود الكثيفة والأموال لمنعه من الكلام!

ب. العوامل الاقتصادية
وإذا كان العامل السياسي بكل مكوناته قد شكل وما يزال يشكل واحداً من أهم عوامل الهجرة للمتعلمين والمثقفين, وخاصة الشباب, من بلدان مثل العراق وسوريا والسعودية والسودان واليمن وإيران وتركيا وبعض الدول الأخرى, فأن العوامل الاقتصادية كانت وما تزال تمارس دوراً مماثلاً في الدفع صوب الهجرة داخل المنطقة أو إلى خارجها بشكل خاص, إذ أن عوامل الطرد للشباب بارزة من دول منطقة الشرق الأوسط من جهة, وعوامل الجذب صوب الدول الأوروبية وبقية الدول الغربية متعاظمة من جهة أخرى, رغم القيود المتزايدة التي تضعها الدول الغربية ضد الهجرة المتفاقمة نحوها. ومن الضروري أن نتبين ماهية المكونات الأساسية للعوامل الاقتصادية التي تدفع بالإنسان صوب الهجرة وترك الأهل والوطن. يمكن بلورة تلك المكونات في النقاط التالية:
1. تعاني دول المنطقة, وخاصة الدول العربية من تخلف في العملية الاقتصادية بكل مكوناتها ابتداءً بالإنتاج ومروراً بالتوزيع والتبادل وانتهاءً بالاستهلاك. فالاقتصاد في العراق وفي غالبية الدول العربية يعاني من استمرار فعل بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والعلاقات العشائرية ذات الطبيعة الأبوية والسلوكية الفلاحية الريفية السائدة في المجتمع وتأثيراتها المباشرة على المدينة أيضاً. فالإنتاج الصناعي متخلف عموماً من حيث الحجم والتقنيات المستخدمة وحجم رؤوس الأموال الموظفة فيه, كما أن الزراعة, التي تشكل القاعدة الأساسية للإنتاج في هذه الدول, متخلفة وتعاني من تخلف في أساليب ووسائل وطرق الإنتاج الزراعي وبنية الإنتاج وضعف الغلة وإجمالي الإنتاج وتزوايد الاعتماد على استيراد حاجات السوق المحلي من السلع الزراعية والصناعية.
2. وعدد كبير من الدول العربية في المنطقة يستند إلى اقتصاد ريعي يعتمد النفط الخام في تحقيقه النسبة الأعظم من إيراده المالي السنوي ودخلة القومي. ومن الإشكاليات البارزة في هذا الصدد أن هذا الدخل لا يستخدم لإغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية الرشيدة وإعادة استثمار القسم الأعظم منه لتحقيق التراكم الرأسمالي والتقدم الاقتصادي, بل يوجه في غالبه لأغراض الاستيراد الاستهلاكي والتشييد والبناء من جهة, كما أن هذا المورد المالي لا يوزع بصورة عقلانية بين أفراد المجتمع بما يحقق العدالة الاجتماعية. فالتوزيع والاستخدام سيئان في الغالبية العظمى من دول المنطقة, وتتوجه هموم المهيمنين على القسم الأعظم من موارد النفط الخام صوب الاستهلاك البذخي والتفريط بالثروة الوطنية الناضبة بعيداً عن التفكير بمصالح ومستقبل الأجيال القادمة وفي بناء القاعدة المادية للرخاء المستدام بدلاً من استهلاك الثروة الناضبة بهذه الطريقة ذات الجذر الإقطاعي والسلوك الريفي.
3. وتقوم الكثير من الدول النفطية بتوظف مواردها المالية في خارج دول المنطقة بدلاً من توظيفها في اقتصاديات بلدانها لتحقيق التراكم الرأسمالي والتنمية المستدامة وتعظيم الثروة الوطنية وزيادة معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي أو التفكير بحسن الاستخدام وبعدالة التوزيع لهذه الثروة الوطنية.
4. ومع غياب البرمجة الاقتصادية العقلانية من جانب الدولة والقطاع الخاص واستناداً إلى الملاحظات السابقة يمكن تشخيص العجز الحاصل في اقتصاديات هذه البلدان عن مسايرة معدلات النمو السنوية في السكان وفي نسب النمو السنوية للقوى القادرة على العمل وفي عجزها عن توفير فرص عمل ضرورية لهذه الزيادات السنوية, مما يقود إلى تنامي حجم البطالة فيها سنة بعد أخرى بين الذكور, ولكن بشكل خاص بين الأناث.
5. فالتخلف الاقتصادي, وخاصة تخلف العملية الإنتاجية الصناعية والزراعية في العراق وفي غالبية الدول العربية, والنقص الشديد في فرص العمل والبطالة الواسعة بين الشباب التي تصل إلى حدود 70 مليون إنسان في الدول العربية وحدها, يدفع بهؤلاء الناس إلى طلب العمل والعيش بكرامة وبعيداً عن الخشية من الجوع والحرمان وانهيار الكرامة الإنسانية. إن سيادة العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية والتخلي أو ضعف التوجه صوب التصنيع وتحديث الزراعة واعتماد الاستيراد السلعي الاستهلاكي لتغطية حاجة السوق الداخلية كلها عوامل تقلص إمكانية التقدم الاقتصادي وتأمين المزيد من فرص العمل للنمو الجاري في القوى القادرة على العمل, وخاصة بين المتعلمين والمثقفين. ومثل هذه المجموعة من الناس التي صرفت الدولة عليها أموالاً طائلة من أجل التربية والتعليم والتخصص مجبرة على مغادرة البلاد, لأن قطاع الدولة والقطاع الخاص عاجزان عن توفير فرص التدريب أو العمل لهم أو مواقع للبحث العلمي ومواصلة التأهيل, وبالتالي فهم لا يتحملون وزر ذلك بل الواقع السياسي والاقتصادي وسياسة ونظرة الدولة إلى الاقتصاد والمجتمع.
6. وليس التخلف الاقتصادي والبطالة وحدهما السبب في الهجرة, بل طريقة التعامل البيروقراطية والمتعالية من جانب أجهزة الدولة إزاء الخريجين الجدد والعلماء والمثقفين ونقص أو غياب الديمقراطية في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص وضعف المشاركة في اتخاذ القرارات وضعف الأجور والرواتب ونقص في توفير إمكانيات التأهيل المتواصل وتطوير الكفاءات والبحث العلمي كلها تساهم في عملية طرد القوى العاملة صوب الخارج حتى أنها تشمل نسبة مهمة من المشتغلين فعلاً وليس العاطلين عن العمل فقط.
7. ولا شك في أن غياب أو ضعف دور النقابات في الدفاع عن حقوق العاملات والعاملين في مختلف حقول الاقتصاد الوطني وضعف الحماية أو انعدامها كلها عوامل تساهم في التشجيع على الهجرة, خاصة وأن العالم أصبح أشبه بقرية صغيرة تسمح للقوى العاملة أن تدرك البون الشاسع بين واقعها الاقتصادي والواقع الاقتصادي في البلدان األأخرى.
8. إن الإشكالية الكبيرة التي تواجه العملية الا قتصادية والقوى العاملة في دول المنطقة تكمن في مدى قدرة هذه الاقتصادات وتلك القوى على التعامل الواعي مع الاقتصاد الدولي, مع العولمة الجارية في العالم من ناحيتين, من ناحية كون العولمة عملية موضوعية لا مناص ولا مهرب منها, ومن ناحية كونها تجسد في المرحلة الراهنة السياسة العولمية التي تمارسها الدول الصناعية الكبرى التي تسعى إلى حصر فوائد العولمة الموضوعية بها وولها وليس لصالح الدول النامية التي تسعى إلى تطوير اقتصادياتها وتقليص الآثار السلبية لعملية العولمة عليها, بسبب التفاوت الهائل في مستويات التطور الاقتصادي, وخاصة التقني والبحث العلمي, لصالح الدول الصناعية الكبرى.
وتبرهن السياسة الرسمية لغالبة حكومات دول المنطقة على أنها لم تع أو تدرك بعدُ حقيقة المرحلة التي يمر بها العالم وكأنها تعاني من غيبوبة أو أنها في سبات عميق. وتبدو صورة دول الخليج وكأنها تسير باتجاه أخر. هذا صحيح نسبياً, إذ أن اقتصاديات دول الخليج بحاجة ماسة إلى استكمال فعلي بالنسبة إلى وجهة التنمية, أي أن لا يقتصر تطورها الاقتصادي على النهج العمراني الاستهلاكي الراهن, بل على التنمية المتكاملة مع دول المنطقة من جهة, وفي إطار وحدة العملية الاقتصادية في اقتصاد كل دولة خليجية أو وفق عملية تكاملية مشتركة في ما جميع دول الخليج من جهة أخرى, لكي لا يكون ازدهارها الراهن مرحلي ينتهي بانتهاء أو نضوب نفوطها بشكل خاص.

بعد تطرقنا إلى دور الجانبين السياسي والاقتصادي في واقع الهجرة الشبابية المتفاقمة من دول منطقة الشرق الأوسط, وخاصة الدول العربية, إلى الخارج والتفتيش عن الأمن والاستقرار والعمل والأمل في حياة كريمة وهانئة, نحاول في هذه الحلقة معالجة الجانبين الاجتماعي والثقافي, وهما نتاجان أساسيان وموضوعيان للواقع الاقتصادي والسياسي لأي دولة من الدول.


الحلقة الثانية: دور الواقع الاجتماعي والثقافي في الهجرة الشبابية المتفاقمة

إن المحدد الأساس للواقع الاجتماعي في أي بلد من البلدان هو الواقع الاقتصادي ومستوى تطور العلاقات الاقتصادية أو طبيعة العلاقات الإنتاجية السائدة في البلاد ومستوى تطور القوى المنتجة. فالبنية الطبقية للمجتمع تعتبر نتاج مباشر للبنية الاقتصادية. فسيادة العلاقات الإنتاجية الإقطاعية أو شبه الإقطاعية في بلد ما يعني وجود نسبة عالية من الفلاحين وسكان الريف من إجمالي السكان وبجوارها فئة ضغيرة جداً من كبار الإقطاعيين وكبار ملاك الأراضي الزراعية التي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة جداًً من السكان, مع وجود فئة واسعة نسبياً من البرجوازية الصغيرة المدينية التي تعمل في الصناعات الحرفية وتجارة المفرد والخدمات الأخرى, إضافة إلى جمهرة غير كبيرة من المثقفين. كما توجد فئة غير كبيرة من البرجوازية التجارية التي تعمل مع كبار الملاكين من جهة والبرجوازية التجارية الأجنبية من جهة أخرى. في حين تغيب عن المسرح الاقتصادي والاجتماعي فئة البرجوازية الصناعية أو توجد بصورة محدودة أو قليلة العدد وضعيفة في قدراتها الاقتصادية والتأثير الفكري والسياسي والاجتماعي.
أما في المجتمع الصناعي فيمكن ملاحظة وجود طبقتين اجتماعيتين رئيستين هما البرجوازية, وخاصة الصناعية, إضافة إلى البرجوازية الزراعية والتجارية والمالية والعقارية والبيروقراطية من جهة, والطبقة العاملة التي تبيع قوة عملها وتعمل في مختلف مجالات الاقتصاد الوطني بالأجر. ويجوار هاتين الطبقتين الرئيستين يجد المتتبع فئة البرجوازية الصغيرة العاملة في المجالات الحرفية والخدمات وتجارة المفرد وغيرها وفئة واسعة من المثقفين. وفي هذا المجتمع الصناعي تنشأ الأرضية الصالحة للمجتمع المدني الحديث حيث يمكن أن تسود الحرية الفردية والديمقراطية ويمكن أن تنتعش حقوق الإنسان أيضاً وحقوق المواطنة المتساوية.
وفي غالبية الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط, في ما عدا استثناء واحد هو إسرائيل, تسود العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف مع نمو ملموس في العلاقات البرجوازية في بعضها مثل تركيا ومصر وسوريا, على سبيل المثال لا الحصر. وفي هذه المجتمعات الانتقالية التي ما تزال في بداية الطريق, رغم التباين النسبي بين مستويات تطورها, صوب الرأسمالية, فأن مجتمعاتها ما تزال تعاني من مشكلات اجتماعية كبيرة. تساهم كلها في تعقيد حياة الشباب وتدفع بهم إلى الهجرة. فما هي هذه العوامل؟

ج. الجانب الاجتماعي
يواجه الشبيبة في مجتمعات دول الشرق الأوسط مجموعة من المشكلات الاجتماعية التي يمكن بلورتها في النقاط التالية والتي تعتبر قيوداً ثقيلة على الفكر والحرية الفردية وممارسات الشباب, والتي يمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:
1. إن سيادة النظم السياسية غير الديمقراطية والاستبدادية تخلق أوضاعاً اجتماعية شاذة مؤثرة مباشرة وبصورة غير مباشرة على ذهن الإنسان واتجاه تفكيره, وخاصة الشباب منهم. ويجد الإنسان إن سياسات القمع يخلق لدى الإنسان ليس الازدواجية في الشخصية فحسب, بل والا نتهازية والخوف وتجنب المبادرة وتراجع الأمل والثقة بالنفس وعدم المصالحة مع النفس والآخر والدولة.
2. والواقع الاقتصادي وسياسات الحكومات المختلفة يقود إلى انتشار الفقر على نطاق واسع يلف به جمهرة كبيرة من الشباب المتعلم والمثقف المنحدر من الأوساط الشعبية الفقيرة والكادحة التي يصعب عليها تأمين ظروف عيش كريم لها. وهذه المجموعة الكبيرة من الناس في المجتمع تواجه مجتمعاً طبقياً تتسع فيه الفجوة بين العائلات الغنية والعائلات الفقيرة ويتجلى في مستوى المعيشة والامتيازات والنفوذ الاجتماعي ودور الأفراد في المجتمع والدولة. وفي الوقت الذي تكون الفرص كلها مفتوحة أمام بنات وأبناء الآغنياء تكون في الغالب الأعم مغلقة أمام بنات وأبناء الفئات الكادحة والفقيرة.
3. والواقع الاقتصادي يقود بدوره إلى خلق جيش من العاطلين عن العمل. وهذه البطالة تشمل جمهرة كبيرة من بنات وأبناء الفقراء والطبقة العاملة وكادحي الريف وجمهرة كبيرة من فئات البرجوازية الصغيرة. وهي التي تحول الإنسان العاطل عن العمل إلى عالة أو شعوره بكونه يشكل عالة على عائلته والمجتمع, وبالتالي يخلق هذا الوضع الكثير من التعقيدات النفسية والاجتماعية, رغم أن الفرد العاطل عن العمل غير مسؤول عن وجوده ضمن جيش العاطلين, بل الدولة وأصحاب رؤوس الأموال والنظام السياسي والاجتماعي القائم.
4. ويواجه الشباب قيوداً سياسية واجتماعية ودينية أمام تحركه ورغبته في الانطلاق, وهي قيود بالية لم يستطع المجتمع التخلص منها, بما في ذلك تلك التي تقيد حرية حركة ونشاط المرأة في المجتمع وفي علاقتها العامة والاجتماعية بالرجل.
5. غياب المؤسسات الاجتماعية التي تساهم في توفير فرص ترفيهية للشباب, سواء أكانوا ذكوراً أم أناثا وتمارس التأثير الإيجابي في تكوين شخصية الفرد المستقلة والمفكرة والمبدعة والحيوية.
6. الدور السلبي الكبير الذي تلعبه المؤسسات الدينية غير المتنورة في حياة المجتمع والأفراد, إذ أنها تبذل أقصى الجهود لتحويل الإنسان من فكر مستقل يتمتع بالحرية والثقة بالنفس, إلى إنسان تابع لها وخاضع لقراراتها أو فتاواها.
7. ويتجلى واقع التخلف الاقتصادي واستمرار وجود العلاقات الاجتماعية القديمة وغير المتنورة في بنية الوعي الاجتماعي والديني للإنسان وعجز هذا الإنسان على التجديد والتغيير والإبداع من جهة, ولكنها تشكل لديه فكر الاستبداد والقسوة والعنف في التعامل مع الآخر.
8. ويتجلى الجانب الاجتماعي السلبي في موقف الدولة والمؤسسات الدينية غير المتنورة والمجتمع من المرأة ومصادرة حقوقها المشروعة وفرض الحجاب الثقيل عليها وعدم مساواتها بالرجل وحرمانها من الكثير من الحقوق التي يتمتع بها الرجل. ومثل هذه الإشكالية لا تعتبر مشكلة للمرأة فحسب, بل هي مشكلة للرجل أيضاًَ ولدورهما المشترك في حياة العائلة والمجتمع. وإذا كانت هجرة الشابات حتى الآن محدودة في الكثير من بلدان الشرق الأوسط, فأنها ستأخذ أبعاداً جديدة خلال الأعوام القادمة, وهي ظاهرة بدأ بتسجيلها منذ ما يقرب من عقد وآخذة بالتنامي سنة بعد أخرى, إذ أن عيش المرأة في هذه الدول هي أكثر صعوبة وقسوة من عيش الرجل.

د. الجانب الثقافي
إن المشكلة الثقافية في دول منطقة الشرق الأوسط متعددة الجوانب وعميقة الجذور ناشئة عن تناقض وتعارض في المصالح والأهداف ولها تأثيرات كبيرة سلبية على المجتمع, وخاصة في صفوف الشباب منهم, إذ تدفع بهم إلى التحري عن الجديد والحديث والمنعش للروح والعقل بعيداً عن أوطانهم. فحين يتابع الإنسان واقع الكثير من هذه الدول سيجد أمامه صراعاً حاداً بين الثقافة الجديدة والحديثة التي ما تزال ضعيفة من جهة, وثقافة محافظة سلفية متلبسة بتقاليد وعادات وقيود دينية بالية وتعتبر الثقافة السلفية هي الأساسية وهي الصحيحة دون تمحيص بما هو سمين وما هو غث منها. وتبدأ العملية الثقافية المتخلفة في بلداننا بأسس التربية والتعليم وبالمناهج المقررة للتدريس ابتداءً من المدارس الابتدائية ومروراً بالمتوسطة والثانوية ووصولاً للكليات والجامعات والمعاهد, وخاصة الإنسانية, إضافة إلى المدارس الدينية والحلقات الدراسية الدينية. كما يتجلى ذلك في الصحافة وأجهزة الإعلام ووسائل نقل المعلومات السمعية والبصرية والمقرؤة. ويفترض أن نتبصر بشكل عميق بدور المؤسسات الدينية ودروس الدين والفتاوى التي تصدر عن رجال الدين وتفرض على الناس بشتى السبل.
وغالباً ما يعاني الإنسان من ثقافة غير علمية وبائسة لا توصل للمرأة أو الرجل ما هو جديد في العالم الثقافي حيث تنعدم أو تقل المسارح ودور السينما والنوادي الثقافية والاجتماعية ووسائل الترفيه والتثقيف بالروح الإنسانية والأخوة, وتحل محلها الجماعات الدينية السلفية وأحياناً كثيرة المتطرفة منها, التي تحاول أن تدفع الإنسان إلى الإنغلاق الفكري وعدم تشغيل العقل أو التزمت الديني والكراهية للآخر. ويمكن بلورة المشكلة الثقافية والتربوية في نقاط محددة:
1. هيمنة الفكر المحافظ والسلفي على مناهج وأساليب التعليم والتربية والتثقيف وهيمنة الثقافة الدينية غير المتنورة حتى على المناهج المدرسية الحكومية وليس المدارس الدينية وحدها.
2. استخدام أسلوب التلقين في التربية والتعليم بعيداً عن المنهجية العلمية وبعيداً عن حاجات المجتمع وضرورات التنمية البشرية وسوق العمل.
3. فقدان الإنسان المثقف لحرية التعبير والنقد والشفافية في عرض الواقع في البلاد.
4. مصادرة ضرورات التلاقح الثقافي مع الثقافات الأخرى بذريعة الخشية على ثقافتنا الوطنية وتقاليدنا وخشية من ثقافة العولمة المستوردة إلى بلاداننا!!
5. نقص الموارد المالية المخصصة لأغراض التربية والتعليم ونشر الثقافة الديمقراطية الحرة في صفوف المجتمع, في حين تخصص الدولة المزيد من المبالغ لأغراض القوات المسلحة والأمن الداخلي على سبيل المثال لا الحصر.
6. عدم إيصال النشاط الثقافي إلى الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة, وخاصة الشباب منهم, واقتصار بعض النشاطات الثقافية على النخب الغنية وفئة محدودة من بنات وأبناء المجتمع .
إن ضيق الحياة الثقافية والاجتماعية أمام أفراد المجتمع, وخاصة أمام الشابات والشباب وتراجع الثقة بقدرة الدولة والمجتمع على توفير المتنفس والأمل بالمستقبل والحصول على عمل لائق وفرص مناسبة للتطور والتكوين الذاتي التعليمي والثقافي للإنسان, تدفع بهم إلى التفكير بالسفر والهجرة إلى أجواء أخرى توفر لهم ما يفتقدونه في بلادهم, وهو كثير حقاً.
ليس عيباً مغادرة الوطن للتعلم وكسب المزيد من العلم والثقافة الجديدة والتلاقح مع الثقافات الأخرى ومن أجل العمل, ولكن العيب في أن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على ذلك في بلاده ويضطر للهجرة بسبب فقدان ما يحلم به أو يرجوه لنفسه ولتأهيله العلمي أو للحصول على فرصة عمل بسبب عدم توفرها في بلاده.
إن الهجرة من بلدان الشرق الأوسط واسعة جداً وستزداد في السنوات القادمة بسبب طبيعة النظم السياسية غير الديمقراطية السائدة في أغلب هذه الدول. وإذا ما توفر حيز من الحرية, فأن أوضاعاً أخرى تأتي على هذا الحيز لتمنع التمتع به. فالمجتمعات في دول الشرق الأوسط لا تعاني من دور أغلب الحكومات القائمة فيها وسياساتها فحسب, بل ومن جماعات إسلامية سياسية سلفية متطرفة ورجعية تحاول أن تلعب دور الرقيب على سلوك الإنسان, كما يجري اليوم في عدد من دول المنطقة, ومنها العراق وإيران على سبيل المثال لا الحصر, والتي ستتسع لاحقاً ما لم يتسنى للمجتمع وضع حدٍ لها. فهي تمنع محلات الحلاقة للنساء وتحرق دكاكين بيع الأشرطة الغنائية وضد الرقص والموسيقى الغنائية وضد محلات بيع الخمور أو النوادي الليلية, وهي تحرم الشباب من ارتياد المسارح ودور السينما أو تمتع الرياضة عن النساء …الخ. كما أنها تقوم بمنع أو حرق الكتب التي تراها خطراً على فكر الإنسان من وجهة نظرها الدينية المتطرفة والمغالية في تطرفها.

بعد أن تطرقنا في الحلقتين السابقتين بتكثيف شديد حول العوامل الأساسية, وليس كل العوامل, التي تكمن وراء الهجرة الشبابية الواسعة والمستمرة من دول منطقة الشرق الأوسط إلى الدول الغربية على نحو خاص, نحاول في هذه الحلقة من الثلاثية الإشارة المكثفة إلى السبل التي يمكن بموجبها توفير مستلزمات معالجة هذه المشكلة المعقدة والمستديمة.


الحلقة الثالثة: سبل ووسائل معالجة الهجرة الشبابية

في واقع الأمر لا يمكن ولا يجوز التفكير بأي حال في وقف نزوح مجموعات من الشباب, من النساء والرجال, إلى الدول الغربية لاكتساب العلوم والتقنيات الأكثر حداثة أو للعمل والتدريب, إذ أن هذه الظاهرة كانت وستبقى إنسانية مشروعة وطبيعية ومهمة في آن واحد لجميع الشعوب بهدف التفاعل والتلاقح الثقافي والاجتماعي المتبادل والتفاهم والسلام, خاصة وأن عالمنا المعاصر يعيش مرحلة العولمة الموضوعية في ظل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية السائدة, التي لا يمكن لأي شعب من شعوب العالم الإفلات أو الهروب منها, إذ أنها ظاهرة موضوعية ترتبط بمستوى تطور القوى المنتجة على الصعيد العالمي وليس على صعيد كل بلد من البلدان. وكما هو معروف فأن التباين في مستوى التطور والتقدم العلمي والتقني حالياً شديد جداً بين مختلف دول العالم ولا بد من الاحتكاك والتفاعل والتبادل والتنمية لتقريب المستويات المتباعدة وخاصة في مجال العلوم والتقنيات والإنتاج. إلا أن ما يفترض مواجهتها والحد منها هي ظاهرة الهجرة الجمعية تقريباً للشباب إلى خارج بلدانها بسبب البطالة الواسعة الناشئة عن التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقمع والإرهاب السياسي ليس من الحكومات وحدها, بل وأحياناً غير قليلة من قوى إرهابية ترهب الحكومات ذاتها, كما هو جار حالياً في العراق وفي لبنان على سبيل المثال لا الحصر.
لا شك في أن ظاهرة العولمة, كحالة موضوعية, تختلف تماماً عن ظاهرة السياسات العولمية التي تمارس للاستفادة منها لصالح الدول الصناعية المتقدمة ضد اقتصاديات ومصالح الدول النامية. ولهذا يفترض القول بأن سياسات الدول النامية هي التي يمكن أن تحدد بهذا القدر أو ذاك إمكانية التخلص من بعض سلبيات السياسات العولمية على اقتصادياتها والاستفادة من بعض إيجابياتها والناجمة عن التباين فس مستويات التطور, إذ كلما كان الاقتصاد متخلفاً وضعيفاً يواجه مصاعب أكبر في ظل العولمة, ولكنه يمتلك فرصة نسبية أيضاً في التخلص من أوضاعه الراهنة. وهذا الأمر لا يرتبط بسياسة كل دولة فحسب, بل وبسياسة الجماعات الاقتصادية التي يمكن إقامتها في كل منطقة من مناطق العالم بين مجموعات من الدول المتقاربة حدودياً, كما في منطقة الشرق الأوسط أو الدول العربية, لتشكل فريقاً قادراً على الصمود ووالاستفادة وتجنب السلبيات نسبياً والتقدم والمنافسة على الصعيد الدولي وتأمين مستلزمات أفضلية الاستفادة من العولمة كعملية عالمية موضوعية. وموضوع العولمة يرتبط مباشرة بقضية البطالة والهجرة الدولية التي نبحث فيها, ولهذا يفترض عدم إهمالها عند البحث فيها, وهي النقطة الصائبة الوحيدة التي تطرق إليها السيد عمرو موسى في حديثه في الندو التي أشرنا إليها في المقال الأول والتي نظمتها القناة الفضائية العربية على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي الدولي, حيث طالب أن يكون مستوى التربية والتعليم ومستوى الخريج بما يؤهله منافسة الآخرين من أقرانه في سوق العمل المعولم.
والآن, ما العمل للحد من الهجرة المتزايدة والمستمرة من دول منطقة الشرق الأوسط؟ محاولتي للإجابة ستتركز على الدول الطاردة للقوى العاملة فيها, وخاصة بين الشباب, ولا تتعلق بالدول الجاذبة لتلك الهجرة, سواء المشجعة لاستقبال بعض الكفاءات الممتازة والاستثنائية أم الرافضة لنسبة كبيرة من المهاجرين, رغم عجزها عن الوقوف بوجهها, كما برهنت عليه السنوات المنصرمة حتى بعد أن أصدرت الكثير من القوانين والتعليمات المعرقلة لقبول اللاجئين إليها, سواء لأسباب سياسية أم اقتصادية.
تتوزع الحلول المطلوبة للحد من الهجرة وليس إلى إيقافها على ذات العوامل التي كانت سبباً في توسيع وتنويع القوى المهاجرة, وخاصة بين الشباب واحتمال تفاقمها بين الشابات أيضاً, أي أنها تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, على أن لا ينسى الباحث في هذا الصدد التشابك والتداخل والتفاعل بين هذه العوامل, فالعوامل السياسية تؤثر بدورها على العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية, والعكس صحيح أيضاً. ولهذا لا بد من الانتباه إلى احتمال تكرار العوامل لأن النظر إلى كل منها لا بد أن يكون من زوايا مختلفة, ولكنها تلتقي بالمحصلة النهائية بالنتيجة المنطقية, أي هجرة الشباب.

الجانب السياسي
لا يمكن تصور توقف هجرة الكوادر العلمية من الشباب أو من مختلف الأعمار حين يعيش المجتمع في أجواء سياسية ضاغطة على الحرية وغياب الديمقراطية وممارسة سياسة التمييز بين
الناس, سواء في الحصول على فرص للدراسة أم العمل والوظيفة لدى الحكومة. ومهما اتخذت الحكومات الاستبدادية على منع الهجرة أو السفر إلى خارج البلاد, فسيجد الإنسان الرافض للوضع السياسي والمعرض للاضطهاد والقمع فرصة مناسبة للهروب من الدولة التي تقمعه وتمنع تطوره أو تلقيه في السجن أو تعرضه للموت تحت التعذيب.
وغالباً ما واجه أو ما يزال تواجه الكثير من الناس في الدول القمعية أو تحت إرهاب قوى إسلامية سياسية أنفسهم أمام ضرورة ترك البلاد والهجرة إلى دول أخرى لأنهم يعانون من قمع فعلي لأسباب سياسية, سواء أكانت قومية, كما في حالة الكرد أو الكلدان والآشوريين أو الأمازيغ أو الجنوبيين ودار فور في السودان مثلاً, أم لأسباب دينية, كما في حالة المسيحيين والصابئة والأيزيديين أو من أديان أخرى, أم مذهبية, كما هو حال الشيعة أو السنة أو البهائية, أم فكرية وأراء سياسية متنوعة. ومثل هذه الحالة لا يمكن إيقاف الهجرة السياسية منها إلا حين تتدخل الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان لفرض قرارات دولية ضد الدول القمعية لتغيير سياساتها ونهجها القمعي لصالح الحرية الفردية والديمقراطية. ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا عبر تنامي النضال الذي يخوضه الشعب ضد الدولة القمعية وضد قوى الإرهاب المحلي أو الإقليمي. وهي عملية ليست سهلة, خاصة وأن القاعدة الاقتصادية لهذه الدول لا تزال غير مؤهلة لإقامة مجتمع مدني ديمقراطي يعترف للإنسان بحريته وحقوقه الإساسية. فممارسة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية وحرية التعبير والتنظيم …الخ هي السبيل الوحيد لإيقاف الهجرة السياسية, إذ في غالب الأحيان تمارس المعارضة السياسية التي تصل إلى السلطة على أنقاض نظام استبدادي, تقيم استبداداً من نوع آخر, إذ كلها تنطلق من ذات المواقع الاقتصادية والاجتماعية, فالحرية لها وليس لغيرها, وهي قضية حضارية بحاجة إلى عمل طويل وكثيف وسنوات غير قليلة وتأثير دولي متعاظم على تلك القوى سواء التي في السلطة أم خارجها.

الجانب الاقتصادي والاجتماعي
يتداخل الجانب الاقتصادي من المشكلة مع الجانب الاجتماعي, إذ أن مستوى التطور الاقتصادي هو الذي يحدد مستوى التطور الاجتماعي. ولهذا فأي تغيير في بنية الاقتصاد الوطني يجد تجلياته في تغيير مماثل في البنية الاجتماعية. ولهذا فأن مكافحة البطالة وإيقاف هجرة الشبيبة الواسعة إلى الدول الغربية لا تستوجب إيجاد فرص عمل فحسب, بل وتأمين مستلزمات اجتماعية تساعد على جذب الشباب وتشويقهم على البقاء في البلاد. ومن هنا يفترض اتخاذ إجراءات تعتمد الأمد المتوسط والبعيد بشكل خاص, مع القناعة بصعوبة تغيير الوضع على الأمد القصير, ومنها ما يلي:
1. تأمين مستلزمات الاستثمار الخاص والحكومي في قطاعي الصناعة وتحديث الزراعة بحيث توفر المزيد من فرص العمل, كما يفترض تنشيط تنمبة دور ومكانة وإمكانيات القطاع الصناعي الحرفي الذي في مقدوره تأمين الكثير من فرص العمل.
2. تغيير بنية التربية والتعليم لصالح الدراسات المهنية والفنية وبما يساعد على توجه الشباب صوب المجالات العملية في الإنتاج والخدمات, بدلاً من زيادة التوجه صوب القطاعات الإنسانية التي لا يحتاجها المجتمع ولا التنمية الاقتصادية.
3. تأمين مراكز التدريب والبحث العلمي للشباب وتأمين مستلزمات التدريب والتأهيل المتواصل والبحث المستقل, وضمان رواتب وأجور وظروف عمل أفضل مما هي عليه الآن.
4. اعتماد مبدأ المواطنة في التعامل مع الإنسان في هذه الدول ورفض التمييز الراهن بمختلف صوره ورفض اعتماد صيغة المحسوبية والمنسوبية في القبول والتدريس والتوظيف التي تمارس في جميع دول الشرق الأوسط دون استثماء, وهي التي تساهم في ضياع الكفاءات واحتجاج الناس ضد هذه الممارسات, إضافة إلى دور الفساد المالي والإداري في هذا الصدد.
5. وضع أسس جديدة لتحديد الرواتب والأجور بما يساعد الخريجين والعاملين الجدد في الحصول على أجور ورواتب تساعدهم على النهوض بأوضاعهم وهم في بداية حياتهم العملية.
6. الكف عن التمييز بين المرأة والرجل لصالح الرجل الذي يساعد على خسارة كفاءات كثيرة ويخلق تعقيدات كبيرة في حياة وسلوك الأفراد والمجتمع.
7. إن التغيير الاقتصادي باتجاه التصنيع وتحديث الزراعة سيسهم في تغيير الكثير من العادات والتقاليد التي يمارسها الأفراد في المجتمع وتفتح آفاقاً طيبة لتطور الإنسان.
8. إن تقليص البطالة وزيادة فرص العمل للشباب يعني تحسين مستوى الدخل للفرد والعائلة ويقلص الصراع الطبقي ويحقق السلم الاجتماعي, في حين أن اشتداد الفجوة الدخلية تزيد من احتمالات التناقض والصراع والصدام في آن واحد.
9. مكافحة الإساليب البيروقراطية المؤذية للفرد والمجتمع التي تمارسها أجهزة الدولة وروح التعالي التي تتميز بها إزاء المواطنة والمواطن.
10. تامين الخدمات الاجتماعية الأساسية للمواطن كالمسارح ودور السينما والنوادي وخدمات أخرى كثيرة.
وتضعنا هذه الأمور أمام المسألة الأخيرة من هذه المشكلة, وأعني بها الجانب الثقافي.

الجانب الثقافي
يقترن دور الجانب الثقافي في الحد من هجرة الشباب بالوجهة التي تلتزمها الدولة في عملية التنمية الاقتصادية والبشرية, باعتبارها جزءاً من البناء الفوقي الذي يفترض أن يتغير بتغير القاعدة الاقتصادية والاجتماعية. وتلعب الدولة دوراً أساسياً في وضع وتنفيذ برامج ومناهج ديمقراطية حديثة وعقلانية في مجالات التربية والتعليم والإعلام والثقافة التي تبدأ برياض الأطفال فالمدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية وفي الدراسات المهنية والجامعية وبقية مراحل التعليم العالي. وعملية التغيير في المناهج وقطف ثمار الجديد تستغرق فترة طويلة وتتلازم مع التغيرات في المجالات الأخرى. ويمكن بلورة الأفكار التي تسمح بتوفير أرضية صالحة لربط الإنسان عضوياً وطوعياً بالمجتمع والوطن في النقاط التالية, بعيداً عن الحماس الوطني:
1. توفير الرؤية والأجواء الديمقراطية في العملية التربوية والتعليمية وفي المجالات الإعلامية والثقافية, إذ بدونها يتعذر الحديث عن تربية وتعليم حر وثقافة حرة وديمقراطية. وهذا الأمر يشمل وضع المناهج وفق أسس علمية هادفة إلى رفع مستوى معارف وخبر ووعي الإنسان وقدراته على التعامل الفعال مع واقع المجتمع وسبل تطويره الديمقراطي.
2. ربط التعليم المهني والجامعي بحاجات عملية التنمية الاقتصادية والبشرية وتكوبن الكفاءات والمهن التي يحتاجها المحتمع والاقتصاد الوطني في تطورهما المستقل.
3. توفير الحرية الأكاديمية للطلبة والأساتذة التي تساعد على نشر الأسس العلمية والعملية في العملية التربوية والتعليمية والثقافية العامة وتوصيل سبل السير صوب اكتشاف الحقيقة, وليس الحقيقة ذاتها, إذ أن للحقيقة أوجه عديدة أو أنها حمالة أوجه ترتبط بالزمان والمكان من جهة وبزوايا الرؤية المتباينة من جهة أخرى.
4. توفير مستلزمات تطوير البحث العلمي والإنساني الحر والديمقراطي المستقل بعيداً عن تدخل الدولة وضمان العيش الكريم للباحثين, وضمان نشر وتاعميم نتائج الأبحاث والدراسات لصالح إغناء المجتمع وتثقيفه.
5. إبعاد السلطة عن التدخل في شؤون الحياةو الثقافية الحرة في ما عدا توفير مستلزمات تطوير الثقافة في المجتمع, وخاصة الجوانب المالية والإدارية.
6. تعزيز دور منظمات المجتمع المدني في التأثير الإيجابي على وعي الإنسان وعلى حقوقه وحرياته وضمان الدور الضاغط على الدولة لتأمين تحقيق مصالح المجتمع وحمايته من هيمنة الدولة أو قمعها.
7. تأمين إمكانيات مناسبة لنشر نتاجات المثقفين والخرجين الشباب الذين يتطلعون إلى نشر أعمالهم الفكرية, العلمية منها والأدبية والفنون التشكيلية والمسرحية والأعمال الفنية الأخرى.
8. إلا أن أكثر المسائل أهمية وضرورة, إلى جانب الحرية الفردية والديمقراطية, للشباب من أجل الحد من هجرته هو الحصول على فرصة عمل لائقة تنسجم مع كفاءاته وإمكانياته للتعبير عن ذاته وإشباعه حاجاته الروحية والمادية.
9. ولا بد للدولة والمجتمع أن تمارس تأثيراً مباشراً, وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الديمقراطية, على مواجهة التقاليد والعادات والطقوس البالية التي لم تعد تتناغم مع المجتمع الدولي الجديد, إضافة إلى الحد من دور المؤسسات الدينية غير المتنورة والتي تحاول الشطب على دور الدولة والحلول محلها, في حين أن دورها يختلف كلية عن دور الدولة في المجتمع. إن تقليص أو تحديد دور المؤسسة الدينية لا يعني التدخل في شئون الدين, بل يعني عقلنة المناهج والدعايات والأساليب التي تمارسها المؤسسة الدينية والتي لا تنسجم بأي حال مع دور الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة القائمة على التشريع المدني الحديث.
هذه هي باختصار الوجهة التي يمكنها, وكما أرى, بحدود مناسبة مواجهة الهجرة المتفاقمة من المثقفين والمثقفات, وخاصة بين الشباب منهم في مختلف بلدان المنطقة. وبالنسبة للعراق فلا يمكن تصور أي مواجهة صائبة ضد الهجرة المتفاقمة من العراق أن تحقق نتائج عملية لها ما لم تتوصل الدولة, وفق سياسة حكومية عقلانية وعملية, إلى وقف الإرهاب والتطرف والعنف المنفلت من عقاله وإلى إيقاف نزيف الدم غير المنقطع حتى الآن.
أيلول / سبتمبر 2007 كاظم حبيب